أصوات إسكندرية في شارع ليبسيوس

مقطع من رواية

الجديد  بيرسا كوموتسي [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(42)]

لوحة: فادي يازجي
[الفصل الأول]

قسطنطين كفافيس

“عندما سأرتدي الملابس السوداء، وأسكن في منزل أسود، في غرفة مظلمة، سأفتح ذات مرة الخزانة بسعادة وشغف وشهوة. سأرى الملابس وأتذكر عيدا كبيرا، حينها، كل شيء سيكون قد تبدد تماما”.

مقطع من قصيدة ملابس (من القصائد المخفية 1877-1923)

لم يكشف وجه الطبيب خريستوفوروس باباستيفانوس عن قلقه بشكل واضح عن حالة المريض الذي يجلس أمامه الآن وينظر إليه بعينيه المستديرتين من خلف نظاراته السميكة. وبينما كان يصوب نحوه نظرة استفهامية، بدا قلقه كأنما يبلغ ذروته، وكذلك تردده، في اختيار الكلمات التي كان يجب أن يعبّر بها عن تشخيصه بعناية.

عقد الآخر حاجبيه الرماديين وراح ينظر إلى وجه الرجل الغائم وكأنه يراقبه، أو كأنه يحاول أن يستقرئ أفكاره. كان يجلس في سكون تام أقرب للتجمد في انتظار قرار الطبيب، كمتهم ينتظر حكم قاضيه.

نظرته الحادة الثاقبة جعلت عدسات نظارته السميكة تبدو شاحبة، بينما كان ضوء المصباح الكهربائي منتصبا بينهما على مكتب الطبيب. إلا أنه كان يرى بوضوح توتره وخوفه.

قرر قسطنطينوس أن يذهب إلى الطبيب باباستيفانوس قبل أيام قليلة بعد عودته من رحلته إلى القاهرة. كلمات صديقه نيكولاس فافياذيس أو بالأحرى تعبير القلق الذي ارتسم على وجهه فور أن رآه وسمع بحّة غريبة في صوته، اقترح عليه أن يذهب فورا إلى الطبيب. وبعد ذلك، عندما استيقظ في الصباح بعد أن قضى ليلة كابوسية في شلل تام بسبب الحمى، أدرك حلول لعنة غير مرئية.

الإحساس بالاختناق الذي كان يراوده بين الحين والآخر في الفترة الأخيرة صار يترك آثارا ظاهرة عليه وبالأخص على عنقه وصوته. اشتدت حدّة البحّة وكان يجد صعوبة بالغة في الابتلاع، بينما الألم الكبير الذي كان يخرق أذنيه منذ الصباح لم يبارحه أبدا.

كل هذه العلامات الدامغة بالتأكيد دفعته نحو اتخاذ قرار زيارة الطبيب الماهر ذائع الصيت.

“لا، لا، أنا متأكد تماما، لسنا بصدد نزلة برد، ولا الأمر يتعلق بفيروس ما أو مرض معدٍ، ولا حتى بمرض تناسلي كما تخيّلت”. ثم تنحنح قليلا مصدرا صوتا أشبه بسعال جاف واستطرد بنفس الحذر.

“هذه الأعراض لا تبوح بشيء كهذا بالتأكيد. لكن…”.

وجه الرجل المتجهّم زاد من توتر قسطنطينوس وانزعاجه، بينما صبره كان قد نفد بالفعل. فقد كان صعبا عليه أن يكون هنا، وبالأخص أمام هذا الرجل. كان يعرف قسوته وصلابته في ما يتعلق بأمور الانضباط الأخلاقي، حتى تعليقاته اللاذعة بين الحين والآخر لشخصه في التجمعات والمناسبات الرسمية لمعارفهما المشتركين إذ كانت دعوته أمرا نادرا، بالرغم من أنه كان يسكن على مقربة من المنزل الذي التقيا فيه لأول مرة منذ سنوات طويلة. وهو الأمر الذي جعله يفكر وهو في طريقه إلى عيادته أن يذهب إلى طبيب آخر في حيّ آخر حتى يتجنبه تماما هو ونظرته اللاذعة المحرجة. كان يبدو دائما وكأنه أسمى من أي ضعف إنساني، نقيّ ومعصوم.

