مسرح الهجرة

في توطئته التي تصدّرت الكتاب الصادر في القاهرة مؤخرا، يقول الكاتب الإسباني خيرونيمو لوبيث موثو “هذا الكتاب الذي بين يديك يحتوي عدة أعمال مسرحية لكاتب إسباني هو خوسيه مورينو أريناس. ربما فكَّر في المحيطين به عندما كتب هذه المسرحيات، من هنا نجد أن القضايا التي عالجها ترتبط بمن تعنيهم، الموجَّهة إليهم، وهذا لا يعني أنه في قرارة نفسه لا يطمح في أن تصل أعماله إلى أقصى أرجاء العالم”.

الجديد  محمود شرف [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(142)]

هذه الإطلالة الأولية على منطلقات أريناس المسرحية تؤكد على المقولة الشائعة “الانطلاق إلى العالمية يأتي من الارتكاز على ما هو محلي”. ولا ينفي ذلك أن أعمال المؤلف المسرحي والشاعر الإسباني خوسيه مورينو أريناس تتَّسم بما هو إنساني، عام، يبحث في عمق الوجود البشري، وإن بدا مألوفا لأهل الأندلس الذين ينتمي إليهم الكاتب، الذي صدرت مؤخَّرا الترجمة العربية لثلاث من مسرحياته القصيرة (ومعظمها مسرحياته الأخرى في الحقيقة من النوع القصير نسبيّا)، تحت عنوان “مسرح الهجرة”، قام بترجمتها المترجم المصري الدكتور خالد سالم، وصدرت عن دار “العين” القاهرية.

المسرحيات الثلاث بعناوين: الشاطئ، المرآب، رحلة سفاري، وهي على الترتيب، وقد قدّم للكتاب الناقدُ المسرحي الإسباني الشهير خيرونيمو لوبيث موثو، إضافة إلى مقدمة وافية عن مسيرة المؤلِّف كتبها المترجم نفسه.

أريناس المولود في قرية “البلوط” من أعمال غرناطة، جنوب إسبانيا عام 1954، يعد واحدا من الكتّاب المسرحيين القلائل في إسبانيا الذين يكتبون هذا الشكل المسرحي، الذي يمكن أن نسميه المسرح المقتضب، يتمتَّع مسرحه بشكل عام بِحِسّ ساخر، يقترب من الكوميديا، لكنه يوظف هذه السخرية في سبيل معالجة القضايا الإنسانية التي تشكِّل إطارا واسعا يشمل النوع البشري في كل مكان على ظهر البسيطة، وبشكل أخصَّ فإنه ينذر الكثير من كتاباته لمعالجة قضايا العنصرية، والتفرقة بين البشر، وربما يكون لنشأته الأندلسية، بكل ما تحمله من زخم تاريخي يصبّ في هذا الاتجاه من مغالبة هذه الإشكالية، أثر واضح في ذلك. تتغلَّف مسرحيات أريناس بروح التهكُّم والسخرية؛ ما يجعل شخوص أبطال مسرحياته يبدون كأنهم ينتمون إلى عوالم سريالية، لا تنتمي للواقع، لكن الانتماء لهذه العوالم نفسها يجعلنا نؤكّد على الواقعية المفرطة لأبطاله؛ فمن غير الممكن تجاهلُ سريالية الواقع، وعدم معقوليته، التي ربما تتجاوز الخيال نفسه في الكثير من المشاهد، ورغم ذلك، فإنه يمكن لنا القول إن نصوصه تتَّصل بشكلٍ ما بطروحات المسرح السريالي، والعبثي، واللامعقول، مع نقد عميق لعبثية التصرُّف الإنساني، كما يلاحظ متلقّي نصوصه أنها تنمُّ عن حالة من الدهشة، كوسيلة لكسر الفكر الأحادي، الذي يهدِّد حياة الإنسان ويحاصرها.

