المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(154)]

أقدار عشيرة

بعد “فيلا النساء” و”آخر أسياد المرصد” صدرت للروائي اللبناني الفرنكفوني شريف مجدلاني رواية عنوانها “الإمبراطور على قدمين” يروي فيها قصة رجل يدعى خنجر جبايلي أسس في جبال لبنان أواسط القرن التاسع عشر سلالة أخضعها لقاعدة لا محيد عنها وهي ألا يتزوج من كل جيل يخلفه سوى فرد واحد، يتولى إخوته وأخواته إدارة ممتلكات العشيرة التي سرعان ما ازدهرت في عهده. وظلت تلك السلالة وفية لقاعدة الجد الأول منذ ذلك التاريخ حتى الآن رغم هجرة أفرادها وتنقلهم في شتى أصقاع الأرض من أوروبا الغربية إلى أميركا اللاتينية مرورا بالبلقان والصين، إلى أن قرر آخر أحفاد عائلة الجبايلي الخروج عن التقاليد إثر عودته في مطلع هذا القرن إلى أرض النشأة، فكان ما كان.

الثروات الحق

“ثرواتنا” هو عنوان رواية جديدة للجزائرية الفرنكفونية كوثر أديمي تدور أحداثها في الجزائر زمن الاستعمار وبطلها إدمون شاركو فرنسي يفتح مكتبة في الجزائر العاصمة أسماها “الثروات الحق”، لا يكتفي صاحبها ببيع الكتب فقط، بل يتولى أيضا اكتشاف المواهب الشابة في حوض المتوسط دون اعتبار للغة والدين والتشجيع على نشر إنتاجها، فكان أن نشر أول نص لشاب غير معروف،هو ألبير كامو الذي سيفوز لاحقا بجائزة نوبل للآداب. ورغم فرحته بالنجاح الذي حقق ذلك العمل الأول، لم يكن شاركو يدري أن حياته التي نذرها للكتب سوف تخضع هي أيضا لتقلبات التاريخ. البطل الثاني هو رياض طالب جزائري لا يهتم بالأدب يعود من باريس قبيل اندلاع الثورة فيدعى إلى إعادة طلي جدران مكتبة مغبرة عوضت الفطائر فيها الكتب. ولكن إفراغها من محتوياتها سيشكل مشكلة معقدة بالنسبة إلى العجوز عبدالله حارس المبنى.

التخييل بين الواقع والعقلانية

ما يميز التخييل عن التجربة الحياتية في رأي أرسطو ليس الإخلال بالواقع بل العقلانية المفرطة، لأن التخييل يستهين بتوارد الأحداث المعتادة ليركز على كيفية حدوث الطارئ غير المتوقع فتتحول السعادة إلى شقاء والجهل إلى معرفة. تلك العقلانية التخييلية يقول الفيلسوف جاك رانسيير في كتابه الجديد “حوافّ التخييل” شهدت في العصر الحديث مصير متناقضا، فالعلوم الاجتماعية شملت مجمل العلاقات البشرية بنموذج تسلسل سببي تسلّطه على أفعال كيانات مختارة. في حين أن الأدب فضل أن يواكب نسق المعيش المعتاد وحياة البشر العاديين ويضع نفسه في الحافة القصوى التي تفصل الموجود بما قد يحصل. في سرديات الأدب المعلنة كما في سرديات السياسة والعلوم الاجتماعية والصحافة غير المعلنة، يتم دائما بناء الأشكال التي يتمثّلها الإدراك والفكر عن عالم مشترك. من ستندال إلى غيمارائيش روسا، ومن ماركس إلى سيبالد، مرورا ببلزاك وبو وموباسان وبروست وريلكه وكونراد وفوكنر يستكشف رانسيير تلك البنيات التي تقع على حافة الكل واللاشيء.

