التاريخ على طاولة التشريح

تؤكّد رواية “خاتون بغداد” للكاتب العراقي شاكر نوري الصادرة عن “دار سطور للنشر والتوزيع″، مدى العلاقة بين التخييل والمرجع، والمسؤولية التي يحملها الروائي المبدع في صعوبة التوفيق بين الفنية الروائية والطرح الأيديولوجي أو الفكري الذي لا تخلو منه رواية مهما حاول صاحبها أن يغلّفها بثوب اللاانتماء. وهذا يجعلنا أمام رواية ما زالت تحمل الهمّ نفسه الذي حملته الرواية العربية منذ بزوغ فجرها، وهو همّ بلورة الهوّية الوطنية والقومية في ظلّ عوامل كثيرة تتضافر من أجل تمزيقها وتشظيتها. وبهذا نجدنا وجها لوجه أمام نظرية باختين التي تدور حول الرواية وعلاقتها بالحقل المعرفي، الفكري والثقافي والسياسي.. وكأنّ هذا يشير إلى أنّ الكاتب نوري يرى في التمزّق الذي أصاب جسد هذه الأمّة تنوّعا شبه معرفي، وتمايزا طبقيا وما شابه ساعد في كتابة الواقع والمرجعي. وبهذا يتبنّى شعاري الرواية الأكثر ملامسة للواقع، إذ تجيب روايته فنّيا ومضمونيّا عن سؤال ماذا نقول؟ من حيث الموضوع، وكيف نقول؟ من حيث الشكل والتعبير الفنيّ. وهذا ما تجلّى واضحا في حبكة الرواية وإطلالتها على التاريخ، حيث العلاقة البنيوية بين الثورة المعرفية والاتكاء على المرجع من جهة، وإخراج النصّ الروائي انسجاما مع هذه التطلعات من جهة ثانية.

الجديد  علي نسر [نُشر في 01/03/2018، العدد: 38، ص(140)]

لا يمكن أن نتجاهل التّاريخ كوثيقة أساسيّة في رواية “خاتون بغداد”، لكن الهدف لم يكن، كما يظن القارئ للوهلة الأولى، عملية استعراض للتاريخ فحسب. فالتاريخ لا يحتاج إلى من يقدّمه طالما أنّه يقدّم نفسه، بل يحتاج، كما يحتاج متلقّوه، إلى فلسفة أسباب حصوله، وإلى تشريحه بمشرط خبير وغيور عليه وعلى بلاده، لكي يظهر للأجيال تلك الأدران المتحكّمة في سطور التاريخ فتحوّله إلى مجرد وسيلة للنقل، يستحيل معها دارسوه مجرّد حفظة يجترّون الأحداث كما هي دون تنقية وفلترة، ما يجعلنا رهائن للتاريخ، تسيّرنا قوالبه شبه الجاهزة، تلك القوالب التي تستحيل مقدّسة مع الأيام تحدّد مصائر من يأتي بعدها.

وهذا ما يحاول كاتب “خاتون بغداد” أن يفعله، إذ لم يقدّم التاريخ كمادة دسمة توفّر عليه عناء التخييل الروائي فحسب، وإنّما جعل الرواية مناسبة لنقد التاريخ العائد إلى قرن أو أكثر من قرن، لأنّ ما شهدته الأمّة العربية في مدة مئة عام من المخاض، ليس وليد لحظة راهنة، بل هو تحوّل أسهمت في ولادته كميات هائلة من التراكمات الفكرية والثقافية والسياسية والعسكرية.

وبهذا يجعل الكاتب نقد التاريخ بالرواية أكثر مما هو عملية نقد في الرواية لدى الكثير من الروائيين والكتّاب، وبين الباء والـ(في) بون شاسع. وقد أعلن الكاتب ذلك، رغم عدم اضطراره إلى هذا الإعلان، حين أكّد أنّ الرواية يجب ألا تكون خادمة للتاريخ بقدر ما يجب أن تكون تعرية وكشفا له. “التاريخ أكبر فخّ للرواية، ليست الرواية خادمة للتاريخ بل فاضحة له”. (ص237).

