الكوميكس.. ابتكار المساحة

الجديد  محمد صلاح [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(120)]

من أعمال محمد صلاح
بدأت علاقتي بالقصص المصورة في سن صغيرة جدا. رسمت لأول مرة في سن الثلاث سنوات، ولم أتوقف حتى الآن، إذ قضيت أغلب سنوات الطفولة في الرسم وقراءة كل ما تقع عليه يدي من قصص مصورة.
كثيرا ما كنت أرسم قصصا متتابعة، على غرار ما أقرأه، وأقوم بتجميع الصفحات سويا على شكل مجلة.وخلال دراستي في كلية الفنون الجميلة بدأت في العمل بمجلة سمير ونشرت أول قصة تحمل اسمي في سن التاسعة عشرة.

تمثل القصص المصورة بالنسبة لي وسيطا مثاليا؛ فهي من وسائط الحكي القليلة التي تعتمد على “المساحة” كأداة حاكمة للإيقاع السردي عوضا عن “الزمن”، كما في السينما مثلا، فالمساحة تناسبني كثيرا كرسام.

والكوميكس تتيح لي أيضا استخدام العديد من الأدوات التشكيلية كعناصر للسرد، مما يجعلها وسيطا قصصيا شديد المرونة، يجمع بين طياته كل ما أحب عمله.

أنشر أغلب أعمالي مع مجلة توكتوك، ومازلت أفضل المطبوعات كقارئ، ولكنني أنشر أعمالا أخرى أصنعها خصيصا للنشر الرقمي، بوصف الأخير حلقة أخرى من حلقات تطور النشر، ويتطلب بعض التجريب، والتغيير في شكل القصص المصورة للتأقلم مع آلياته بطبيعة الحال، ولكنني أرى الأمر في ضوء إيجابي؛ فهكذا تتطور الفنون، والنشر الرقمي قد يحمل حلولا للكثير من مشاكل النشر والتوزيع التي يتعرض لها الفن التاسع.

الهوية البصرية للعمل هي مجرد أداة أخرى للسرد، هكذا أرى الأمر. فالقصة هي الأصل، وهي التي تفرض عليك أسلوبا للتناول البصري بشكل تلقائي. قد أتمتع ببعض المرونة في هذه الناحية لأني أقوم بكتابة ما أرسم، ولكن ثقافتك البصرية وأدواتك التشكيلية كرسام ستفرض نفسها بشكل ما في النهاية، أما في اختياري للمواضيع التي أحب التفاعل معها؛ فدائما ما كنت معنيا بالحالة الإنسانية في عملي. أحب مشاهدة الناس وتأمل أفعالهم ودوافعهم وعلاقاتهم الاجتماعية المتشابكة، هذا هو أكثر ما يؤثر بي. أؤمن أن أجمل القصص هي تلك التي حدثت في أرض الواقع؛ القصص الحقيقية التي لم يسمع بها أحد، فالحياة قادرة على تشكيل أحداث وقصص ومصائر أجمل مما في مخيلة أي قاص.

اهتمامي بالحالة الإنسانية في عملي كقاص أكثر بكثير من الالتفات إلى الأحداث السياسية الراهنة، إلا أن الثورات التي شهدتها المنطقة منذ 2011 كان لها الكثير من الإنعكاسات الحادة والقاسية على الحالة الإنسانية، وعلى التفاعلات الاجتماعية في مصر وفي المنطقة بشكل عام.

وبالرغم من ثبات انحيازاتي الشخصية خلال السبع سنوات الماضية، إلا أن رؤيتي إلى الكثير من الأمور صارت أكثر نضجا في ما يتعلق بنقد الحالة الإنسانية والاجتماعية وتفكيك عناصرها، مما انعكس في عملي بشكل كبير بالطبع.

القصة المصورة العربية هي تجربة جمعية في المقام الأول، وتحمل الكثير من التشابهات، فظروفنا كمجتمعات عربية -إنسانيا وفنيا- متشابهة إلى حد كبير. ولكن القصة الجيدة هي الأساس كما سبق أن ذكرت، وهي وحدها قادرة على تخطي كافة الحدود الوضعية بكل أشكالها والوصول إلى القارئ. فالمشترك الإنساني يتخطى كل الحواجز الجغرافية، والطبيعة الإنسانية واحدة في النهاية.

بخصوص جمهور القصص المصورّة، فأظن أنها كانت منتجا جماهيريا؛ من منا لم يقرأ قصصا مصورة يوما ما؟ قد تتأثر بظروف النشر والتوزيع قطعا، وقد تتأثر بمتطلبات السوق وبالتصنيفات الديموغرافية المتعارف عليها للقارئ العربي، هذه هي الأمور التي يجب علينا الالتفات لها.

فالقارئ العربي اعتاد القصص المصورة كفن موجه للطفل. بعض التجارب تمكنت من كسر ذلك الحاجز خلال الأعوام الأخيرة، ولكن مشوار إنتاج قصة مصورة عربية مستقلة تحظى بنجاح جماهيري مازال في بدايته. وخصوصا أن السرد المتتابع ليس اختراعا غربيا، وسنجد الكثير منه على جدران المعابد الفرعونية والكهوف مثلا.

ولكن الكوميكس في شكله الحالي قطع أشواطا قياسية في الغرب بحكم التطور الفني والتكنولوجي. وعلينا أن نستفيد من تلك التجارب تقنيا لتقديم قصص تليق بثراء تجربتنا الإنسانية.

بخصوص علاقتي مع الكوميكس الغربي وتجاربه الشهيرة، فخلال طفولتي كانت الكوميكس المترجمة أكثر وفرة من التجارب العربية، وكان لها دور كبير في تشكيل ثقافتي البصرية.

فقد كنت من عشاق الكوميكس اليابانية والأوروبية في طفولتي، وكنت من محبي فنانين مثل Enki Bilal وAshley Wood وSimon Bisley وGo Nagai وOsamu Tezuka. كما تأثرت طبعا بفنانين مثل ميشيل معلوف واللباد ونجيب فرح وبأعمال أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق ومحمود سالم. وإلى الآن يظهر بعض التأثر بهم في عملي.


رسام وكاتب من مصر