كيف تتحقق الطوباويات

“طوباويات واقعية” كتاب مثير للجدل من تأليف المؤرخ والصحافي الهولندي راتجر بريغمن يبين فيه أن الطوباويات ممكنة التحقق وأن الإنسان يمكن أن يبني عالما مثاليا. استنادا إلى أعمال كثيرة لإستير دوفلو وتوماس بيكيتي ودفيد غريبر، وإلى أمثلة أخرى من الحياة السياسية في أميركا وكندا، يفسر بريغمن أن تطور الحضارات منذ بداية الديمقراطية حتى إلغاء العبودية كان في البداية مجرّد حلم راود كثيرا من الفلاسفة والمفكرين والمصلحين قبل أن يصبح واقعا ملموسا، ومن ثم فإن الأفكار التي يقترحها لتخفيض ساعات العمل والدخل الموحد ومقاومة الفقر والقضاء على الفروق الاقتصادية والاجتماعية وإخضاع السيولة المالية للجباية وفتح الحدود ممكنة وهي الكفيلة في رأيه بخلق عالم جديد ملؤه الازدهار لجميع البشر.

حيوانية الإنسان

في كتابه “عقدة القردة الثلاثة” يناقش إتيان بيمبنيه، أستاذ الفلسفة بجامعة بوردو، علاقتنا بالحيوان في هذا الظرف الذي تطرح فيه بحدة “القضية الحيوانية” في حياة الإنسان منذ داروين ونظرية التطور والانتقاء الطبيعي، ليس من جهة انحدار الجنس البشري فقط وإنما أيضا من جهة علاقتنا الأخلاقية بالحيوانات التي تشبهنا أو التي نستعملها في حياتنا، وهي علاقة تؤكد مركزية الحيوان في حياتنا حتى أنه يمكن الحديث عن حيوانية الإنسان التي من شأنها أن تلغي الثنائية والفصل الميتافيزقيّين القديمين إنسان/حيوان. فهل نستطيع أن نتحرر من عقدة القردة الثلاثة” من تلك الكيفيات الثلاث لإنكار أننا نعيش ونفعل ككائنات حية بشرية؟ وهل يمكن أن نتخيل تقدما حقيقيا واعيا بكل ما ندين به للحيوانات دون أن ننكر من نكون؟

فهم العالم مع سبينوزا

“زمرة سبينوزا” رواية فنتازية فلسفية صاغها صاحبها مكسيم روفير، أستاذ الفلسفة بجامعة ريو دي جانيرو، على طريقة “اسم الوردة” لأمبرتو إيكو، إذ يجمع فيها بين الواقع والخيال ليصور حياة علم من أعلام الفلسفة هو بندكتوس دو سبينوزا بين أمستردام ولاهاي خلال القرن التاسع عشر الذي شهد مولد العقل المعاصر. الرواية تصور مغامرات الباحثين عن الحرية الذين أهملتهم كتب التاريخ أمثال شاول ليفي مورتيرا حاخام الجالية اليهودية في أمستردام وأدريان كورباغ الموسوعي الذي سبق عصره وفرنسيسكوس فان دن إندن المعارض الشرس للويس الرابع عشر وستينون عالم الأحياء العبقري.. وعلاقة سبينوزا بهم حدّ تشكيل زمرة استند إليها في صياغة فلسفة لا تبهر الإنسان بقدر ما تساعده على الفهم، أي أن يفهم بصورة أفضل ما العالم وأن يفهم معنى الفهم نفسه.

