الكوميكس فن التغيير.. أسامة، ماجد، سامر

تعلقت بالكوميكس ليس فقط لأنه نقل لي كل الحكايات التي كنت أتوق عطشا إلى الاطلاع عليها، وفتح الفضاء واسعا أمام خيالي الطفل لأفكر بحرية بعيدا عن قواعد الفيزياء الأرضية، ولا بسبب تلبيته لنهم عيني للخطوط المنحنية المرسومة وفقا لمدارس فنية وتشريحية كثيرة في كل مرة، بل أكثر من ذلك، لأن العالم كان فقيرا للغاية بالأصدقاء، وكان نجوم الكوميكس أفضل الأصدقاء وأقربهم إلى النفس. وبعد سوبرمان والوطواط والبرق وتان تان؛ القصص التي كانت بيروت ترسلها لنا مترجمة عن لغاتها الأم، كان قراء الكوميكس العرب يبحثون عن أبطال عرب من صميم بيئاتهم، يتحدثون بلغتهم ويحلمون أحلامهم ذاتها.

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(98)]

لعبت رسوم لجينة الأصيل دورا مهما في تطوير لغة الرسم للأطفال
كانت مجلدات بساط الريح جميلة جدا، لكنها كانت تنقل لنا حكايات عن العرب كما يراهم الغرب. عن بغداد وعن الوزير المتآمر، وعن الخليفة السمين، وعن الجواري. كما تنقل لنا عوالم أوروبا وسيرة الكونت دي مونت كريستي، غير أنها لم تكن عربية.

غير أن الكوميكس ليس لعبة للصغار. إنه فن قائم بحد ذاته. طريقة اتصال ذكية مبكرة. عالم كبير، يسبح فيه الكبار أيضا، لأنهم يصنعونه بأيديهم، فكيف لا يبقون مسحورين به؟ لذلك بقي كتابنا ورسامونا العرب تواقين إلى كوميكس عربي. وقد صنعوه بالفعل في أكثر من بلد. وكانت “أسامة” في دمشق أواخر ستينات القرن العشرين بداية لـ”ماجد” في الإمارات أواخر السبعينات.

“أسامة” وصراع النخبة

ما ميّز مجلة “أسامة” أنها كانت مشروعا مبيتا من قبل النخبة السورية والعربية، له هدف قومي واضح ويبني شغله على الأبعاد التربوية التي كانت تعمل في زمن ما بعد هزيمة يونيو 1967. كان الهدف هو إعادة الاعتبار للشخصية العربية، باستحضار الماضي وأمجاده وزرعه من جديد في نفوس النشء. إضافة إلى التسلية والترفيه والتعارف وكل تلك التفاصيل التي تحفل بها المجلات.

رسم فيها كبار فناني سوريا مثل نذير نبعة وغسان السباعي وأسعد عرابي وعمر حمدي وخزيمة علواني ويوسف عبدلكي وممتاز البحرة وأنور دياب وطه الخالدي ولجينة الأصيل وسرور علواني وإلياس حموي.

وتناوب على تحريرها أدباء مرموقون مثل زكريا تامر وسعدالله ونوس وعادل أبوشنب ودلال حاتم وغيرهم.

يقول عادل أبوشنب عن تلك المرحلة »عندما كنت في مجلة “أسامة” أردت أن أخلق أدبا للأطفال عبر هذه المجلة واستطعنا أن نؤسس لشخصيات أحبها الأطفال تماما، كما يحبون الرجل الوطواط وسوبرمان وتان تان، واجتهدت لكي أخلق البديل لهذه الشخصيات الغربية بشخصية عربية من أدب المقاومة فخلقت شخصية “أسامة في الأرض المحتلة” ونالت حب وإعجاب الأطفال«.

في دمشق كانت الحمولة التبشيرية لا تزال تعمل، ضخ أفكار وأيديولوجيات متواصل. وكان الرسامون يرسمون. وكانت مهمة الجميع هي التركيز على ذلك الطفل السوري، بل العربي، الذي تهيّأ لهم أنه يحتاج صقلا قوميا ونضاليا أكثر وأكثر، ولهذا كان يقف أمام مجلة “أسامة” صراع حقيقي ما بين النخب السورية. كان مختبره عالم الطفولة.

