المدينة تنتصر “أحياناً”

خاطب الروائي المصري علاء الأسواني جموع المتظاهرين في أحد أيام ثورة 25 يناير 2011 قائلاً “إن الثورة تشْبه الوقوع في الحب”، وفاته أن يذْكر أن الحب يتحول أحياناً إلى كراهية. وثورة لا تأتي بما وعدت به من خير لا تلبث أن ترتد إلى المرارة وخيبة الأمل ما قد يعتبره البعض خيانةً للقضية أو ما اصطلح على تسميته بالثورة المضادة. إنه منحى ثوري مألوف على مدار التاريخ، ومنه نتذكر حادثة اقتحام الثوار لسجن الباستيل عام 1789 إيذاناً باندلاع الثورة الفرنسية وصولاً إلى ما يسمى “برد فعل تيرميدورن” وما تلا هذا القرار من إعدام لقادة الثوار والوثوب على الثورة وتجلياتها.

الجديد  هالة صلاح الدين [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(144)]

ولا نعهد روائياً يستبطن تمثلات ثورة إلا وخاطر بمزاحمة المؤرخين والتمثيل الحَرْفي للثورة ذاتها. هل تُعَد البداية انتفاضةَ تمرُّد تعْقبها ردةُ وعي شعبي تؤْثر استقرار البلاد بديلاً عن الأناركية الشعبوية؟ أبهذا الاختزال يصير الحكي الروائي؟ وللالتفات حول هذا القصور حصر بعض الروائيين الثورة في وقائع زمنية معينة الحدود، ويقفز إلى ذهننا مثال الروائي البريطاني تشارلز ديكينز في روايته الأشهر “قصة مدينتين” في عام 1859.

آخرون أطالوا صدر الرواية لتتخطى المستقبل المرئي فتتوارى آيات الأزمنة وتذوب المسافات بين الواقعي والغرائبي ويفلت الروائي من شرك التصنيف المخلّ كما فعل الفرنسي غوستاف فلوبير عام 1869 في رواية “التربية العاطفية” على ما التزم به في المجمل من استشراف واقعي.

أياً كان مفهوم النقاد عن تقصي مسار التيمة الثورية، فثورة 25 يناير نجحت حيناً وفشلت أحياناً. ونجدها في الحالتين وقد ضخت الأمل في حنايا صدور المصريين مثلما يحدثنا الروائي والسينمائي المصري عمر روبرت هاملتون الذي سلك طريق ديكينز في تدوير التاريخ الأخلاقي للثورة المصرية في روايته الأولى “المدينة تنتصر دائماً” (2017) الصادرة باللغة الإنكليزية عن دار فيبر وفيبر بلندن.

ورث هاملتون حب الأدب عن أبيه الناقد والشاعر البريطاني إيان هاملتون وأمه الروائية المصرية أهداف سويف التي نشرت كتاباً عن ثورة يناير تحت عنوان “القاهرة: مدينتي، ثورتنا”. وقد شارك الابن في تأسيس احتفالية فلسطين للأدب ومجموعة مُصرّين في القاهرة. له فيلمان قصيران تُوجا بالعديد من الجوائز، وهما “ما يدوم” و”ولو أني أعرف أن النهر جف”. ويكتب مقالات دورية في جريدة “الغارديان” ومجلة “لندن ريفيو أوف بوكس″ عن الملامح الاجتماعية المرافقة للوضع السياسي في مصر عقب ثورة 25 يناير.

سؤال مؤرق

حين انتفض المصريون بميدان التحرير، هرع هاملتون على أول طائرة من واشنطن ليلحق بركاب الانتفاضة خلف المتاريس. ومن تجربة مشاركته في مراحلها الأولى أخرج مدينة “تنتصر دائماً”. ورغم ما هضمه قالبها من حماسة الشباب البريء وشجاعتهم منقطعة النظير و”أحلام اليوتوبيا الساذجة” مثلما وصفها الكاتب الجنوب أفريقي حامل نوبل جيه إم كويتزي، يسجل هاملتون فشل الثورة القاسي على لسان بعض النماذج الإنسانية المحبَطة والمحبِطة التي وقعت في فخ القوة الوحيدة المنظَّمة على أرض الواقع، وكانت إخوانية باطشة لا تولي للديمقراطية أو الإنسانية احتراماً.

