فنان الكوميكس وثمن الحرية

الجديد  شادي سيد عتاب [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(122)]

من أعمال شادي سيد عتاب
بدأت علاقتي مع القصص المصورة حين كنت صغيرا، كنت أقرأ أعداد مجلة ميكي ومجلة فلاش للفنان خالد الصفتي والتنابلة الثلاثة، لكن لم أفكر قط وقتها في أني سأكون صانعا لها ولربما ظللت هكذا حتى اكتشفت القصص المصورة اليابانية في بداية مرحلة المراهقة وأعجبتني فكرة توجيه هذا الفن للمراهقين والكبار كالأطفال، فهو يستخدم لقصّ حكايات ممتعة لتلك الفئات العمرية كما كانت فلاش وميكي ممتعة لي وأنا صغير.

وقتها بدأت بالفعل أتعرف على فن الرسوم المتحركة وكيفية صناعته، ولطالما كنت مولعا بالرسم والتأليف منذ صغري، فقررت الانتقال من مرحلة الانبهار بالرسوم المتحركة ومحاولاتي البسيطة لإنتاجها إلى مرحلة جديدة من محاولات الاستفادة من مزايا ويسر إنتاج رسوم القصص المصورة الثابتة ودراستها بشكل دقيق، فقد كنت أبحث عن أي وسيلة تساعدني على إنتاج قصص من تأليفي الخاص بنفسي وأحسست أن هذا أنسب طريقة. وانتهى بي ذلك الطريق إلى أن أنتجت أول رواية رعب مصورة مصرية بمسمى “العمارة” قبل حتى أن أتم الحادية والعشرين، وحاليا لا تزال في مرحلة النشر والتوزيع وتحقق نجاحا قويا في سوق القصص المصورة المصري بشكل عام وقريبا ستخرج إلى باقي أسواق العالم.

أرى في القصص المصورة ميزة تجعلها مختلفة بالمقارنة مثلا بالأفلام والألعاب، وهي أنها تعتمد على جهد فردي، ما يجعل القصة والشخصيات أكثر تأثرا بخيال المؤلف وحده، وفي ذات الوقت تستفيد من الرسوم الجذابة لشد فئة من القراء تكره فكرة حمل رواية مكتوبة وقراءتها بشكل تقليدي، وخصوصا أن البعض لا تساعدهم مخيلتهم على استرجاع مراجع بصرية كافية لتخيل المشاهد، فالقصص المصورة تضيف عاملا حسّيا جديدا لتجربة القراءة.

أكثر المشاكل التي واجهتني هي تلك المرتبطة بالنشر، فهذا منطقي عندما نضع في الحسبان أنني أعيش في مصر؛ بلاد رغم أن جدران معابدها الأقدم منقوشة ومحفورة بما قد يكون هو أساس هذا الفن إلا أن القصص المصورة لا تزال بعد كل هذا الوقت مفهوما “أعجميا” لأغلب شعبها لأسباب عدة أبرزها قد يكون قلة الإنتاج والتوعية. الإشكالية الأخرى التي واجهتني كانت الوصول إلى الجمهور المناسب، وهو ما أعتبره عملا شاقا حتى مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بالرغم من أن الإنترنت يمكن أن تعتبر وسيلة دعاية مذهلة، إلا أن لها جانبا سلبيا، وهو عدم القدرة على التفريق بين المجتهد والمدعي والعابث؛ ما يجعل الشخص وسط معركة يحارب فيها لجذب عدد زهيد من الناس حتى يقرؤوا أعماله، في حين يحظى آخرون بمئات الآلاف من المتابعين لمنشورات لا تقل سذاجة عن طفل يحاول أن يشد ذيل كلب مسعور، ولربما أسوأ مرحلة مررت بها كانت النشر الورقي، فالمطابع ودور النشر في مصر غير معتادة على إنتاج القصص المصورة، باستثناء تجارب معدودة تقتصر على الروايات والقصص والكتب التقليديّة، فتكلفة الطباعة والترويج للقصة المصورّة تشكّل تحديا حقيقيا لأي دار نشر، لكن هذا لا ينفي أن التطور في مجال نشر القصص المصورة في تصاعد مستمر منذ الثورة حتى وإن كان بطيئا وأرى له مستقبلا واعدا جدا هنا!

