مخبر 619 التونسي.. القصص المصوّرة تصالح القارئ مع الكتاب

تأسس المخبر 619 عام 2013 وجاء العدد الأول من المجلة بعد تجربة “كوميك”، الذي كان إصدارا جماعيا لمجموعة من رسامي الكاريكاتير والقصص المصوّرة يعلّقون فيه على انتخابات 2011، الانتخابات الأولى التي شهدتها تونس بعد الثورة. كان ذلك أوّل إصدار جماعي لثلّة من الفنانين أعطتهم الثورة دفعا للتعبير بكل حرية والتعليق على الأحداث خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي. بعد تجربة “كوميك”، أرادت مجموعة من هؤلاء الفنانين تأسيس دوريّة تصدر بانتظام وتعتمد على الاستقلالية التامة والإدارة الذاتية، حيث ساهم كل فنان بقصة قصيرة وتمت طباعة العدد وتوزيعه بالإمكانيات الخاصة للمجموعة.

الجديد  عبير القاسمي [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(88)]

آلية العمل منذ العدد الأول حتى السادس، كانت تتم على عدة مراحل، إذ يطرح كلّ من يريد المشاركة بالعدد سيناريو أو فكرة على المجموعة، ويختار الرسّامون المواضيع التي يريدون العمل عليها، ويمكن أن يكون العمل مشتركا بين رسّام وكاتب سيناريو كما يمكن أن تكون الفكرة من الرسّام. بعدها تضبط المواعيد المختلفة من مراحل العمل من رسم وتحبير وتلوين ثمّ مراجعة وتصميم وطباعة ونشر. بعد ضبط الأوقات تلتقي المجموعة بصورة أسبوعية لمتابعة تقدّم العمل، حيث تتم مناقشة ونقد وتعديل مختلف الأعمال يشارك فيها الجميع، وهذا ما يمكّن مختلف الأعضاء من التقدّم وتطوير قصصهم. نهاية يهتم جزء من المجموعة بآخر مراحل إعداد المجلة ويتم الإعلان عن إصدار العدد الجديد وتحضير ملتقيات لترويجه.

ابتداءً من العدد السابع اخترنا العمل في إطار إقامات فنية والانفتاح على فنانين من دول أخرى، خاصة المنطقة العربية، باعتبار إيماننا بالساحة العربية الجديدة للقصة المصوّرة، وبعد الإقامة يتم التواصل وإرسال الأعمال كاملة عبر الإنترنت، إذ ليس للمخبر مقرّ إلى حد الآن، لكننا نعمل على ذلك.

المشاكل التي تواجهنا تتمثّل أساسا في التوزيع، كما هو الشأن بالنسبة إلى كل الكتب، وذلك لمحدودية مسالك التوزيع واختيارنا أن تكون الإدارة ذاتية على كل المستويات، لكن ذلك لا ينفي أننا متمسكون بالنشر الورقي. علماً أنّ النشر الرقمي فرض نفسه لكثرة طلبات القراء المتواجدين خارج تونس، لذلك اخترنا إتاحة المجلة على تطبيقات للقصص المصوّرة مثل “رسومات”، ما مكّننا من إيصال فننا بسهولة للراغبين في التعرّف عليه.

لا نحاول كمخبر أن نحافظ على هوية بصريّة محددة، ومن هنا جاءت التسميّة أصلاً، فنحن نعتمد على التجريب، لذلك نحاول قدر استطاعتنا ألاّ نضع قيودا للتعبير داخل المجلة سواء على صعيد الشكل أو المضمون، والشرط الوحيد للمشاركة هو الجودة وتجاوز الحدود الفردية، فالمخبر 619 يتميّز بكثير من المرونة وبحريّة مطلقة في طرح المواضيع، بل أنه يدفع الفنانين للتجريب وكسر قيودهم الشخصية قدر الإمكان. وبالنسبة للكوميكس الغربي فهو باختلاف أنواعه كان المدرسة والمُلهم الأول باعتبار الافتقار لمراجع عربية، لكن مع تطوّر التجارب العربية فالفنانون يأخذون مسافة من تلك المراجع في محاولة لتطوير هوية سردية وبصرية خاصة بهم، ومن هنا تأتي أهمية التجريب.

الثورات التي شهدتها تونس والمنطقة العربية عام 2011 كانت سبب خروج العديد من أشكال التعبير إلى دائرة الضوء، وخصوصا تلك كانت تعتبر بديلة أو “تحت الأرض”، ومنها القصص المصوّرة. نفسر ذلك شخصيا بحريّة التعبير المكتسبة والأساسية كي يستطيع أيّ فنان أن ينمّي فنه، وكذلك بالإحساس المكتسب بالانتماء فعليا إلى وطن وإمكانية إحداث فارق. وهذا ما ترك فينا أثراً كفنانين إذ إعطائنا الحرية التجريب بصريا والتجرؤ على مواضيع لم تكن تطرح قبل 2011. ففي الأعداد الأولى من المجلة كان للتطوّرات السياسية تأثير واضح في القصص، لكن أخيرا تحاول المجلة أن تسمو عن التغيرات السياسية وأن تتطرّق إلى مواضيع أكثر عمقا وكونية مع الحفاظ على روح الالتزام.

رقغم هامشية فن القصص المصورة ظلت على صلة بالموضوعات المجتمعية الحارة

نرى أن تسمية القصة المصورة العربية فرضت نفسها بمعنى أنه لم تكن هناك نيّة أو تخطيط لتكوين هذه الساحة المشتركة، بل هناك قيم ساهمت في تقريب هذه التجارب المختلفة لبعضها، مثل الاستقلالية المالية والفكرية والتنظيم الذاتي، وفي ذلك برأينا إرادة لخلق قطيعة مع ممارسات الثقافة الموالية للسلطة ورغبة في التحرّر والتعبير عن الذات دون أيّ قيود سياسية أو اجتماعية أو حتى جمالية. أظن أن هذه الرغبة كانت لا واعية ومشتركة وعلى مختلف المجموعات والفنانين التعاون والعمل معا دون أي اعتبار للحدود أو المنافسة. وهذا ما نعتبره ممارسات ثورية بالمعنى الفعلي للكلمة، أي أنها تولد عن وعي، تكبر بطريقة تدريجية وتحدث تغييرا فعليّا في الواقع. وقد أثارت هذه التجارب اهتمام الغرب لأنها تكسر النمطية وتحكي قصصا مغايرة عن الواقع العربي. لذلك نظن أنّ القصة المصورة العربية فرضت نفسها تماما داخل العالم العربي وخارجه، وحتى على الفنانين أنفسهم.

لم تكن القصص المصوّرة موجودة بطريقة مهيمنة في المناهج التعليمية التونسيّة، لكن كانت هناك مجلات للأطفال قريبة من السلطة تحاول تمرير أفكار معيّنة. هذه المجلات انقطعت حاليا، آخرها بعد بضع سنوات من الثورة. أما عن المواجهة مع القصص المصوّرة الرسمية والبديلة فهي ليست مطروحة لدينا، خاصة وأنّ الجمهور صار واعيّا بمثل هذه الممارسات ويتصدّى لها. لكن بصفة عامة، ليس من مبادئنا التصادم مع السلطة بل خلق خطاب بديل وتجاوز الممنوعات.

لم تتمكّن القصص المصوّرة بعد من أن تصبح منتجات جماهيرية واسعة، لأنها حديثة الدخول نوعا ما على الثقافات العربية، ولأنها ولوقت طويل كانت حكرا على الأطفال وبقي هذا الانطباع إلى اليوم فالجمهور الواسع لم يتقبّل بعد فكرة القصص المصوّرة للكبار، لكن ترى أن ذلك في طور التغيير، لأنّ القارئ للقصص المصوّرة اليوم يجد منتجاً ثقافيا يشبهه ويعبّر عنه. كما أنّ الاهتمام بالقصص المصوّرة في تزايد لكونه وسيلة تعليميّة ناجعة للتوعية والتثقيف. فالقصة المصوّرة لها مزايا عديدة في مجتمع يعزف عن القراءة، إذ أنها تجلب القارئ وتصالحه مع الكتاب مع إبقائها للتناول العميق للمواضيع، كما أنّ السرد البصري قادر على إيصال رسائل بطريقة مختلفة وربما أكثر مباشرة من السرد البحت أو التصوير.

من فريق "مخبر 619" في تونس