كانت “أسامة” مسرحا بصريا فوق ذلك، أداره ببراعة الرسام القدير الراحل ممتاز البحرة الذي وكما قام بتحويل المناهج المدرسية السورية إلى معارض للوحات زج فيها بشخصيات ابتكرها لتكون صديقة الأطفال مثل باسم ورباب قام أيضا بابتكار شخصية أسامة؛ شاب مرتب المنظر بقميص مكوي. وملامح واثقة. يشبه حلم الآباء والأمهات بصور أبنائهم.

وكانت كل رسمة في “أسامة” مناسبة ثقافية، كما كان البحرة يقول. تدور حولها النقاشات ما بين كتاب قصتها ورساميها والآخرين. كانت “أسامة” عالما آخر موازيا للعالم الواقعي. لكنه كان عالما من الحرية والحلم.

مجلة “ماجد”

لكن فيماجد” كان الوضع مختلفا. لم تكن هناك شعارات تطلق. بل يوميات وتفاصيل حياتية. وكان يوم الأربعاء 28 فبراير من العام 1979 هو يوم صدور العدد الأول من هذه المجلة الإماراتية ذات الأصوات العربية المتعددة.

انطلقت “ماجد” بمناسبة السنة العالمية للطفولة 1979 بالإعلان “هيا نشتري ماجد.. ماجد لكل الأولاد، ماجد لكل البنات، تباع صباح كل أربعاء والثمن درهمان”.

كان واضحا أن “ماجد” ليست مجرد مجلة للأطفال، ولكن أيضا من وجهة أخرى فهي تندرج ضمن مشروع تنويري عربي للاهتمام بالثقافة أمر بإطلاقه الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويعتبر بمثابة “مبادرة ثقافية ووطنية تمثل الطفل الإماراتي والعربي”.

كان الخليج العربي بحاجة إلى مشروع من هذا النوع، فبيئته لا تقبل الكثير مما يرد في مجلات الكوميكس المترجمة. وفي الوقت ذاته يتعطش القراء من الأطفال للقراءة والاطّلاع وتوسيع الأفق. فجاءت ماجد لتلبي تلك الرغبة، وانتشرت انتشارا سريعا من الخليج إلى العالم العربي كله، ويقول القائمون عليها أنها بالدرجة الأولى “حظيت بثقة الآباء والأمهات، وأصبحت موسوعة ثقافية يتوارثها الأجيال”.

وفي افتتاحية العدد الأول كتب أبووليد يقول «بناتي وأبنائي الأعزاء صباح الخير.. أشعر اليوم بسعادة لا حدود لها.. وأنا أرى العدد الأول من مجلة (ماجد) بين أيديكم، الفرحة تملأ قلبي وأنا أتابع إقبالكم على المجلة التي نتمنى أن تحقق هدفها الأول وهو إسعادكم جميعا».

ولد ماجد. وأخذ يعرّف الأطفال ويقول لهم من هو “اسمي ماجد، عمري في مثل عمركم، أحب الناس والناس يحبونني، لي أخوة وأصدقاء كثيرون. منهم حميد وموزة وخلفان وشيخة ومحمد وراشد، وغيرهم وغيرهم، أريد أن أكون صديقا لك، نعم أنت هل تقبل صداقتي، اتفقنا، سوف نلتقي بإذن الله كل أسبوع على صفحات هذه المجلة”.

وعندما صار عمر “ماجد” 35 عاما، قررت المجلة أن تتحول إلى قناة تلفزيوينة تحمل اسم “ماجد”؛ فأنشئت القناة في 25 ديسمبر 2015، لتقدم ما كانت تقدمه عبر صفحاته، من خلال برامج شيقة واهتمامات مواكبة للعصر.