من أعمال شادي سيد عتاب

في صغري كنت من أولئك المبهورين بالثقافات الغربية والشرقية ومتابعا متعصبا لها، لكن في مرحلة عمرية معينة بدأت ألاحظ كم سخافة التأثر دون التأثير، كسلك مقطوع في دارة كهربائية لا فائدة منك مهما أحرقتك حرارة بالكهرباء فلن تستطيع نقلها أو صناعة شيء منها. لذا فأنا أحاول أن أستفيد من النقاط الإيجابية في فن القصص المصورة من مختلف بقاع الأرض والثقافات، وأسعى لإبراز شيء جديد، ليس بالضرورة أن يكون تاريخيا أو عربيا أو مصريا، لكنه أصيل وفريد، ولا أنفي أني متأثر بالثقافة التي تربيت وترعرعت فيها، إذ أحاول في قصصي أن أبرز تلك الأفكار سواء مكتوبة في حوار الشخصيات أو مرسومة على وجوهها؛ فبعضها شخصيات ذاقت مرارة الذل تحت حكم طاغ أو تمتعت بملامح أمل ومثابرة خلقتها الثورة ككثير من المصريين على مر التاريخ.

بدأ فن القصص المصورة بشكل عام بالازدهار في مصر منذ ثورة يناير ومهما اختلفت الآراء السياسية، إلا أن الثورة كانت تغييرا جذريا فى ثقافة الشعب المصري، فتحت له بوابات ثقافيّة واسعة، كما أصبح الفنان المصري حرا وقادرا مجددا على التعبير عن نفسه وأفكاره الاجتماعية والفلسفية وبعض الأفكار السياسية والدينية، أما أنا شخصيا فأصف علاقتي بالنظام الاجتماعي والسياسي القائم بأنها قائمة على أساس الحذر والترقب مع قليل من السخط، فالحرية هنا لا تزال بثمن.

في ما يخص القصة المصورة العربيّة أرى أنها أكثر تنوعا منها غزارة، فحقا لا أستطيع وضعها في صندوق معين ذي مواصفات معينة حتى الآن، ولكن يظهر اختلاف واضح في بعض الحالات، إذ يمكن تلمس الفروقات بالأساليب الفنية والتقنية بين الجيل الجديد والأجيال الأقدم وخصوصا إثر دخول الفن الرقمي كعامل تقني في الإنتاج والتأثر الأكثر بالأعمال العالمية والأجنبية وتناول مواضيع متداولة عالميا، أما بالنسبة للجمهور فأستطيع أن أقول بصراحة أن جزءا كبيرا من سوق القصص المصورة في مصر حكر على فئات محدودة، ولكن هذا بدأ يتغير بشكل ملحوظ في آخر عامين بالذات، إذ شاهدت أمهات مصريات بسيطات يقلبن صفحات روايتي المصورة ويقررن بأنفسهن شراءها وهو شيء لا أظن أنه كان ممكناً سابقا.

أرى أن الحكايات المصورة التي تضمها المناهج التعليمية العربية أكثر سذاجة وأقل إلهاما من أن تؤثر على التكوين المعرفي لأي طفل، فالقصص المصورة للأطفال في مصر تستخف بقدرات الطفل العقلية ولا تتحداها وتعامله بفكره وما يعجبه أو يجذبه، بل هي تتحدث معه من منطلق الوالدين المتسلطين والمباشرين في النصيحة ولربما هذا الأسلوب المتبع كان سببا في غلبة الأدب الأجنبي في القصص المصورة للأطفال في الوطن العربي على نظيره العربي ذاته أحيانا.

بدأت علاقتي بشكل قوي مؤخرا مع الكوميكس الغربي إثر تواصلي مع فنانين مصريين شباب، بعد أن كنت يغلب علي التأثر بالكوميكس الياباني، وكانت هذه بداية فهمي ودراستي لمجال الكوميكس بشكل واسع وأكثر دقة، ومن أكثر الأعمال التى حازت على إعجابي وأثرت في أسلوب رسمي وتأليفي كانت رواية The Killing Joke المصورة وSin City، ولا أزال أبحث عن كوميكس غربية تنتمي لفئة الرعب الأصيل، ولكن على ما يبدو هذه الفئة بالذات حاضرة في الكوميكس الياباني والآسيوي بصورة أكبر.


رسام وكاتب من مصر