الكتاب المستعاد

ذاعت شهرة عبدالحكيم قاسم بروايته “أيام الإنسان السبعة” التي قدمت الريف المصري في صورة مغايرة عمّا قدمته كتابات الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، كما في كتابات محمد عبدالحليم عبدالله وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس. كانت تجربة قاسم مغايرة على مستوى الشكل والمضمون، والحقيقة أن لعبدالحكيم قاسم أعمالاً لا تقل أهمية عنها مثل روايته “المهدي” التي ترصد توغُّل جماعات التطرف الديني في القرى المصرية في نموذج قرية “محلة الجياد” وهي رواية قصيرة كتبها أثناء غربته في ألمانيا، ونشرت لأول مرة مع رواية أخرى بعنوان “خبر من طرف الآخرة” عن دار التنوير ببيروت عام 1982.

الجديد  ممدوح فراج النابي [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(146)]

يؤكّد نقاد عبدالحكيم قاسم على أن حياته أشبه برحلة بحث دائمة عن الذات في الشيء ونقيضه وهذا التناقض الصارخ واضح بصورة لافتة في رواية “قدر الغرف المقبضة” التي نشرتها مجدّدا دار الشروق المصرية مؤخّرًا مع أعمال عبدالحكيم قاسم الكاملة فحياة قاسم مُوزَّعة على الغرف بكل ما تحمل من انقباض وكآبة. فحلّ الانقباض على كلِّ شيء.

البحث عن الذات

الرواية ترصد لمسيرة عبدالعزيز منذ طفولته في القرية. تلك الطفولة التي ضاقت من كآبة الغرف وضيقها إلى المراهق الذي تتبلور في ذهنه الأسئلة دون محاولة للإجابة عنها إلى الطالب في ميت غمر ثمّ في مرحلة تالية في الإسكندرية طالبًا جامعيًا إلى رحلته في سجون مصر، وأخيرًا رحلته إلى برلين وما حدث له من أحداث جعلته ينتقل من حجرة إلى أخرى دون أن تفارقه كآبة الغرف التي شهدها من قبل. عبر هذه التنقلات بين الأزمنة المختلفة وكذلك الأماكن لا نرى المؤلف يعمد إلى ترتيب زمني كرنولوجي في تتبع هذه المسيرة فعلى الرغم البنية التصاعدية للحكاية والأحداث إلا أن الاضطراب والتحلّل في عملية الترتيب والتتابع الزمني هو الملمح المميّز لهذه البنية الزمنية.

فمع حرص الراوي الغائب الذي تسند إليه مهمّة السّرد على إحداث نوع من التتابع الزمني في الأحداث والمشاهد إلا أن الذاكرة تستدعي بعض الأحداث المرتبطة بزمن قبل زمن السرد الحالي وهو ما يُحْدث نوعًا من قطع الوحدة الزمنية وأيضًا المشهد المسرود.

بعد انتقال البطل عبدالعزيز إلى برلين تتجدَّد مشكلته الأزلية التي لا تفارقه حتى بعد مغادرته مصر والأماكن التي سبَّبت له الكآبة. وهي البحث عن سكن ملائم سكن غير السَّكن القابض على روحه وقلبه. وتطل عليه ذكرياته عن القاهرة عندما أتى إليها مع والده وفيها ينتقل من غرفة إلى أخرى، ومن حيّ إلى آخر، حتى يأتي إليه أبوه ويعود معه إلى القرية. وفي هذه المرحلة يتفتح وعي عبدالعزيز فيبدأ التعرف على الآخرين وأول مَن يتواصل معها كانت “المومس النوبية”، وشاب تعامله مع الآخرين الحذر فالسكان “أصناف من الطلاب وصغار الموظفين والبائعين الجوالين والعمَّال وصغار تجار المخدرات” وفي ظلِّ هذا التنوّع من البشر عاش بينهم ولكنه مرعوب حتى ألفهم وعرف أنهم “ضعاف كالقش، لكنهم أيضاً ينتفضون كالقطاط بلا رحمة ويخمشون بوحشية” مع كل هذا التآلف بين البشر بدأ يضيق بالمكان كله، فلا يجد الاستقرار الظامئ إليه والباحث عنه في كل الأماكن التي انتقل إليها فزادت آلامه بعدما توافقت مع آلام وأحزان الآخرين، والتي -هو نفسه- لم يجد لها سببًا فأخذ في التفكير في تحقيق أحلامهم هو وصديقاه صلاح وشوقي، المرتكزة على التطلُّع إلى روما وأثينا وباريس.