الوجه الحقيقي لأميركا

بعد كتابه “غضب أسود” الذي فتح أمامه أبواب الشهرة صدر للأميركي تا نهيسي كوتس، أحد أبناء النمور السود، كتاب جديد بعنوان “محاكمة أميركا” مع مقدمة لكريستين توبيرا وزيرة العدل السابقة في الحكومة الاشتراكية الفرنسية. في هذا الكتاب يطالب المؤلف السلطة الأميركية بتعويض السود عمّا لحقهم طوال وجودهم على هذه الرقعة من العالم، أي على مدة قرنين ونصف القرن تعرض فيها السود إلى الميز العنصري وجرائم القتل والسحل، ولا تزال مظاهر العنصرية قائمة رغم القوانين التي سنت منذ نصف قرن، نشهدها في القضاء المنحاز، والاغتيالات التي ترتكبها الشرطة ضد الشبان السود. ويعدد الأمثلة على ذلك من خلال مصائر كثير من السود الذين راحوا ضحية المظالم الإدارية والقضائية والسياسية. ويرى أن”إجلال تاريخ نضالي لرجل أبيض دون إدانته كمستعبد هو نوع من الوطنية المفروزة”.

ثورة حضارية جديدة

جديد المفكر اليساري ريجيس دوبري كتاب بعنوان “السلطة الجديدة” يحاول فيه فهم ظاهرة ماكرون التي عكست تحولا عميقا في الحياة السياسية، مشفوعا بتحول تحتي مخفي قوامه عبادة تتستر خلف الثقافة الجديدة المنتصرة والمتمثلة في العالم الرقمي والتسويق وعلم الإدارة وما إلى ذلك من مظاهر حديثة. وفي رأيه أنه تحت أثر مستجدات جيل تندرج فرنسا الديانة الكاثوليكية والجمهورية في الرواج العالمي لحضارة تولدت عن البروتستنتية الجديدة من غوتنبرغ إلى غوغل ومن لوثر إلى ريكور ومن التقديس إلى العلامة ومن المعنى إلى الرمز، مرورا بالسوق والمالية والشفافية وكذلك بالأخلاق والتعددية والشعور، وكلها تعكس ثورة جديدة في الأفكار والعادات. يحاول دوبري في هذا الكتاب القيم أن يتوقف عند تلك المحطات الهامة ليحلل ترابطها بعضها ببعض. كتاب ضروري لفهم ما حدث واستباق ما سوف يحدث.

العنف على أنقاض الإمبراطوريات المهزومة

“المهزومون” كتاب للألماني روبرت غيرفارت، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة أوكسفورد، وقد اختارته مجلة “بي بي سي” للتاريخ والملحق الأدبي لمجلة تايمز والفايننشال تايمز كأفضل كتاب هذا العام. وفيه يركز غيرفارت على الآثار المدمرة للحرب العالمية الأولى. فلئن عرف الشق المنتصر الأمن والسلام ومضى إلى إعادة بناء ما دُمّر فإن الشق المقابل، أي المنهزمين، عاش ويلات عديدة كالثورة والمذابح والإبعاد والنفي والحروب الأهلية والتصفية العرقية، وراح ضحيتها الملايين من البشر.

فقد مثل سقوط الإمبراطوريات كابوسا بلا نهاية لشعوب تمتلئ نفوسها حقدا ورغبة في الانتقام ضد أعداء حقيقيين أو وهميين. هي نظرة جديدة إلى إرث تلك الحرب تبين بالأدلة والبراهين أن ضحايا الخنادق في أوروبا كانوا دون ضحايا العنف الذي عقب الحرب في البلدان المهزومة عددا. عنف سوف يمهد لظهور التصفية العرقية في أنحاء كثيرة من القارة العجوز.