يتّخذ الكاتب من قصة ميس بيل ما يعرف بصندوق صوت، تفور منه الأصوات الأخرى. فعبر سرد جوانب من حياتها في ولادة العراق ما بعد العثمانيين، عبر راويه العليم مرة، وعبر صوتها السردي في رسائلها ومذكراتها مرّة أخرى، يسلّط الكاتب ضوءه الكاشف على ظلمات حياتية وفيرة من تاريخ العراق، مقيما مقارنة ذات خيوط رفيعة بين احتلال الأمس واحتلال اليوم، وهذا لا يجعله مبرّئا الاستعمار القديم، بقدر ما أراد أن يشير إلى بعض الفروق بين الاستعمارين.

ففي الوقت الذي عملت تلك المرأة على فهم أنماط الحياة لدى العراقيين، رافضة ما كوّنته عنهم سياسة بلادها من أنهم مجرّد بدو رحّل، “إنّ الخطأ الّذي اقترفناه في حقّ هؤلاء أنّنا اعتبرنا الجموع البشرية مجرّد بدو رحّل، وكائنات لا تفقه شيئا..”. (ص 144)، وفي حين قدّمت تلك المرأة مشاريع تخليدية لتراث هذا البلد العظيم، كإنشاء مكتبة وإقامة متحف.. نرى المستعمرين الجدد يرتكبون أفظع الجرائم في القضاء على ما يثبت حضارة هذا الشعب عبر ضرب معالم ثقافته وفكره، كسرقة آثاره، وإضرام النار في مكتباته “إنّهم مسؤولون عمّا حدث لمكتبتكم الوطنية”. (ص63). وهذا ما يجعل المجتمع مسؤولا عن ذلك أكثر من الغزاة، إذ أظهرت شعوبنا أننا ذوو هشاشة لا تشبه إلا فزاعات الحقول التي تخيف الضعفاء بينما يكسّرها نسيم خفيف ويكشف هشاشتها.

فبرغم إقامة الأسوار، لم تصمد بغداد أمام مغتصبيها يوما، وربّما لن تصمد مستقبلا، لما تعاني منه من انحلال داخليّ لا يمكن أن تحميه القلاع الحجرية. “ستسقط بغداد مرّات ومرّات، حتّى لو شاد حكّامها المتعاقبون أضخم البوابات العملاقة، عندما تصاب المدن بالنخر من الداخل، لا تنفع الحصون ولا القلاع″. (ص152).

كلّ هذا رسمته ميس بيل يوما، واضعة خارطة العراق الممزقة أمام المتآمرين والمتفرّقين مذهبيّا، المبعثرة حدودها، والمستباحة خيراتها وحضارتها أمام وحوش لن يرحموا حجرها قبل بشرها، “من يدري ربّما يظهر بعض المتوحّشين يوما ويدمّرون كلّ هذه الكنوز والآثار ويعتبرونها أصناما”. (ص 189).

وما كان هذا من باب التنبّؤ، بل نتيجة قراءات دقيقة للتاريخ، ومعرفة فاحصة لواقع هذه البلاد ماضيا وحاضرا، “لست بالمتنبّئة لكنني أشك في التاريخ، لأنّه لم يكن سوى مخدع للتزوير والإجرام، ثوّار انقلبوا إلى جلاّدين، ونبلاء إلى حقراء، وعمالقة إلى أقزام. ها هو فلك التاريخ. أخشى أن تصبح بغداد ذات يوم مدينة أشباح تتصارع فيها الطوائف. ويفكّر أهلها بحفر الخنادق حول حدودها لصدّ البرابرة.. البرابرة على أبواب بغداد منذ الأزل”. (ص 254-255).