وبعد إنهائه لدراسته الثانوية يلتحق بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، وهناك يسحر بالمدينة منذ لحظة وصوله محطة سيدي جابر. وفي ظلّ مرحلة النشوى لسحر هذه المدينة يتمنى أن “يترك نفسه في حضن هذا البلد الرقيق الحبيب”.

مرآة السجن

المرحلة الأكثر إيلامًا له هي عندما تمَّ القبض عليه وهو في القاهرة من مقر عمله ليقضي أربعين شهرًا بين سجون مصر المختلفة. الغريب أن الرّاوي لم يقدّم لنا أسباب هذا الاعتقال، أو الأفكار التي اعتنقها فجعلته خطرًا فاستلزم سجنه. أو حتى انتماؤه لتيار أو تنظيم سياسي. وكانت مرحلة السجن مرحلة مهمّة في حياة عبدالعزيز حيث في هذه المرحلة بدأ يكتشف هواية الكتابة ومن داخل السجن بدأ يكتب أعماله التي أخذت تنشر في مجلات مثل الآداب البيروتية وجاليري 68.

الشيء المهم هو أن السجن جعل عبدالعزيز يتوحد مع الآخرين فلا يحكي عن ذاته وأزماتها كما في المراحل السابقة، وإنما عن عذابات الآخرين، وبذلك -لأول مرة- ينتقل من الخاص إلى العام. فيحكي عن أوجاع الآخرين الذين يرسفون في الأغلال، في سجن مصر والقناطر والواحات وأسيوط إلى بورسعيد. أما سرده عن ذاته فلم يعد كما كان سابقًا سردًا لتفاصيل حياته وانتقالاته وإنما بدأت ذاته تواجه نفسها عبر أسئلة -ربما لا يجد إجابة لها- فمعظمها كان يُوأد في داخله حيث لا إجابات. كما أدرك بوعيه أن محاولته لفهم موقفه والحكم عليه كانت مستحيلة. وعندما يرى هؤلاء الناس في غرف السجن عاكفين على الكتب والكراريس ويرى أن قامتهم أكثر انكسارًا وهشاشة، هكذا بدأ اهتمام عبدالعزيز بالآخرين يتبلور، بل أخذ الآخرون بؤرة اهتمامه كلها. وقد وصل الاهتمام إلى التعجُّب والاندهاش مِن تصرفات المسجونين رغم أنه يراهم “أناس طيبون وهشون، لكنهم سريعو التقلب غدارون، بل يحرص كل واحد منهم على الاحتفاظ بنصف شفرة حلاقة وينهال على جسده تقطيعًا” فلا يكتفي برصد حياتهم داخل السجن، وإنما يغوص في أعماقهم، ليقتنع بتلك التصرفات التي تجمع بين الضدين: الهشاشة والحدة، الطيبة والغضب. وتتحول هذه الأفعال إلى رد فعل عبر أسئلة شائكة فيتساءل “أترى يمكن أن يتحوّل الإنسان إلى كائن بهذا الوسخ والقبح ويستمرئه، ويعاف غيره. غيره.. غيره. هل يوجد غيره”.

لوحة: علي الكفري

ومع كل ما يشاهده في السجن وما استفزّه وتفاعل معه إلا أن مسألة المقارنة بين الأمكنة في محاولة البحث عن مأوى ملائم تسيطر عليه داخل السجن، فعبر انتقالات من سجن إلى آخر يلاحظ الفروق بين السجون، فيصف سجن الإسكندرية بأنه “أكثر نظافة، والأرض رمليّة والمباني جديدة ولون الشمس على الجدران أكثر شحوبًا” ومع أسئلته واهتماماته بالآخرين، يبدأ تآلف عبدالعزيز مع واقعه فيشغل نفسه بأشياء ذات قيمة مثل الذهاب إلى المزرعة، حيث رفاق السجن يزرعون قطعة أرض لمدّ السّجن بالخضر، ثمّ كتابته مقطوعات صغيرة وإقباله مع الناس على العروض المسرحية في الأماسي أو التجهيز لجريدة أسبوعيّة.