لم يكن يتحمل كل هذا النفاق، ولا بالطبع كل ذلك الحب الذي كان يستقيه من كل أبناء الجالية تقريبا. كانوا يعشقونه إلى درجة أنهم ارتقوا به إلى مرتبة قديس صانع معجزات يطبّب كل شيء. إلا أنه قرّر أن يأتي إليه لأنه على درجة كبيرة من العلم، كما أكّد له صديقه فافياذيس وأن كل الجالية تثق به وحده ولا أحد آخر، بينما شهرته ذاعت في مدن كثيرة في مصر. كان الكثيرون من أبناء الجالية في العاصمة يتكبّدون عناء السفر إلى الإسكندرية حتى يفحصهم الطبيب “صانع المعجزات”. ثم إنه لو لم يكن يأمل في أن هذا الرجل سيكذّب كل مخاوفه وبكل بساطة سيرسله إلى منزله مرتاح البال صافي الوجدان من كل شك وقلق، ربما لم يكن ليشرع في الوصول إلى عيادته.

“لكن الآن…”.

“لكن؟”.

“لكن أعتقد أنه شيء آخر. شيء من المحتمل… سنحتاج بالتأكيد أن تقوم ببعض الفحوصات الإضافية كي نتأكد. ونتجنب أن تشخيصا عشوائيا، من الممكن أن..”.

تردد ثانية، لكن هذه المرة للحظة وجيزة، ثم أضاف بنبرة واضحة. “لكني سأكون صريحا تماما معك. الحقيقة هي أن الفحوصات الأولية والعوارض تشي بأن هناك أمرا شديد الجدية”.

أوضح الطبيب أخيرا بهمّة متجددة وبأسلوبه الجادّ المعتاد كرجل علم مسؤول يعرف عمله جيدا ويُخلص لقَسَم الطبيب.

على الرغم من أنه لم يحبّ قسطنطينوس ولا يكنّ له احتراما لما يذاع عنه في الإسكندرية، وليس فقط من أجل الحياة المتمردة المستهترة غير المستقرة التي يعيشها، على الأقل إلى زمن ليس ببعيد، وخصوصيته وأيضا شخصيته المستفزة، لكن لأنه في أعماقه كان يغار منه. كان يغار من موهبته وشغفه بالحياة وقوّته وشجاعته الفريدة أن يواجه بمفرده مجتمعا بأكمله يختبئ خلف نفاقه وتحفظه دون أن يعطي أدنى اهتمام لما يقال عنه.

أما هو فكان يجب عليه دائما أن يتوافق ويتكيف ويستجيب للصورة التي نسجها الآخرون عنه ويتنصل من أعمق احتياجاته ويغلق عينيه عمن هو في الحقيقة. ولو لم تكن مهنته التي هو شغوف بها أيّما شغف والتي يصب فيها كل طاقاته وشغفه، لم يكن ليحتمل للحظة حياته الروتينية المملة. ولذلك، خرجت الكلمات من فمه بصعوبة إلا أنه استطاع أن يتخلص من مشاعر الألفة والتعاطف التي ملأته أثناء نطقه للكلمات.

“ماذا تعني؟ حدثني بوضوح”. استطاع أخيرا قسطنطينوس أن يسأل مجتازا دقات قلبه العالية، لقد كانت قوية جدا إلى درجة أنه ظن خوفه يصير من الخوف الذي يتملك طبيبه الآن تماما.

“أخشى أنه من المحتمل أننا ربما نواجه ورما خبيثا”. أجاب الطبيب باقتضاب دون مراوغة كي يتجنب أي احتمال لسوء الفهم قد يحتاج في ما بعد إلى توضيحات مستفيضة ومجهدة. توقف قليلا حتى يستوعب المريض كلماته ثم راح بهوادة وبنبرة تكاد تكون ودودة في صوته فاجأته هو نفسه، “لا يجب أن نيأس ولا أن نستسلم للخوف يا قسطنطينوس. يجب أن نقوم بفحوصات أخرى…”.