مجلة “سامر” ونهاد قلعي

في السنة ذاتها التي صدر فيها مجلة “ماجد” كان هناك مشروع آخر يستعد للولادة. كانت مجلة “سامر” التي رأت النور أول مرة خلال الحرب اللبنانية في 31 مايو من العام 1979. صدرت “سامر” بإمكانات بسيطة في البداية، مجلة بالأبيض والأسود، ولم تلبث أن أصبحت مجلة ملونة بعد ثلاثة أعوام على صدورها. وكان شعار “سامر” الذي انطلقت حاملة إياه كمشروع “من أجل جيل عربي سعيد”.

استعانت “سامر” بالرسامين العرب أنفسهم، الذين رسموا في “أسامة” و”ماجد” وغيرهما. لكن أغرب ضيوفها كان الفنان المسرحي الرائد الراحل نهاد قلعي الذي عرف باسم حسني البورظان ومعه القرد ميمون.

ذهب نهاد قلعي إلى بيروت بعد أن مرض وعجز عن التمثيل كما كان يفعل خلال عقود من الزمن، حصد فيها محبة الجمهور العربي كله. عاش في غرفة صغيرة منفردة في العاصمة اللبنانية ليكتب لمجلة “سامر”. كانت تلك قصة بحد ذاتها. حين تمكن الكوميكس من إنقاذ فنان عملاق أراد الآخرون قتله جسديا ومعنويا، فقط لأنه كان موهوبا وصادقا وبارعا في ابتكار الشخصيات الكوميدية والدرامية، وكانت أهم ابتكاراته شخصيات غوار الطوشي وياسين بقوش وأبوعنتر وأبوصياح وبالطبه شخصية حسني التي التصقت به.

فتحت “سامر” أبوابها لحكاياته، فأقبل الكبار عليها قبل الصغار، لأنهم يفتقدون بطلهم الذي غاب عن الشاشات بسبب المرض. ولكن ها هو يطل عليهم من خلال فن الكوميكس من جديد.

وبقيت مجلة “سامر” صوتا عربيا وسط المطاحن العسكرية في بيروت، ممثلة لاتجاه آخر غير اتجاه “أسامة” في دمشق و”ماجد” في أبوظبي.

الكوميكس والمجتمعات

كان الكوميكس قادرا على التغيير، بدليل أننا عشنا، حقا، على تلك الصفحات، نهلنا منها المعرفة في زمن كانت المعرفة فيه صعبة المنال مسيجة بالمحرمات والمحظورات. لكن الكوميكس كان يخترقها كلها عابرا نحو عالم الطفولة الرحب. لكن أصدقائي من نجوم الكوميكس لا يزالون معي في كل لحظة وكل مكان، أستطيع أن أروي عنهم الكثير للناس، وأستطيع أن أصف قلق وعزلة سوبرمان، مثلما أصف حيرة وبراءة ماجد، ودقة رسومات ميكي ورفاقه، ونبل الوطواط وعدم اكتراثه بالثروة، واحتشاد صفحات أسامة وميلان السطور فيها مع الرسوم. وأبعاد أجساد الشخصيات في سامر وتعدد الأمزجة في الحكايات. دون أن أنسى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه لأتسلم وظيفتي كمحرر في مجلة “أسامة”، حين استقبلتني رئيسة تحريرها الكاتبة الراحلة دلال حاتم. كان المكتب بأثاثه القديم المغبر والعتمة التي تجلله، أبعد ما يكون عن عالم الطفولة، وكانت حاتم التي تولت رئاسة تحرير المجلة بشكل مزمن وبقيت في موقعها هذا منذ العام 1967 وحتى نهايات التسعينات. كان الطفل السوري خلال تلك الأعوام قد شاخ وهرم، بعد أن فقد القائمون على أهم مشروع جمالي وتعبيري قدمت له مجلة “أسامة”، إحساسهم بالزمن. لم يطل بي المقام مع السيدة حاتم أكثر من أسبوع واحد. إذ لم يكن في “أسامة” أي كوميكس في ذلك الوقت، كان الكوميكس الحقيقي في الشارع، في الحياة. كما يجب أن يكون، وكما يليق به، وليس في الأدراج والمكاتب.

شكلت التجارب الثلاث في "سامر" وأسامة" و"ماجد" منعطفا في تاريخ الكوميكس العربي


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا