'السمندل' في لبنان.. الكوميكس في مواجهة السلطة

بدأت مجلة “السمندل” نشاطها منذ عام 2007 في بيروت -لبنان، بوصفها مؤسسة غير ربحية، وقائمة على جهود المتطوعين، ومنذ ذاك الوقت نشرت 15 مجلة مصوّرة وأنطولوجيتين، إلى جانب صدورها بثلاث لغات، العربية والإنكليزية والفرنسيّة، ومنذ تأسيسها تتعاون السمندل مع فنانين من لبنان والمنطقة العربية والعالم.

الجديد  [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(82)]

يعود الفضل في تأسيسه السمندل لليانا مرهج وحاتم إمام وفادي باقي وعمر خوري وطارق نبعة، الذين سعوا ألاّ تكون السمندل فقط مجلة، بل مؤسسة ترعى فن الكوميكس، وتسلّط الضوء على التجارب المختلفة لهذا الفن في المنطقة، عبر تنظيم مهرجانات وندوات ومعارض مختلفة أشهرها “مهرجان بيروت المتحركة” الذي انطلق بنسخته الأولى عام 2009، وقد تحوّل إلى مساحة إبداعية لفناني الكوميكس في المنطقة العربيّة. فالسمندل كمؤسسة تحتفي بالكوميكس بوصفه فنّاً “راقياً”، أي أنّ منتجاته ليست مجرد استهلاكيّة أو سطحية، بل هي أعمال فنيّة ذات جماليات عالية وتقنيات للتعبير تختبر مساحات مختلفة من التجربة الفنية والواقعيّة.

تعدّ تجربة السمندل من أكثر التجارب العربية تميّزاً، إذ كانت تصدر بصورة فصليّة حين تأسست، ومنذ عام 2014 أصبحت تصدر بشكل سنويّ، كونها واجهت مشكلات ماليّة، بعد أن تمت إدانة ثلاثة من محرريها، إثر عدد صدر عام 2009، اتهم إثرها محرروه من قبل السلطة في لبنان، بازدراء الأديان، ونشر أخبار كاذبة والتشهير والذم والقدح، وتوجب على المدانين دفع غرامة مالية بمقدار 20 ألف دولار. تمكّنت المؤسسة من التعافي لاحقاً، وتحوّلت قضية السمندل مع الرقابة إلى شأن عالميّ، ومثال على قمع السلطات لحرية التعبير والرأي في لبنان والمنطقة العربيّة، واستخدام السلطات الدينية والسياسية لأجهزة الرقابة لتكميم الأفواه.

يُنتج كل عدد من السمندل، بناء على مفهوم أو فكر، فكل واحد يحمل موضوعة عامة، قائمة على رؤية رئيس التحرير والفانين المشاركين، والذين تتنوع جنسياتهم وقد اعتمدوا هذه التقنية في إنجاز الأعداد منذ عام 2015، ففي العدد الأول، نتعرف على السمندل كمؤسسة، والسمندل ذاته كحيوان يحضر أمامنا يحدثنا عن نفسه والمجلة، التي تعتمد الصورة والكلمة كوسيلة للتعبير، وتتجاوز الحدود الجغرافيّة واللغويّة، كونها مفتوحة على مشاركات الجميع وتصدر بثلاث لغات.

لا تلتزم المجلة بشكل واحد لكل قصة، إذ تنوّع التقنيات المستخدمة بين تقنيات الشرائط التقليديّة، أو تلك التي تتداخل فيها الشخصيات مع أصواتهم، كما تحوي قصصا منفردة، أو سلاسل تصدر تباعاً، إذ نقرأ في العدد الأول عن سلسلة “المعلم” من تأليف ورسم فؤاد مزهر، والتي يتداخل فيها الفانتازي والواقعي ضمن مؤسسة تعليميّة متخيّلة، تنتمي إلى عوالم ديسوتوبيّة اجتاحها وباء العدميّة، وأصبح دور الدولة تعليم الأفراد وتثقيفهم، كما نقرأ أيضاً عن مازن كرباج ذاته في “قصة مرة واحدة” فنان القصص المصوّرة، الذي يحدثنا بصرياً عن العصف الذهني الذي يمارسه قبل كتابة قصة، واختبار موضوعها، والتشتت الذي يصاب به والحيرة في اختيار ما هو مناسب.

الموضوعات التي تتناولها السمندل تختلف بحسب العدد، إذ نقرأ عن الحياة اليومية في المدينة، وتفاصيلها، والعلاقة مع السلطة والمؤسسات المختلفة إلى جانب حضور قصص من الخيال العلميّ، أو تلك التي ترتبط بالمشكلات الاجتماعيّة، كقضايا الجندر في المنطقة العربيّ، التي تناولها العدد العشرين من المجلة، الصادر عام 2016، عن مؤسسة السمندل وألف باء تاء الفرنسيّة، بعنوان “خلف الباب”، وترأست تحريره ليانا مرهج، ونقرأ فيه عن الشباب والشعر والجنسانيّة، حيث نكتشف عبر مجموعة من القصص التي تمتد على مدى 244 صفحة عوالم الجنس والسياقات الاجتماعية المرتبطة به، والمخاوف التي تحيط بهذه الموضوعة، كما يلقي الضوء على المشكلات التي تواجه الذكر والأنثى على حد سواء، وكما في الأعداد السابقة لا تلتزم المجلة لغة الفصحى بل تحضر المحكيّة وإلى جانب مشاركات من 28 فناناً من المنطقة العربية ومن العالم.

تحتفل السمندل بعيدها العاشر في عددها العشرين، الذي يحتفي بتجربة السمندل، وهو معنون بـ”توبيا”، وترأست تحريره رافيل ماكارون، التي انضمت للسمندل علم 2014، وتقول ماكارون إن هذا العدد سيطبع وفق تقنية الريزوغارف اليابانيّ، وأنها اختارت اسم توبيا تكريما للسمندل والعوالم التي قدمتها للقارئ خلال مسيرتها، إلى جانب ارتباطه بالظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها المنطقة وسعيها نحو التغير، كما انه يحتفي بتاريخ السمندل وأهم التطوّرات والأحداث التي شهدتها المؤسسة.

قدمت السمندل صورة مختلفة عن العربي للعالم الأوروبي الذي احتفى بها، فصدورها باللغات الثلاث فتح المجال لجمهور واسع لتلقي محتواها، وخصوصاً أنها نالت شهرة وسيطاً في الغرب أكثر من المنطقة العربيّة، كون هذا الفن محتفى به هناك، ما أتاح لها الحصول على التمويل من جهات متنوعة، إلى الجانب الترحيب بها وفريقها في العديد من المحافل العربية والدولية، آخرها كان مهرجان القصص المصوّرة في فرنسا عام 2018.

قلم التحرير