فن نخبوي

الجديد  رواند عيسى [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(124)]

من أعمال رواند عيسى
بدأت علاقتي مع القصص المصورة بعمر الثامنة عشرة، وهو عمر متأخر نوعا ما، إذ لم أعرف عنها شيئا قبل ذلك، كوني من قرية في لبنان ولست من مدينة كبيرة، ولم تتوافر أمامي سوى كتب المدرسة، وفي بيروت، في مكتب شباب السفير وقعت تحت يديّ أول مجلة كوميكس، وكانت “السمندل” وحينها غرقت فيها، وقرأت كل الأعداد الموجودة في مكتب السفير.

في تلك الفترة، كنت أهتم بالكتابة الصحافية، وبعدها تعرفت على العاملين في الكوميكس في صحيفة السفير، وتوطدت علاقتي معهم، وعام 2013 بدأت العمل بمفردي على الكوميكس الخاصة بي، إلا أني كنت أخاف من نشرها، لكن الفنانة لينا مرهج، وبعد تعرّفي إليها، رحّبت برسوماتي، وشجعتني على تطوير رسوماتي، وأعطتني كتابا لجون ساكو، وهو أحد أشهر العاملين في الكوميكس الصحافي.

أكثر ما أحببته وشد انتباهي في الكوميكس، هو أنها تخاطب القراء الملولين، أو الذين لا يستطيعون متابعة كتاب لفترة طويلة، فالقصص المصورة كوسيط لا تترك مجالا للشرود خارجا، بسبب التحفيز البصري الذي تحتويه، إذ تجذب انتباه القارئ، كما أنها لا تترك مجالا كبيرا للتأويل لدى كل قارئ، فهي تخاطبه لغويا وبصريا، كما أنها تتبنى قصة تقوم بإيصالها بوضوح، وخصوصا أن الراوي حاضر في أغلب الأحيان، وهو الذي يتحكم بالسرد وكيفية تقديم القصة بصريا.

في ما يتعلق بالنشر في المنطقة العربيّة هناك دوما مشكلات، فقبل نشري لكتابي، “مش من المريخ” كانت لدي مجموعة من قصص الأطفال، وقد حاولت نشرها مع أغلب دور نشر كتب الأطفال في لبنان، اثنتان منهما فقط تجاوبتا معي، الأولى طلبت نقودا، والثانية طلبت أن أغير في مضمون القصص، فإحداها كانت تحوي بنتا تلعب كرة القدم، وهذا ما لم يناسب صاحبها، إذ كان يعتقد أنه لا توجد فتاة تلعب الكرة. الأهم، أنا أعتقد أن دور النشر في لبنان، أغلبها تنضوي تحت منطق الأعمال العائليّة، أو العلاقات الشخصية، أو إن كان الفنان مشهورا بالتالي يمكن لاسمه أن يستدر الربح، وبالنسبة للشباب فالأمر صعب، إلا إن كان أحدهم جزءا من منظومة ثقافية برجوازيّة في الجامعة الأميركيّة، ولذلك أختار النشر الرقمي أحيانا، بوصفه يصل إلى جمهور أكثر، وهذا ما أفادني حقا، وأول كتاب لي نشرته “مش من الريخ” عام 2017، خارج سياق دور النشر التقليديّة، ما يتيح للفرد الحريّة بصورة أكبر، سواء من حيث الشكل أو المضمون، وحينها كان الكتاب مجموعة من الرسومات، لا قصة بشكل متسلسل، هذه الرسومات تحكي قصة واحدة، تتضح بعد أن يطّلع القارئ عليها بأكلمها، فهي لا تمتلك شكلا تقليديا، أما الكتاب الثاني فهو بعنوان “22 آب” الذي نشرته أيضا عام 2017، وكان بعد إقامة فنية مع “بيت ورق”، وهي المؤسسة التي وفّرت لنا مكانا للعمل ومعدات الطباعة من ورق وأدوات وأجهزة، وكان الشرط حينها أن تحتفظ المؤسسة بحقوق النشر لعام واحد، وهذا ما كان مناسبا خصوصا أن “بيت ورق” يعرض الأعمال التي ساهم بنشرها في المهرجانات المختلفة، وينال بعدها الفنان جزءا من الأرباح نهاية حين يتم البيع.

في ما يخص أسلوبي الشخصي يمكنني القول إنه نشأ بالمصادفة، فيدي تتحرك بهذه الطريقة، والأمر بداية لم يكن وليد دراسة معمّقة، لكن بعد ملاحظات الآخرين، عملت أكثر على تطوير أسلوبي الشخصي لا كما في الكوميكس التجارية، حيث نرى الكثير من الأعمال متشابهة، في حين أن الفنان الذي يمتلك هوية بصرية خاصة، تكون أعماله مميزة أكثر، ويصبح الناس أكثر ارتباطا به، كونه مغايرا ولا يشابه غيره، فالجمهور عادة ينتبه أكثر للأساليب المميزة التي تخلق لديه إحساسا جديدا أثناء تلقي العمل الفني، وشخصيا أرغب في أن تبقى أعمالي عربيّة، بسبب عدم وجود محتوى كاف من الروايات المصورة باللغة العربيّة، لذا أفضّل حينما أكتب أو أرسم، أن تكون المضامين التي أتناولها، تشابه أولئك الذين ينتمون للمنطقة العربيّة، فشخوصي يشبهون الذين نراهم من حولنا، كأن يكونوا سمرا مثلا أو ذوي شعر أجعد.

كما في كتابي الثالث “عاصية” الصادر أيضا عام 2017، والذي يحكي قصة فتاة شاركت في المظاهرات عام 2015 في بيروت، وتم إلقاء القبض عليها ليوم واحد، ثم نقلت إلى المحكمة العسكريّة بتهمة تخريب أملاك خاصة وعامة، ورشق الأمن بالحجارة، هذا الكتاب محاولة لتوثيق المحاكم العسكريّة التعسفية في لبنان والإضاءة على جوانب لم نسمع عنها في الإعلام الرسمي، إلى جانب أنه يعكس طبيعة العلاقة بين الأفراد والسلطة في لبنان، بعيدا عن الاعتبارات الرسميّة للإعلام، كونه يتناول حالة حقيقية.

من أعمال رواند عيسى

كان للثورات العربيّة تأثير كبير على نشاطي الفنيّ، مثلي كحال أي شاب شارك في الاحتجاجات ضد الأنظمة، كما في مصر وتونس، إذ أظن أنه بسبب رغبة الشباب في توثيق ما حصل، انتشر فن الكوميكس بكثرة، فبعد 2011 تأسس كايرو كوميكس، وهو من أهم المهرجانات في العالم العربي، وفي تونس ظهر فنانون جدد.

فالشباب الذين قاموا بالثورة هم ذاتهم من قاموا بتوثيق حراكهم، وخصوصا أن ثورات 2011 أثرت على الوعي السياسي للشباب، فبالنسبة لي شخصيا، كان للاحتجاجات، وخصوصا تلك التي شهدتها بيروت، دور في تحويل أعمالي من الشخصي نحو ذاك السياسي والمرتبط بالقضايا العامة، فأول ما نشرته كان متعلقا بما شهدته بيروت من حراك سياسي، إذ كنت أسعى لتوثيق ما حصل في الشارع بسبب تلاعب الإعلام بنا كمحتجين، لذا لم يكن هناك خيار سوى توثيق ما يحدث، فكغيري من المحتجين كنا نريد أن نمتلك إعلاما حقيقيا، وهنا يبرز دور الكوميكس الصحافي، ذاك الذي يسعى لتوثيق حدث حقيقي، وهذا ما أراه كمشروعي الشخصي، فنيّا وسياسيا، لكن ما زال هذا الحلم بعيدا بسبب عدم توافر المردود المادي الكافي من هذا الفن، كي أتفرغ له كليا.

أظن أن اللغة هي العنصر الأساسي الذي يجمع القصة المصورة العربيّة، والتي تلعب دورا حتى قبل قراءة الكتاب، بل مجرد فتحه من اليسار نحو اليمين، كما أظن، أن هذه المنطقة لا تشبه أي مكان آخر، وخصوصا من الناحية البصرية، فالعناصر الداخلية والخارجية للكوميكس العربي تحمل بعض الخصائص المشتركة، المرتبطة بالهوية البصرية للأماكن والأشخاص، حتى لو كانت القصة مترجمة، ففي بعض الأحيان، بعض القصص لا تكون مكتوبة باللغة العربيّة، لكنها تحوي الفضاءات المرتطبة بالمنطقة والتي لا تشابه مكانا آخر، وهناك أيضا عناصر أسلوبيّة يختارها الفنّان، فجنا طرابلسي مثلا، تستخدم خطوطا عربية في القصص المكتوبة باللغة الأجنبيّة، وهذا بالنهاية يعود إلى خيارات الفنان الشخصيّة.

لم تتحول القصص المصورة بعد إلى فن جماهيري، وأقصد في لبنان وبيروت، كذلك في مصر، لكنها في الأخيرة أكثر تداولا وانتشارا، فطلاب الجامعات والمدارس كلهم يتداولون القصص المصورة، أي أنها محصورة على طبقات وفئات محددة، إلى جانب توافرها للبيع بصورة أكبر وثمن زهيد، أما في بيروت، فالكوميكس أشبه بفن نخبويّ، بالإضافة إلى كونها غالية الثمن، وهذا ما يجعلها عائقا على المستهلك اليومي، وللأسف التجارب اللبنانية المعروفة، كالسمندل، أصبحت أغلبها بالفرنسية والإنكليزية، ومجرد جزء ضئيل منها بالعربيّة، وهذا يثير الغيظ في بعض الأحيان، كما أن حفلات إطلاق أعدادهها تقام في أماكن برجوازيّة، لا في أماكن تخاطب الجميع ومتاحة لهم، وهذا ما ينطبق على تجربتي، فقد تعرفت على الكوميكس بعمر كبير وبالمصادفة، إذ لم تكن متوافرة للجميع أو ظاهرة للناس، ويمكن أن أقول إن الكوميكس في بيروت أشبه بالفن المعاصر الذي نراه في المعارض والمتاحف.

نهاية، لا يمكن إنكار أهمية الكوميكس الغربيّ، بل نحن مجبرون على الاطلاع عليه، بالرغم من أن هناك الكثيرين من العرب العاملين في هذا المجال، إلا أن الإنتاج الضخم والمتنوع هو ذاك الغربي، وإن أردت مثلا أن أتعلم بشكل شخصي، فلا بد من الجوء إلى الكوميكس الغربي.


كاتبة ورسامة من لبنان