لم يسمع قسطنطينوس باقي حديث الطبيب، ثمة طنين ملأ أذنيه وظلام تامّ غطى كل شيء حوله.

شرد ذهنه بعيدا، راح يتجول في دروب خوفه وقلقه، شعور لا يتذكر أنه عاشه من قريب أو بعيد في حياته من قبل. وبالرغم من أنه كان يعرف في داخله، كان يتوقع شيئا كهذا، فمنذ فترة بدأ جسده ينصاع للمرض ببطء لكن بثبات وبشكل خارج عن سيطرته، ومع ذلك لم يكن ينتظر أن يسمع تلك الكلمات مباشرة من فم طبيب.

كان يأمل طبعا أن يُكذّب الطبيب مخاوفه وأن يحيل الأعراض إلى إرهاق نفسي على سبيل المثال أو إلى نزلة برد أو شيء بريء تماما وبسيط. لكنه لم يترك له أيّ هامش للشك أو الجدال.

“وماذا يجب أن أفعل؟”. سأل قسطنطينوس وكأنه في حالة خدر تامّ وهو يخرج من الرمال المتحركة لهواجسه.

أجاب الطبيب باباستيفانوس مباشرة. عندما أدرك تضخم قلق الآخر، أخذ نفسا عميقا وقال “في البداية، يتوجب الهدوء. سنقوم بفحوصات أخرى ولو صدقت شكوكي، وأتمنى ألّا تصدق، يجب أن تعرف أن العلاج المناسب سيستغرق وقتا طويلا…”.

“في الحالة التي…، أعني، إذا ما تحققت مخاوفك، هناك علاج؟”. سأل قسطنطينوس الطبيب بعدما استجمع قواه مقاوما شعورا مؤلما سيطر عليه، وألما شديدا شعر به فجأة يضرب أذنيه حتى عنقه.

خفض خريستوفوروس جفنيه نحو مكتبه. أمسك بريشته كما لو أراد أن يتمسك بشيء وراح يكتب إرشاداته ووصفة لعلاج الورم والألم. ثم رفع عينيه مجددا وقال “مع الأسف، العلم، برغم القفزات الهامة التي قام بها إلا أنه في ما يخص بعض الأمراض لا يزال أمامه طريق طويل..”. لم يردّ الرجل فأكمل الطبيب، “لكن وكما قلت، علينا أن نتحلّى بشيء من الهدوء والإيمان بالحياة. الحياة التي تفاجئنا دائما يا عزيزي قسطنطين”.

سكت الرجل، لكن قسطنطينوس لم يكن متأكدا إذا ما كان الطبيب قد انتهى من حديثه. بعد لحظات، عندما رآه يتحرك بعصبية على مقعده، أدرك أن الجلسة قد أوشكت على الانتهاء وأن الطبيب لم يعد لديه ما يضيفه.

بالرغم من لهفته لبصيص من الأمل -محض بريق في هذه الظلمة التي تمددت بداخله فجأة- نهض من على مقعده كي يغادر. لكنه قبل أن يمد يده ليصافح الطبيب، سأله مرة أخرى بشكل مباشر فاجأ به الرجل، هذه المرة دون أي لمحة تردد، “في حالة تأكد التشخيص، كم يبقى لي من الزمن؟”.

****

[...] خرج من مدخل البناية الفخمة ذات الطراز الإيطالي حيث توجد العيادة الفخمة أيضا للطبيب باباستيفانوس مع عيادتين أخريين شهيرتين بالمنطقة، في شارع فؤاد الأرستقراطي والمزدحم بفيلاته الأنيقة ومحلات الأنتيكا الشهيرة. تنهد قسطنطينوس بعمق كما لو أراد أن يُخرج من صدره ثقلا كبيرا. ولكي يتفادى فضول بعض المعارف في الطريق الذين كانوا على الجانب المقابل من الشارع، ألقى عينيه على رصيف الطريق الذي ظل ساخنا بالرغم من نسمات الربيع التي تداعبه في الظهيرة فقد كانت الشمس ساطعة، وشعر قسطنطينوس بحرارتها تنعكس على وجهه.