فلا تحصى الأسباب والعوامل التي جعلت العراقيين مستسلمين لأقدارهم، منقسمين على أنفسهم، يحمل أحدهم داخله الشيء ونقيضه، كأنّ هدوء دجلة وهيجانه غرسا في النفوس هذه الطبيعة التعارضية. فمن المغول وافتضاض بكارة المدينة على يد جنكيزخان، شرب العراقيون ماء الانكسار وترسّبت طينته في دواخلهم عبر لاوعي جماعي. “

إنها تبحث بلا شكّ عن سراج حصان جنكيزخان المنسوج بخيوط الذهب والفضّة الذي لم ينسه العراقيون على مرّ الزمن، ومضة ترسّخت في أذهانهم مرّة واحدة وإلى الأبد، وأصابهم سيفه البتّار بالعجز والخرس والتعجّب والذهول، فتغيّرت ملامح وجوههم وأصبح نصفها مغوليّا ونصفها عربيّا، وضاعوا بين هذين الملمحين، دماء مغولية تسرّبت إلى أرحام نسائهم، وكلمات الكتب المحترقة تبلورت في رؤوسهم”. (ص 32).

إلى الحكم التركي وما أسهم فيه من تقاعس على مستوى التفكير والعقول والبحث، حيث الإجابات جاهزة، وهي القائمة على الخرافات والمعتقدات الراسخة دون قابلية للتغيير والتبدلات. “في زاوية من مكتبي، فكّرت طويلا بهذا الشعب الّذي تركه لنا الأتراك نهبا لخرافاتهم وشعوذاتهم”. (ص 142). إلى الاستعمار الذي لم يفهم نسيج هذا الشعب، ليتكلّل كل هذا بحكم دكتاتوري استحال كوابيس للناس بوجوده وغيابه. “(نحن لا ننسى الدكتاتوريين حتى في نومنا، لأنّ الأجساد النائمة تستعيد الصورة التي لا يمكن رؤيتها”. (ص 72).

وهذا لم يجن منه العراقيون سوى التكيّف مع فكرة القهر والموت واستيطان العدوانية في النفوس، وهو ما يتفوق به البشر على ما يشترك معهم في هذه الصفة من حيوانات، لما يغذّون هذه الخصلة بوابل من الحقد الذي لا يتوافر في غير الكائن البشري. ما يجعل العدوانية وسيلة لإشباع الغريزة مهما كان نوعها. “إنّه الجنون الجماعي، الشّفاه التي تمزّق وتأكل، هي الضواري، تذكّر بالصيد الوحشي والتهام الضحيّة”. (ص 72). كلّ هذا جعل الشعوب العربية عموما تستسهل الانحدار وترى في الصعود خطرا على وجودها.

هذا بعض ما قدّمه الكاتب، بلغة روائية شبه بحثية، فعرف كيف يوظّف السرد والتبئير والوصف، كما كان قادرا على إدارة دفّة الحوار والحركة الزمنية رغم تشعّب الأحداث وسيطرة التاريخ بشكل كبير. فلم يكتف بعرض الاضطرابات في نفوس العراقيين عبر المضمون بل قدّمه عبر الشكل أيضا وأكثر ما تجلّى ذلك في القسم العائد إلى العام 2015 حيث الكلام لشخصيات عراقية يسيطر على كلامها وعرضها اللامنطق، عبّر عنه الكاتب بتغييب علامات الوقف والترقيم عما يقارب الأربعين صفحة. وعبر الفنية والفكرة، أعاد الكاتب بشكل غير مباشر، السؤال المولد جرحا نرجسيّا لعالمنا العربي والإسلامي: لماذا تقدّم الآخر وتخلّفنا نحن؟ وهل نحتاج دائما إلى المزامير والطبول الخارجية لإيقاظنا من سبات طويل؟

ومهما كان الجواب، فإنّ شاكر نوري استطاع أن يقول إنّ الحرب رغم أنها آلة تدمير إلا أنها عنصر بناء من جانب آخر، على الأقلّ من الناحية الفنية لما وفّرته من مادة دسمة للحكي والسرد والتبئير.


كاتب من لبنان