وتأتي المرحلة ما قبل الأخيرة وهي مرحلة الخروج من السجن والعودة إلى البلد وما تبعها من عودة الأسئلة الشائكة عن كآبة البيوت رغم ما حلّ على المكان من رونق فقد دُهكت الجدران وسويت الحفر وهدم الجدار بين وسط الدار مكان الزريبة. الشيء اللافت الذي أستشعره أن روحًا جديدة قد حلّت على البيت فثمّة حسّ أنثويّ غيّر ريح الدار. ويتعجب أين كان سابقاً حس الأم والأخوات في حياة الأب. كما وجد أن أشياء كثيرة قد ماتت، وكذلك أناس. والعجيب أن ما تركه أخذ يطارده وكأنّ انقباض الغرف صار قدرًا لا يستطيع النفاذ منه، وعندما يفطن إلى هذه الحقيقة في النهاية يتساءل في استعجاب: أين المفر؟! هل هو قدر مسلط لا يرد؟

استعارت الرواية من السيرة الذاتية بنيتها فالمحور الذي ارتكزت عليه السيرة منذ بدايتها حتى نهايتها هو حُلم الانفلات والانعتاق من الغرف المقبضة. فعبد العزيز/البطل كان كلّ همّه الانفلات من أَسْر هذه الغرف ومقاومة ريحها الكابس على روحه وقلبه. والذي لازمه في مسيرة حياته من طنطا والإسكندرية والقاهرة أو في سجون مصر المختلفة، كما استمرّ يلازمه خلال رحلته إلى برلين والتي اعتقد أنَّها طوق نجاة له، ليقع في أسر غُرف أخرى لا تقل عن سابقيها من انقباض وإيلام للنفس. حتى أنه في برلين استسلم لقدر آخر أكثر انقباضًا، وهو المرض الذي افترسه ولا يعرف كيف ومتى وأين تسلّل إليه، وإن كان في النهاية يقتنع أن “واحدة من هذه الغرف هي التي صرعته”.

الشيء الوحيد الذي أكدت عليه السيرة، هو هزائم البطل/عبدالعزيز، بدءًا من هزائمه أمام ذاته في أن تحقّق خلاصَها، والذي اعتقد أنه يمكن أن يتحقّق من خلال الهجرة، كما كان يحلم مع صلاح وشوقي إلى أثينا أو باريس، وهو ما تحقّق له في برلين دون أن يحقّق خلاصًا أو نجاحًا. وكذلك حُلم الاستقرار والعودة إلى مصر والعمل في هيئة البريد كما كان قبل أن يسافر، أو حُلم شراء قطعة أرض وبناء منزل عليها قد تبدّد -هو أيضًا- بسبب ارتفاع في أسعار الأراضي.

يُسيطِّر الراوي الغائب/هو على السرد الذي يشير إلى انفصال كُلّي بين ذات السارد بضمير الغائب والشخصية المحورية “عبد العزيز″، فتُحيل الضمائر (الغائب) (هو/هي/هم) إلى الانفصال بين الراوي وذات الشخصية المرويّ عنها. وهذا الإيهام، الذي تصنعه المسافة الزمكانية تجعل من الكتابة المتكئة على هذا الضمير، أبعد من سرد الكتابة السيرية، حيث فيه تتحول الكتابة إلى “أدب لا شخصي” بتعبير بارت، وإن كانت معرفة الراوي لطبيعة المكان جغرافيًا وطوبوغرافيًا، تكسر الإيهام الذي يخلقه السارد الغائب ويعمل على إزالة المسافة الزمكانية واختزالها. وكذلك الوصف الذي يضيفه السارد على المكان. يشعر القارئ بأنه لا مسافة أساسًا، بل على العكس، تجد الراوي متماثلاً مع الحكاية مندمجًا فيها لا بوصفه شاهدًا وإنما هو واحدٌ منها.


كاتب من مصر