أجراس بعض الكنائس كانت تصدح من بعيد معلنة بإيقاعها الحزين بدء أسبوع الآلام، وحزنه. صدى كلمات الطبيب لا يزال يطن في أذنيه كالنحل، لكن لا يجب أن ييأس، راح يفكر. لم يتحدد شيء بعد. ربما، لو ذهب إلى أثينا من أجل تشخيص جديد؛ ربما يجب أن يخضع إلى اختبارات أخرى. نعم، لن يستسلم بسهولة أبدا. لا بدّ أن يقاوم.

لكن ماذا لو لم يستطع؟ ماذا لو أن حالته ستجبره أن يظل هناك؟ هل سيستطيع، ربما يحتاج الأمر أن يترك الإسكندرية إلى الأبد. الفكرة وحدها أربكت كيانه.

لا، لم يستطع أبدا أن يتخيل حياته بعيدا عن هذه المدينة، هذه المدينة التي أثرت فيه وشكلت وجدانه أكثر من أي مكان آخر. التفكير في المدينة اجتاحه كفيضان، بينما الأفكار السلبية عن مرضه -اللعنة التي حلت عليه فجأة- أثقلت خطواته أكثر فأكثر، كان من بعيد يبدو وكأنه رجل يحمل على كتفيه ما يفوق قواه.

كان واثقا من أمر واحد، وهو أنه لو رحل من هنا، عن هذه المدينة، حتى وإن لم يرها مرة أخرى أبدا، ستستمر الحياة في مسيرتها بالمدينة بقصصها الصغيرة والكبيرة لأهلها الذين شكلوا بالنسبة إليه طاقة إلهام ربانية، مثل ربانية مدينته التي يعشقها والتي كانت تتبعه في كل مكان أينما ذهب، بالرغم من أنها لم تشبع أبدا مَن وضعه في تجارب قاسية وغيرها ساحرة؛ كان يقول قسطنطينوس، لكنه كان يكتب أكثر.

في أحيان كثيرة كانت تطارده بإلحاح فكرة غريبة وهي أن هذه المدينة تؤول إليه. هو وحده يجب أن يعشقها، يتغنى بها، يُخَلّدُها وفي نفس الوقت يلومها، يوبّخها وينتقدها ويلعنها، وأن يناجيها ويمجدها أيضا، أن يطلق عليها سهام غضبه وفي نفس الوقت أن يكنّ لها حبّا جمّا غير مشروط وبلا حدود.

الإسكندرية!

تأمله العميق عاد به إلى ذكرى قديمة، حادثة ما، قبل بضع سنوات تقارب العشر سنوات أو أكثر، عندما كانت الحياة تجري في مياه نشواها المألوفة؛ حوار مع ذلك الصديق، حديث عابر بسيط لكنه منذ تلك اللحظة ستتغير تماما طاقة العلاقة بينهما وليس فقط، بل علاقته هو نفسه بالمدينة.

كان قسطنطينوس يجلس في البلكونة الصغيرة التي تطل على الجانب الخلفي للشارع ويشرب قهوته عندما وصل الآخر في هدوء وصمت ودون أن ينطق بكلمة، وضع على ركبتيه ذلك المخطوط الضخم الذي كان بيديه بورع شديد. وضعه بحرص شديد كما لو كان يضع طفلا لقيطا أمام والديه بالتبني وينتظر بلهفة لحظة التجاوب والقبول.

