'مساحة' للكوميكس في العراق

بدأ مشروع مساحة مع بداية فكرة اسم “مساحة” بمعنى الفضاء أو المكان، إذ كنّا نبحث عن فضاء ومساحة حرة، نكتب ونرسم وننتج فيها قصص مصوّرة بصورة مستقلة، ومن هذا المنطلق، تأسست مساحة عام 2015، تلبيّة لرغبتنا بخلق مساحة صغيرة، يجتمع فيها مجموعة من الفنانين الشباب، بهدف إنتاج قصص مصورة، إذ بادر حسين عادل مؤسس المشروع بالقيام بأول خطوة، إذ أنشأ مجموعة افتراضية على موقع فيسبوك، باسم “مساحة” ما أتاح لبعض الفنانين المهتمين بأن ينضموا، ويبادروا بنشر أعمالهم، وما يحبون من مجلات وكتب لقصص مصوّرة، بعدها تطوّر الأمر إلى لقاءات على ارض الواقع.

الجديد  حسين عادل [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(92)]

كانت لقاءاتنا حينها بسيطة وأغلب الأشخاص المتواجدين كانوا من الهواة، كنا نحاول أن نكون سندا لبعضنا البعض، من خلال تجاربنا الشخصية وذلك بسبب عدم وجود تجارب سابقة في هذا المجال في العراق. استمرت المرحلة الأولى من عام 2015 وحتى عام 2018 وكانت مرحلة تجريبيّة للمشروع، أنتجنا فيها عددين من مجلة مساحة، كانتا تتضمنا قصصا مصوّرة بسيطة من ناحية المضمون والتجربة والكمية، وشاركنا حينها في مهرجان “كايرو كوميكس″ في القاهرة عام2016، وعام 2018 شاركنا بمهرجان “أنغولام” في فرنسا، في ذات الوقت أقمنا مجموعة من اللقاءات والورش لكتابة السيناريو وفن الرسم.

في بداية المشروع كانت مساحة مجرد منصة على موقع الفيسبوك، وكان أغلب المشاركين من مناطق مختلفة في العراق، والسبيل الوحيد لإنتاج العدد صفر والعدد واحد هو التواصل عبر الإنترنت.

في العدد صفر طرحنا موضوع وهو “يوم من حياتي”، وفيه يتحدث كل مشارك عن يوم مثير حصل في حياته، حينها لم تتعدّى القصة الواحدة الخمس صفحات، وبعد أن تم العدد، كانت هناك الخطوة الأصعب وهي الطباعة الورقية، حينها كانت لدينا عدة محاولات مع دور النشر في العراق، التي رفضت أن تنتج العدد، ليس بسبب المحتوى، وإنما بسبب ضعف ثقافة القصص المصورة داخل تلك الدور، وأيضا لعدم اهتمامهم بنشر مجلات قصص مصوّرة موجهة للكبار، لكن ما حدث، أننا حصلنا على دعم شخصي من أحد الأشخاص المهتمين بالقصص المصوّرة، وعلى أساس ذلك، طبعنا وأطلقنا نسخة محدودة من العدد صفر. وذات الشيء مع العدد واحد الذي كان موضوعه “الازدحام”.

كانت الصعوبة الأكبر بالنسبة لنا، هي تقبّل الناس لهذا النوع من الفن، وما يحتويه من أفكار، ولكن في الجانب الآخر، كان هناك داعمون وقراء للعددين اللذين صدرا، وربما كان ذلك بسبب التوقيت الذي أطلقنا فيه العددين عام 2015، حينها كان الجانب الآخر من العراق يخوض الحرب مع داعش، وكان هذا شاغلاً لعقول الناس، إلى جانب الأثر النفسي لهذه المعارك على العراقيين.