في المسرحية الأولى التي ضمَّتها هذه الترجمة “الشاطئ” يحاول المؤلف أن يستكنه أسرار المحاولات الدائبة للبعض، ممَّن يأتون من الشاطئ المقابل من البحر للوصول إلى الشاطئ الإسباني، في رحلات محفوفة بالمخاطر، تودي بحياة الكثيرين منهم في معظم الوقت، دون أن يُظْهِرَ أحكاما عليهم، بل من خلال رصد العلاقات الإنسانية المعقَّدة التي تنشأ بين هؤلاء، الذين يحملون اللون الأسود -في الغالب- وسكَّانِ الجنوب الإسباني الذين يستقبلونهم بين ظهرانيهم بكثير من الدهشة والوجل. المسرحية تحمل عنوانا أصليّا مختلفا في لغتها الأم، حيث تأتي الترجمة الحرفية للعنوان الإسباني: سوف تصبح أسودَ، وهو العنوان الذي قام المترجم بتغييره ليصير: الشاطئ، وهي أطول المسرحيات الثلاث التي اشتمل عليها الكتاب، وهي ظاهرة بالكتاب، أعني تغيير العنوان الأصلي إلى آخرَ عند ترجمته، فقد عَمَدَ المترجم كذلك إلى تغيير العنوان الأصلي للمسرحية الثانية بالكتاب، والتي نشرها بعنوان: المرآب، بينما العنوان الأصلي كان الكشَّاف.

الكشَّاف أو المرآب تقوم على تقنية “المسرح داخل المسرح” أو الميتاتياترو التي تعتمد على فكرة أن الواقع ليس سوى تمثيل درامي، وأن الأشخاص الحقيقيين ليسوا سوى ممثلين في حقيقة الأمر؛ لذلك لم تضمَّ المسرحية سوى خمسة أشخاص فقط هم: المُشاهِد، الممثِّل الأوَّل، الممثِّل الثاني، الكشَّاف، المُعاق! وجليٌّ أن هؤلاء الأشخاص هم في الحقيقة ممثلون داخل مسرحية تُمَثَّل على خشبة المسرح، لكن المؤلف نقلهم من المسرح الخيالي إلى المسرح الحقيقي؛ إيهاما للمتلقِّي أن الخيال هو الواقع، وأنه لا قدرة أعلى للواقع في عالم الخيال. يلفت الانتباه بشدة كذلك في هذا النص المسرحي أن المؤلِّف لم يضع تصوّره الشخصي للديكور المطلوب، في حال تنفيذها على الخشبة، كما جرت العادة مع الكتَّاب المسرحيين، بينما اكتفى بإشراك الجمهور الحقيقي بالإشارة إلى أهمية مشاركته في تنفيذها بهذه العبارة “مع التعاون القيِّم للجمهور!”.

نفس الأمر، أعني الاقتصاد الشديد في حضور العنصر البشري في المسرحية، ينطبق على النص الثالث والأخير في هذا الكتاب، وهي مسرحيته: رحلة سفاري، التي اختار لها المؤلف أن يكون موقع أحداثها في وسط إحدى الغابات الأفريقية، بمشاركة ثلاثة أشخاص فقط، تسميتها ذات دلالة فارقة في إطار رؤيته للآخر؛ إذ هم: رجل، امرأة ومواطن أفريقي، وكأنه جنس آخر مختلف عن جنس الرجل الأول!

في هذه المسرحية يحاول أريناس التماس حدود قضية الحرية الإنسانية، والمساواة التي يفرضها الوجود وتقاومها قوى خارجية، عدمية، تخطِّط لهدم ما حققه الإنسان من تقدم وتطور فكري على مستوى واسع، في تماسٍ واضح مع أفكار فلسفية عميقة، تقدِّم تصوُّرات خلَّاقة في هذا الإطار.

يبقى أن أشير إلى أن الترجمة التي قام بها الدكتور خالد سالم لمسرحيات هذا المؤلف ليست الأولى، فقد سبق لنفس المترجم أن قام بترجمة عدة أعمال أخرى لذات المؤلف، الذي زار معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام وأقيمت له ندوة موسَّعة لمناقشة تلك المسرحيات، في اتّصال لإلقاء الضوء على أعماله التي حَظيتْ بتقدير بالغ في الكثير من المناطق في العالم، وكذلك بانتباه أكاديمي متميِّز من عدة جامعات بإسبانيا والمكسيك وغيرهما من الدول الناطقة بالإسبانية بالأساس.


شاعر وإعلامي من مصر