بعد لحظاتٍ عندما لم يتلق أيّ ردّ فعل من جانبه، على الرغم من نظرة تساؤل عابرة، شرح له صديقه، بينما غطت وجهه ابتسامة عريضة متفاخرة، ابتسامة كان يعاني من ترويضها وإخفائها منذ أن دخل الحجرة، مقتحما عزلته وهدوءه. “الإسكندرية، يا قسطنطين!”. قالها صائحا، تقريبا.. لفظ اسم المدينة، ضايقته آنذاك، كما كان يضايقه يقين وحماس صديقه، لكن أكثر ما ضايقه هو تعبير النصر لدى الرجل.

“الإسكندرية! أخيرا انتهى الكتاب”.

رفع عينيه وراقبه بحرص، دون أن ينطق بكلمة. راح يتفحص وجهه كأنما أراد أن يقرأ أكثر مما نطقت به الابتسامة المنفرة والعينان الزرقاوان للبريطاني البارد.

وضعُ جسده وتعبيره كانا يذكرانه بطفل صغير، أخذ يستعرض أمام صديقه شيئا جديدا لامعا اقتناه لتوّه بشيء من الخجل وبامتنان صامت يلمس حدود الانتصار.

عندما عبّر أخيرا قسطنطينوس بإيماءة باهتة عن تساؤله بلامبالاة، استمرّ الآخر بنفس روح الانتصار الممزوجة بحيوية غريبة بالنسبة إلى عمره، “حتى الآن لا أستطيع أن أصدّق أنني نجحت بالفعل في أن أكمله”.

لم يتكلم قسطنطينوس فاستمر الآخر، “أودّ أن تلقي عليه نظرة يا قسطنطينوس، فكما تعلم، رأيك هام جدا بالنسبة لي”.

لم يجب مباشرة. ترك بضع لحظات تمرّ وهو يراقب نفاد صبر الآخر أمامه ثم نطق أخيرا، قال له بنبرة محايدة، “سألقي عليه نظرة بهدوء. عندما تسنح لي فرصة”.

مازال يتذكر مفاجأة الآخر كما لو كانت بالأمس. حتى أنه لا يزال يتذكر ما الذي أراد أن يقوله حقا، “والآن اخرج من هنا حتى أشرب قهوتي في هدوء”، أو إذا لم يشأ، فإنه لا يستطيع أن يراه يقف هناك بهذا التعبير الذي يعبّر عن مفاجأة وإحباط صريحين، وعندما نفد صبره تماما، ترك الرجل المخطوط على الطاولة فيما استمرّ الآخر في شرب فنجان قهوته بهدوء معذب.

غياب الحماس الواضح من جانب صديقه تسبب له في اضطراب واضح. بدا وكأن مجيئه لم يحدث، ولم يره يقف أمامه بقلق ولهفة كالمسكين لمجرّد كلمة مشجعة. شعر قسطنطينوس بشيء من الرضا مدركا تضايقه، بالرغم من أنه نجح في ترويض الفضول المفاجئ الموجز الذي اكتنفه للحظات. في واقع الأمر فعل كل ما في وسعه محاولا ألّا يظهر أي شعور على الإطلاق حتى شعر الإنكليزي بالضجر من صمته وغادر بيته ملقيا ناحيته إيماءة سريعة وباردة نوعا ما.

حينها استطاع قسطنطينوس أن يتصفح المخطوط بأيادٍ مرتعشة بالفعل.

الكتاب، وإن كان يتقرب من النصوص التاريخية وكتابات السفر، إلا أنه لم يترك لدى قسطنطينوس أي شك أنه كان كتابا رائعا. فلم يترك أي ناحية تاريخية تخص الإسكندرية بلا بحث وتحقيق. لقد تطرق الرجل إلى كل مراحل الإسكندرية التاريخية خلال الثلاثة آلاف سنة منذ تأسيسها. خلدها كما لم يفعل أيّ كاتب آخر حتى الآن. كل عصر، في كل العصور، لكنه ركز بشكل رئيسي على سلالات البطالمة وعلاقة الملكة كليوباترا بأنطونيو!