عام 2018 انتقلت مساحة إلى المرحلة الثانية، وكانت هذه المرحلة هامة، تحوّلت إثرها مجلة “مساحة” إلى مشروع حقيقي، على أرض الواقع، لا يكتفي فقط بإنتاج مجلة قصص مصوّرة، بل تبنّينا سياسة إصدار الكتب، وكان أوّل إصدار، كتاب يضمّ 6 قصص مصوّرة، تتحدث عن 6 سير ذاتية قصيرة، بعنوان “زوية”، ويتألف من 54 صفحة بالأسود والأبيض. وشارك فيه كل من حسين عادل ومحمد عودة وزهراء رضا وعلي جاسم وميس ياسر.

وكانت هذه التجربة طفرة نوعية من ناحية أسلوب العمل والمضمون، وأيضا من ناحية اكتساب الخبرة في التحرير والإعداد، وكانت طرق التواصل في ما بينا عبر اللقاءات على أرض الواقع، والتي تكون عادة داخل إحدى المقاهي أو في منزل أحد المشاركين وأيضا عبر الإنترنت.

“زوية” يمثل تجربة نتجت عن ورشة قد أقمناها في ما بيننا من أجل التحضير لمعرض للقصص المصوّرة العراقية في مهرجان “فميتو” في سويسرا. ولكن إلى حد الآن لم يطبع الكتاب على ورق، ونحن بصدد البحث عن دار نشر أو دعم للطباعة الورقية، كما نفكر بخيار النشر الإلكتروني.

هناك بعض السياسات التي تتبنّاها مساحة حين اختيار المواضيع، إذ يتمّ التركيز على الأفكار المستقلة والمعاصرة والأفكار الإبداعية البعيدة عن ملامح القصص المصورة التجارية، وأيضا أن تكون المواضيع والأفكار المختارة ناتجة عن بحث مكثّف، لكن بالطبع يمتلك الفنان حرية اختيار وكتابة الموضوعات ودون خطوط حمراء.

نحاول أيضا في مساحة أن تكون الأفكار والكتابات ناتجة من نقاشات وبحوث مكثّفة، يقودها شخص قد تمّ اختياره من أجل أن يقوم بتحرير وإعداد الكتاب، ويقوم المحرر باختيار موضوع معيّن يتفق عليه جميع المشتركين، ليتم بعد ذلك النقاش والبحوث لتطوير الموضوع ثم العمل على خلق موضوعة وهوية بصرية عراقية في رسم القصص المصوّرة، وينتج ذلك من خلال تداول تجارب الفنانين في فن الرسم ودراسة الشكل والبيئة والروح العراقية.

فن السيرة الذاتية الذي يعمل عليه فنانو مساحة يهدف إلى توثيق القصص والأحداث التي تجري في العراق، لأننا ومؤمنون أن فن القصص المصوّرة هو إحدى وسائل التوثيق. وأما بخصوص المواضيع المتعلّقة بالبحوث والمقالات المصورة، فنحن نحاول تقديم محتوى علمي ناتج من بحوث مكثّفة بطريقة فنية، فالبحوث العلمية المعتادة جافة وتقدّم المعلومة فقط، ولكننا نعمل على ابتكار شق جديد في فن الكوميكس، وهو تحويل البحوث التي يقوم بها الفنانين إلى مادة علمية ممتعة، تكاد تكون مثل الدمية في يد طفل يضع الطفل كل مخيلته الطفولية فيها، في سبيل تحريك تلك اللعبة في رأسه، فالدمية هي تلك المواضيع والتساؤلات المعلقة في رأس الفنان، الذي يقوم بخلق بحث قد يكون خياليا، لكن مبني على أسس البحوث المعتادة، وتقديمها بعد ذلك مكتوبة ومرسومة على ورق.

من حيث القصص فنحن مهتمون بالعمل على كتابة القصص الخيالية والخيال العلمي الحديث، وأيضا تحويل الصور الشعرية إلى صور مادية من خلال القصص المصورة وتناول الموضوعات الجنسية والنفسية وتلك المرتبطة بالهوية والسياسة والمجتمع.