التواطؤ مع الأنظمة الشيوعية

يختم المؤرخ الفرنسي تييري وولتن ثلاثيته الهامة عن تاريخ الشيوعية في العالم، فبعد الجزء الأول “الجلادون، الشيوعية من أعلى” أي من جهة السلطة، والجزء الثاني “الضحايا، الشيوعية من أسفل”، أي من جهة المجتمع، صدر الجزء الثالث بعنوان “المتواطئون، الشيوعية في الأذهان”، ويركز فيه على الذين سمحوا للشيوعية بأن تزدهر في فضاء شاسع وعلى مدى سنوات طويلة: عشرات الأحزاب الشيوعية في العالم مع ملايين من المنخرطين؛ العمى الأيديولوجي للسواد الأعظم من مثقفي تلك الفترة؛ تسامح أغلبية المسؤولين السياسيين في الغرب مع الأنظمة الماركسية اللينينية؛ المساعدة التي قدمها الرأسماليون الجشعون للاقتصاديات الاشتراكية.. كلها أوجه وأشكال للتواطؤ. والآن وقد ثبت أن الأمل تحوّل إلى مأساة تتجلى المسؤولية متعددة وعالمية ولكن فضحها والتذكير بما آلت إليه ضروريان لفهم عصرنا، يقول الكاتب، كإرث مباشر لذلك القرن الشيوعي المنتهي.

مبتكر التوتاليتارية

ستيفان كورتوا هو مؤرخ ومدير بحوث شرفي في مركز البحوث والدراسات العلمية بباريس ومدير مجلة “شيوعية”، يعتبر من كبار المتخصصين في الشيوعية والظاهرة الشمولية، وهو الذي أشرف على تحرير “الكتاب الأسود للشيوعية”. بمناسبة مئوية ثورة أكتوبر 1917 نشر كتابا بيوغرافيا عنوانه “لينين، ابتكار التوتاليتارية” هو ثمرة حياة كاملة نذرها المؤرخ للشيوعية وآثارها. وبعكس الأفكار الرائجة التي تبرئ لينين من الاستبداد وتردّه إلى خلفه ستالين، يؤكد كورتوا أن لينين فكّر وأراد ثم أقام دكتاتورية أيديولوجية عديمة الشفقة، فهو الذي استنبط مفاهيم التوتاليتارية (الثورة العالمية ودكتاتورية البروليتاريا والحزب الدولة والمركزية الديمقراطية والاقتصاد المنظم والرعب الشامل) وأدواتها (حزب واحد، بوليس سياسي، جيش أحمر، غولاغ…) التي ستتولى القيام بفظائع القرن العشرين. فقد تميز لينين منذ البداية عن المعارضين الآخرين للقيصرية بكونه لم يعارض الليبراليين والديمقراطيين بل عارض كل الحركات الاشتراكية التي كان يندد بها في خطب نارية. ثم استعان بأقلية من الثوريين المحترفين المطيعين بدل الاتكاء على الجماهير. كما أنه اتخذ من نكوص الثورة الفرنسية عبرة فاستحكم بالسلطة من خلال اللجوء الآلي إلى العنف ليبسط نفوذه على المجتمع، وصفّى كل من خالفه ليمهد الطريق لمريده وخلفه ستالين.

جنود الرحمان المزيفون

“جند الله” كتاب استقصائي لكزافيي كريتييه، أستاذ العلوم السياسية، حلل فيه خطاب الجهاد الإسلامي من خلال لقائه بعدد من الجهاديين في السجون الفرنسية واستخلص أنهم ليسوا مجانين ولا جهلة، بل هم باختصار خطرون على المجتمع. يعرض الكاتب الأطر المعرفية (أيديولوجيات، نظريات، قيم، رؤى للعالم) التي عبر عنها جهاديون إسلاميون، نشطوا في فرنسا أو في صفوف القاعدة أو داعش. ولئن كان بعض المحللين قد عدّوا سلوكهم ناتجا عن تفكك أسري وإخفاقات اندماج، دون أن يعرفوا دوافعهم الحقيقية، فإن كريتييه يحلل من خلال اعترافاتهم الخطاب الذي يحدوهم وعلاقتهم بفرنسا والديمقراطية والسياسة والعالم الذي يحيط بهم، وكذلك العنف الذي يدافعون عنه ويبررونه، والمعتقد الذي يعتنقونه، فيرسم للقراء صورة عن ذهنية الجهاديين والكلام الذي ينطقون به، والمرجعية التي يستندون إليها دون تضخيم أو تهويل.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا