العنف وتشوهات الحداثة

دخلت الكاتبة سهير المصادفة الرواية من باب الشعر، بعد أن أصدرت ديوانين هما «هجوم وديع» و«فتاة تجرب حتفها» ثم توالت أعمالها الروائية فأصدرت خمس روايات هي «لهو الأبالسة» 2005، و«ميس إيجيبت» 2008، و«رحلة الضباع» 2012، و”بياض ساخن” 2016 وأخيرا “لعنة ميت رهينة” 2017. تعمد الكاتبة في مجمل أعمالها الروائية إلى المراوحة بين التاريخ والواقع في تضفيرة لا تنسب الرواية إلى المرويات التاريخيّة وفي ذات الوقت لا تبعدها عن واقعها وقضاياه الملغزة. وهو الأمر الذي صبغ أعمالها بلا استثناء بصبغة تجمع بين عمق الفكر مع جمال الطرح؛ حيث الوعي بإشكاليات واقعها دون إغراق في التفاصيل، أو حتى تبني آراء أيديولوجية أو شعارات زاعقة، على الرغم من عظم القضايا التي تطرحها في أعمالها.

الجديد  ممدوح فراج النابي [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(134)]

لا تنفصل العوالم التي مرّرتها في رواياتها السابقة عن عوالم روايتها الجديدة “لعنة ميت رهينة” 2017 الدار المصرية اللبنانية، فثمة رؤية تنحاز للوطن وقضاياه الشائكة. ففي الرواية ثمّة إدانة لمـن أساؤوا لأوّل عاصمة في مصر، أو من كانوا سببا في ضياع ثروات هذا البلد، وتركوه نهبا للتجّار والسماسرة ولصوص الآثار.

كما تتماثل الرواية في خطها السردي الرئيسي مع باقي الروايات السابقة في انحيازها التام للمرأة، فتجعل من يدافع عن الوطن وهويته وآثاره امرأة “نور” التي تحمل هجينا من هويات متعددة، ومع هذا فدافع الغيرة على الوطن وتراثه هو ما قادها إلى التفكير في الانتقام كما بدا في تساؤلها “ماذا لو دفنت كل من أساؤوا إلى ميت رهينة في هذه المقبرة؟”. وهو سؤال في الحقيقة إشكالي، يضعنا أمام فكرة العنف التي انتهجها ملاك الحقيقة المطلقة (بتعبير مراد وهبة)، ومن ثم أغرقوا الآخرين في الجحيم.

تدور أحداث الرواية في قرية ميت رهينة التي كانت أقدم عاصمة في مصر، وهي قرية كما يصفها السارد “غارقة في الأسرار” فمع أنها “قرية تشبه المدينة، ومدينة تشبه القرية” إلا أنها في النهاية “لا تشبه إلا نفسها”. قد تبدو القرية في معناها العميق استعارة جزئية لمصر، فحسب الصورة التي وصفتها بها نور لأبيها تتماثل القرية مع صورة مصر في كليتها “ما الذي يغري الغرباء في ميت رهينة؟ يحيرني تكالب الغرباء على هذه البقعة من الأرض، يأتون إليها هاربين من ظلم إخوتهم أو غزاة أو حتى عاشقين؛ فتكرمهم وتأويهم ولكنهم لا يتركونها إلا وهي مجروحة ومغتصبة ومنهكة القوى، ما الذي يغريهم فيها منذ أهدت تاريخهم فجره؟” (ص 181).

وعبر التداخل بين القرية والرمز الذي تمثله ترصد الرواية المتغيرات التي حدثت في المجتمع المصري على مدار الخمسين سنة الأخيرة منذ الانفتاح وصولا إلى الثورة بتتبع أسرة من ثلاثة أجيال مختلفي الهويات، فالأب أدهم الشوّاف شاعر قادم من بلاد الحجاز وقع في غرام الفتاة “هاجر” التي رأها (لاحظ ثنائية الثراء / الفقر، ودلالتها) وما غادر المكان حتى تزوج بها.

ثمّ يأتي الجيل الثاني في صورة الابنة ليلى الشوّاف وقد حملت نواة خليطة تجمع بين الهوية المصرية والسعودية، فتتعلق هذه الابنة المتمردة بما شكلته جيناتها بالدكتور نورالدين ذي الفكر الغربي، وصولا إلى الجيل الثالث نور الابنة من علاقة ليلى بالحبيب الأميركي نورالدين.

وهي ثمرة هذا المزيج العجيب من الهويات المختلفة ومن ثم كان لها أثرها في تشكيلها الذي انتهى بالفكر التدميري. من خلال هذه الأسرة وتشابكاتها أو صراعاتها في ما بينها حيث الهويات لم تمتزج أو تستقر؛ فليلى على علاقة سيئة بهاجر الأم، والابنة تُعامل الأمّ بنفور بل هي أقرب إلى الجدة من الأم، وكذلك علاقة ليلى المتوترة دوما بعبدالجبّار، ترصد الرواية أثر سياسات الانفتاح التي دفعت بأراذل القوم إلى قمته كما في حالة عبدالجبّار أيوب بعد أن عرف الطريق إلى بورسعيد، فأغرق القرية بالبضائع المهربة، وهو ما أبدل هويتها، فصار أفرادها استهلاكيين لهذه المنتجات بعدما كانوا منتجين.

كما ترصد في ضوء هذا الصعود ما حلّ على تركيبة الأفراد من تغيرات في نمط حياتهم بقابليتهم للجديد فأخذوا “يغسلون أسنانهم بفرشاة الأسنان والمعجون، … وهجرت نساؤهم القميص الساتان الأحمر الإنكليزي والألبسة الدمور ولبسن الألبسة الحريرية” (الرواية: ص 51). وأيضا انتشار المخدرات بين فئات الشباب، والسرقات التي تجاوزت السرقات العادية إلى سرقات مقدرات البلد وبيع الآثار، وبالمثل انتشار دعاة التطرف حتى لو ارتدوا الملابس الحديثة كما في صورة الشيخ خالد الطوبجي وما فعله بحرق المكتبة الثقافية.

العنف وتشوهات الحداثة

لم تنج الشخصيات من هذه المتغيرات، فمالت جميعها إلى الشخصية الضدّ باستثناء عبدالجبّار وصلاح ونور، فتميّزت شخصياتهم بأنها إشكالية، وإن كان الأول والثاني تحولا إلى ضد في النهاية، في حين قاومت نور كل الضغوط الخارجية، أما بقية الشخصيات فجميعها سقطت تحت تأثيرات فداحة المال الخليجي، ثم أثر العولمة الغربية، وما أحدثته من تشوهات ليس فقط على مستوى العلاقات حيث ساءت علاقة ليلى بنور ابنتها، وإنما في حالة التغريب التي بدأت عليها الشخصيات، فنور منهمكة بهذه التكنولوجيا إلى حدّ الإدمان، وتحولت من فتاة عبقرية إلى سفّاحة أعطت لنفسها سلطة المحاسبة والعقاب، وليلى انقادت في سلوكها وعلاقاتها خلف هذه العولمة، فعاشت في القرية وكأنها أوروبية.

وأكثر ما يلفت الانتباه في الرواية هو الميل إلى العنف في حسم مواقف وقضايا الشخصيات. وموقف السارد هنا وهو ينحاز لموقف البطل، يتوازى مع موقف المؤلف الضمني إزاء هذه القضايا المهمينة على النص من رفض ما آلت إليه أوّل عاصمة من إهمال، حيث الزبالة تحيط بالمكان في صورة مقززة، علاوة على ترك المكان العامر بالآثار والكنوز بلا حماية نهبا للصوص وسارقي أمجاد وتاريخ الأمم، هو موقف حضاري بامتياز.

ويبدو هو الدافع إلى اللجوء إلى العنف كحل بديل للتخلص من هذا الكابوس، حتى في امتثاله لنسق الجماعة وليس لنسق الدولة الحاكمة والاحتكام لقانونها الذي ينصاع إليه الجميع.

في الحقيقة ما انتهى إليه صلاح هو حل انهزامي، حتى وإن كانت نور طلبته وحلمت به. فقد حوّله إلى بطل إشكالي كما كان يبدو عليه من قبل بأفعاله التي قاوم بها حالة الجهل في القرية فأسهم في إنشاء مركز ثقافي، كما أنه وقف ضد محاولات الدكتور خالد الطوبجي، وسعيه لاستبدال الهوية الدينية السمحة لأهل القرية بأخرى عنيفة غير مسالمة لا تقبل الآخر، ومن ثم يأتي التساؤل الاستنكاري: كيف تحول إلى بطل ضد، اكتفى بالحل السهل، وهو المثقف والحارس لتاريخه بدليل أنه ترك كلية الطب والتحق بقسم التاريخ في كلية الآداب؟

ونظرا لأن العنف لا يحقق السلام فطاردت عقد الذنب أدهم الشوّاف، بعدما قتل المهندس عمّار المصري. ولم يتخلص من وطأة الذنب حتى مات وشعر بأن المهندس عمّار سحب روحه معه وهو يقاومه، وبالمثل لهيب النار سيطارد صلاح في صورة كابوس حتى آخر يوم في عمره، وهو بمثابة انتصار لنسق القيم.

فمع الفعل الذي خالف القيم إلا النسق المهمين هو الفاعل فمات الأول دون أن يعرف أحد سببا لمرضه الذي قضى عليه، بعد أن نحل جسده وانزوى، أما صلاح فيعيش في مطاردة مع الكابوس.

الصّراع الخفي

صورة المرأة في الرواية لم تكن سلبية بالمرة كما في نموذجي ليلى التي هربت من واقعها، وهاجر التي انكفأت على نفسها فـ”عادت لترتدي عباءات سوداء تشبه جلابيبها الفلاحية التي كانت تجلس بها على الأرض إلى جوار أرجوحة أبيها”(ص: 167) بل أصابها ما يشبه الهرم فلم تعد تفرق بين داليا صديقة صلاح ونور حفيدتها. فتنادي داليا على أنها حفيدتها نور. في مقابل هذه النماذج كانت داليا صورة للفتاة الحيوية والقادرة على التغيير من نفسها لأجل الحب، وبالمثل كانت هند القاضي زوجة عبدالجبار نموذجا لمرأة هذه البيئة التي تنتصر على مواجع الحياة، فهند أولا منحت عبدالجبار قدرا من الوجاهة بعد مصاهرته لعائلتها، ثم في تماسكها عندما فقدت في شهر واحد زوجها واثنين من أبنائها، فقد كانت ما زالت لديها “القدرة على الحياة، وعصر مباهجها حتى القطرة الأخيرة“.

تنتهي الرواية على عكس بدايتها فالسارد العليم يبدأ الاستهلال بجولة يصطحب خلالها المروي عليهم إلى القرية التي هي محور مركزي لاستهلالات الوحدات العشر المكونة للرواية، وأيضا للأحداث فبها تبدأ وإليها تنتهي وإن كانت ثمة تقاطعات مكانية إلا أن أماكن الانتقال تعود في النهاية إلى ذات البؤرة (ميت رهينة) وعلى الأخص قصر هاجر الذي وصفته بأنه القصر المسخوط.

وكأن السارد يريد لا فقط أن يجعل من هذه المنطقة التي كانت أقدم عاصمة في مصر، بؤرة حدثية وإنما يريد أن تكون نموذجا مصغرا للوطن، فيحلّ عليها بتكويناته وأشخاصه والتغيرات التي أحلت عليه بفضل تعدد السياسات، فالأحداث تبدأ من عام 1975 مع بدايات الانفتاح وتصل إلى العام الحالي مع عيد رمضان.

فتقطع بذلك مسيرة أربعين عاما فارقة تبدأ بالانتفاح الذي كان عاملا أساسيا في تغيير هوية القرية وسكانها ممثلا في عبدالجبّار الفقير المعدم الذي صار من أصحاب الأموال والعقارات، وصاهرته العائلات الغنية، وصولا إلى التنبؤ بهزيمة الثورة. وكأن هذه البدايات التي علت فيها الأنا والنفعية، وما صحبها من انشراخات في الداخل، وضعف الانتماء كانت دالة على النهاية التي انتهت إليها الثورة.

الراوي العليم المهمين على السرد، يروي عبر خطابين؛ الأول خطاب مباشر، فيأخذ الراوي المروي عليهم في مشهد الاستهلال عبر عدسته في جولة، حيث تتحوّل حركته إلى حركة مشابهة لحركات آلة التصوير أو الكاميرا في الفيلم التي تقدم مسحا تتابعيا لمشهد معين.

فيصير الراوي رفيقا غير منظور، بتعبير أوسبنسكي، للقارئ، وهو يقودنا في طريق القرية محددا لنا مسالكها ودروبها فيقول منبها “سيجد تقاطع طرق” أو يشير إلى المكان البؤرة هكذا “هذا هو الطريق المؤدي إلى قصر ليلى الشوّاف” أو نتوقف مع المسرود عنه فيشير إلى أن “نسوة يحملن على رؤوسهن أكياس القمامة أو دلاء المياه المتسخة ليلقينها في ساحة معبد بتاح”، وكذلك ما نتغاضاه “ستجري خلفه (أي الغريب) أنصاف حلقات من الكلاب الضالة تنبح في شراسة فقط لكسر مللها، ولكنها لن تؤذيه ولن تهتش جسده” فقد أعطى الراوي العليم لنفسه حرية الحجر على رؤيتنا كقراء أو مروي عليهم للمكان وفق داخلنا، بل والأغرب أن هذه السلطة التي يمتلكها تجعلنا نبقى أسرى رؤيته هو. أما الخطاب الثاني فهو خطاب غير مباشر يعيد فيه إنتاج فعل التواصل الشفوي، فيمزج رؤيته هو برؤية الآخرين.

في الأخير نحن أمام عمل مكتوب بحرفية عالية، وأيضا مثقل بأفكار عميقة، طرح قضايا وطنه بجرأة ودافع عنها بتحيز ومغالاة بعض الشيء. لكن يبقى الأمل في الثقافة كحصن أخير ومشعل قادر على اجتثاث جذور الكراهية والحقد.


كاتب من مصر