لم تتأثر مساحة والعاملون فيها بالثورات العربيّة التي بدأت عام 2011، لكننا تأثرنا بتجارب الكوميكس التي اشتهرت بعد الربيع العربي وتأثرت به، كالسمندل، وتوك توك وغيرهما، فتجربة مساحة هي امتداد للمشاريع العربية المهتمة بالقصص المصورة في الوطن العربي، كما أن العراق لم يصله رياح الربيع العربي بشكل كبير، ولكنه يشهد تظاهرات متقطعة بين الحين والآخر.

في ما يخص تأثير المجتمع والسياسة في العراق على الفن بصورة عامة وعلى فن الكوميكس بصورة خاصة فهذا يرتبط بالحقب التي مرّت على العراق، فمثلا في حقبة ما قبل عام 2003، وفي ظل حكم سياسة صدام حسين كان الفنان المستقل مضطهدا، وغالبا ما يكون عرضة للعقاب أو التهجير أو النفي، وذلك في حال قدّم عملا فنيا مستقلا، يناقش ويثير موضوعا يستهدف به صدام بصورة شخصية أو حزبه وسياسته داخل وخارج العراق، كما كانت سياسة صدام، تأثير كبير على فن القصص المصوّرة الموجهة للكبار وللصغار، إذ كانت هناك بعض المجلات الصادرة عن دار ثقافة الطفل كـ”مجلتي” و”المزمار” التي عاصرناها في طفولتنا، وكانت تحوي هذه المجلات عوالم متعددة تستهدف الأطفال والشباب، وكانت هذه العوالم التي عشناها في طفولتنا عوالم ممتعة وجميلة وتناسب طفولتنا، ولكن كان هناك عالم مظلم من بين تلك العوالم الحالمة وهو العالم، الذي تتحكم به سياسة صدام، وكان ذلك يتمثل في زجّ بعض الأعمال والرسائل، داخل هذه الكتب والمجلات، بصورة لا تتناسب مع الأطفال، ومثال على ذلك كانت هناك قصص تمجد صدام في خوضه الحرب الإيرانية والكويتية، وأيضا وضعه صوره على أغلفة تلك الكتب والمجلات، وغالبا ما كنّا نشاهد صورة الجندي العراقي بزيّه العسكري وشواربه وأكتافه العريضة، وهو يحمل السلاح ويحيط به مجموعة من الأطفال الذين يحيونه ويشجعونه.

بعد نهاية نظام صدام حسين عام 2003 توقفت بعض تلك المؤسسات والمجلات والبعض الآخر غيّر سياسته أو قلّ إنتاجه، واستمرّ هذا الوضع على ما هو عليه إلى أن ظهرت قوة جديدة تحكم العراق وهي المؤسسات الدينية المنتشرة في الداخل العراقي، والأحزاب السياسة الجديدة التي أغلبها كانت خارج العراق قبل عام 2003، فحينها ظهرت مجلات جديدة ودور نشر جديدة أيضا ولكنها تابعة لسياسات تلك المؤسسات الدينية والأحزاب الإسلامية، وصار الموضوع الآن يتعلق بزج الأفكار المؤدلجة من قبل هذه المؤسسات ضمن مجلات الأطفال، والتي غالبا ما نشاهد فيها الشخصيات الملتحية والفتيات اللاتي يرتدين الحجاب والزيّ الإسلامي. وبسبب تلك السياسات ليست هناك مساحة داخل تلك المؤسسات للفنانين المستقلين.

نهاية، يمكن القول إن الكوميكس في الوطن العربي محدود المتابعة، لكن في العراق لا نستطيع أن نقول هل هناك جمهور أم لا، وذلك بسبب انقطاع فن القصص المصورة لفترة طويلة، وقلة العاملين فيه والمؤسسات المهتمة بدعمه.

من فريق مجلة "مساحة" في العراق