“ما هذه الوقاحة؟”. تمتم قائلا ثم ندم على ما قاله، وكأن ذلك العصر يؤول إليه وحده.

شعر بالغيرة تنمو بداخله عندما وصل إلى مشهد دخول الإسكندر الأكبر إلى المدينة. حينها القبضة التي شعر بها في صدره باتت واضحة. لم يكن الكتاب فقط رائعا، بل كان الإنكليزي فريدا، إلا في ما يخص سعيه وراء الخلود بإيماءة ماكرة، فاسمه سيظل مرتبطا بهذه المدينة إلى الأبد!

لم يعر أي انتباه للفصل الذي يشير إليه. في واقع الأمر، تجاوزه دون قراءة، دون أن يلقي نظرة وحيدة. ماذا يريد الرجل بزجّ اسمي في كتاب كهذا. لا، لم يهتمّ بهذا الشيء على الإطلاق.

إشاراته إلى الآثار التاريخية للإسكندرية لم تكن فقط مكتوبة بروعة، لكنها كانت مرتبطة بتاريخ المدينة بشكل كبير، بنواتها، بماضيها وحاضرها، بتفصيل ملحمي بديع!

انبهر قسطنطينوس؛ الرحلة التي يقدمها الرجل للمتلقي كانت رائعة وفريدة، كانت رحلة تبدأ من المركز من ميدان القناصل وتمثال محمد علي، حيث حوّله صديقه إلى نقطه انطلاق وإشارة إلى تاريخه، بينما وصف الشوارع -يالها من مراوغة ماهرة- كل منها مرتبط بفرع جديد للجغرافيا البشرية وتاريخها. وكانت هناك خرائط ورسومات وصور وتعليقات لا تحصى. الإنكليزي الملعون نجح في المستحيل وفي وقت قياسي.

منذ تلك اللحظة، اهتزت صداقتهما وتزعزعت عن مكانتها وحلت محلها الغيرة والتنافسية. التفكير في هذا الكتاب كان يعذبه. عشر سنوات يتعذب، كما كان يعذبه منظر الرجل وتعبيرات وجهه آنذاك، كما لو كان ينظر إليه من مكان عالٍ ويضع انتصاره عليه بين يديه.

لم يستطع أبدا أن يمحو تلك الصورة عن ذاكرته، ذلك التعبير المفعم بالتباهي والانتصار، هي نفس الصورة والحالة عندما كشف له عن علاقته بذلك الشاب الجميل الذي كان يعمل في شركة الترام. حينها أيضا أخذت الغيرة تزحف بداخله كالدودة وتنخر أحشاءه، كانت تأكله ببطء وتعذبه والأسوأ هو أنه لم ينتبه أبدا إلى سببها الحقيقي.

فكّر مرات عديدة في البداية على الأقل أن يحبط نجاح الرجل. لو أقنعه بأنه لن يستطيع أن ينشره؟ لو استطاع أن يخبئ المخطوط أو يخفيه وكأنه لم يكن؟

لكن تلك الحزمة من المهارات والألاعيب لم تكن من موهباته.

في أحيان كثيرة كان يفكر في كل تلك النظريات عن انتقال المعنى في لعبة العلاقات الإنسانية والنظرية الأخرى للسيد الأكبر، وفي خفة ومهارة لاعب الأوراق حين يحرك بقية اللاعبين، حتى أنه يوجه اختياراتهم، كربّ متحكم! لكن عبقريته في هذا النوع من الألعاب كانت تخونه دوما. وهكذا ظل شغفه الخامل الباهت الانهزامي بلا شبع للأبد. نعم، كانت هي الحقيقة. فلم يستطع أبدا أن يتخلص من مشاعر الإعجاب والانبهار والغيرة في نفس الوقت التي كانت تعذبه آنذاك وربما لسنوات كثيرة فيما بعد. [...]

ترجمها عن اليونانية: د. خالد رؤوف

تصدر قريبا عن دار صفصافة في القاهرة


كاتبة ومترجمة من اليونان