وفي الإطار نفسه ينفتح السردُ على علاقات متشعبة بلغة لا تتخلى عن شعريتها عبر الحدود والأجيال، وإن كانت تصل أحياناً إلى درجة كبيرة من الفوران والشقاق. كما يطرح السؤال الأزلي عما ابتليت به صورة الابن على يد الأب، وما يجر عليهما الانتظار الطويل للتغيير من مهانة.

وعلى النقيض من رواية الكاتبة المصرية ياسمين الرشيدي “وقائع من الصيف الماضي” التي بالكاد تذكر أحداث 2011 الدامية وتستبدلها بسرد مقتضب يسطِّح التجربة المصرية، يميط هاملتون القناع عن تبعات العنف في مشرحة باردة تعج بالأجساد المتصلبة. وإرهاصات الفظاعة تلك يفْرد لها هاملتون تقنيات ديناميكية أقرب إلى الصيغة السينمائية اللاهثة، “هذه الممرات تعج بالجثث والغضب والأسى عجاً حتى إن شيئاً ولا ريب سينفجر. تتصاعد في كل بقعة صرخات فقدان جديد، سؤال صارخ، وجه مذعور، مكالمة هاتف باكية. إنهم موتى، إنهم موتى، إنهم جميعاً موتى”.

وشتَّان بين ثورة متفجرة شنها أبناء الطبقة الفقيرة ضد جهاز الشرطة وأخرى بيضاء انطلقت بين أبناء الطبقة المتوسطة والعليا. فإشارات الأخيرة ورموزها تكرس في الرواية فكرة “أمركة” نخبة المجتمع المصري، ونحن لا نلمح عامة الشعب إلا عبر خطاب آباء ثكلوا أبناءهم في المواجهات مع الشرطة. ومن تلك الصفوة كان خليل ومريم، ناشطان بوهيميان من “جيل التحرير” اليساري الطليعي، بهما من الخيلاء والنرجسية ما سمح لهما بتفويض نفسيهما حراساً راديكاليين على تاريخ الثورة وميدانها بصفته أعظم قصائد مصر.

معصومة من الخطأ

تتوقف مريم أمام حلم يتعالى فيه الصراخ والبكاء وأزيز الطلقات، “تجلس على الأرض أمامها امرأة ترتدي ملابس أرجوانية، عيناها ترتقيان إلى السماء، شفتاها تتحركان بلا انقطاع في صلواتهما، يداها تقبضان على أصابع رجل منهكة تلتصق بصدرها. عيناه مرتخيتان، صدره مغطى بوجه يسوع مزخرف. بمقدور مريم أن تسمع عبارات لا تزال تتشاحن في الخارج، ولكنها عهدت إلى نفسها بمهمة في هذه الحجرة، مع هذه المرأة، وهذه الجثث”.

وهكذا تلح هذه الدراما الوثائقية علينا بمشكال من المشاعر تغطي طيفاً واسعاً من الحدة والتعاطف، يراهما الناقد توبي ليتشج في جريدة “ذا وول ستريت جورنال” عملتين نادرتين في الأدب السياسي. وسعياً إلى هذه الغاية تفند أحداث بدلت تاريخ مصر الحديث، “لقد ظللنا نفعل الشيء نفسه منذ مئات السنوات. نسير في مسيرات، نقاتل، نغني، نموت، نتغير، ننتصر، نخسر. هذه المرة ستكون مختلفة. هذه المرة لا يزال بمقدورنا صنع مستقبل جديد”.

ومؤلفها لا ينشد إحراز المكاسب السياسية ضد الجيش أو الشرطة المصرية بقدر ما يتطرف في قراءة مفارقات القدر وتصاريفه، قراءة تستدعي رؤية فلوبير لماض كالحطام ومستقبل في يد براعم لم تتفتح بعد، وبينهما يعيش فلوبير القائل إن “كل شيء مشوش، غامض. فلا القديم مات كلياً ولا الجديد ولد فعلاً”.


كاتبة من مصر مقيمة في ليدز