دفاتر الشرق

تجربة الرسام الجزائري جاك فيراندية

الجديد  [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(140)]

يشكل التاريخ الجزائري مصدر إلهام للفنان فيرانديه
ولد جاك فيراندية منتصف الخمسينات من القرن الماضي في الجزائر، حيث قضى سنوات طفولته، قبل أن يرحل مع أسرته إلى فرنسا. المثير للاهتمام، أنه في تلك الفترة من حياته في الجزائر، كان على تماس مع إحدى أشهر الشخصيات الفرنسيّة هناك، إذ امتلكت أسرته محل أحذية، مواجهاً لمنزل الكاتب الفرنسي، الحائز على جائزة نوبل، ألبير كامو، هذه العلاقة مع كامو تركت أثرا عميقا لدى فيراندية، الذي يرى نفسه من أشد قرّائه إخلاصا، وبعد أن أنهى دراسته العليا للفنون في مدينة نيس الفرنسيّة، اختار جاك أن يكون فنان رسوم متحركة، وقام بتحويل عدد من روايات ونصوص كامو إلى قصص مصوّرة، كالضيف، التي نشرت عام 2009، ثم “الغريب” التي نشرت عام 2013، ذات الشيء فعله العام الماضي مع رواية كامو الأخيرة وغير المكتملة، “الإنسان الأخير”.

ما أكسب فيراندية شهرته، هو اختصاصه بتاريخ الجزائر، والذي نراه في سلسلة “دفاتر الشرق” المصورة، والتي بدأ إصدارها عام 1986، ووصل عددها إلى عشرة كتب، حتى عام 2009، ويتناول فيها مرحلة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، منذ منتصف القرن التاسع عشر، مرورا بحرب التحرير، وغيرها من الأحداث السياسية، التي رسمت تاريخ الجزائر ومهّدت لاستقلالها، الذي نقرأ عنه في الكتاب الأخير من السلسلة المعنون بـ”أرض قاتلة”.

دفاتر الشرق، أقرب لتاريخ بصري كرتوني للاستعمار الفرنسي في الجزائر، سواء عبر حكايات العرب هناك أم الفرنسيين، كما أنها محاولة لفهم وسرد الصراعات التي خلقها الاستعمار في البلاد، والتي ما زالت مستمرة حتى الآن، إذ يرى فيراندية نفسه وليد هذا التاريخ/ الصراع، لتبدو السلسلة أيضاً أشبه ببحث في سؤال الهويّة، الذي تواجهه الكثير من الأسر الفرنسيّة – الجزائريّة حتى الآن.

يصف فيراندية تجربة صناعة دفاتر الشرق بأنها أشبه ببحث تاريخيّ، إذ يحاول أن يحيط بكافة العناصر البصرية والفنية المرتبطة بالحقبة التي يتحدث عنها، إذ لا يعتمد فيراندية على المخيّلة بشكل كلّي، بل يستعين بصور الصحف والمجلات الفرنسية والجزائريّة، وكُتب الرحلات والمقالات المختلفة وذلك لبناء الفضاءات التي تدور ضمنها الأحداث، محاولا تجسيد روح المكان والعلاقات ضمنه، إذ نراه يعتمد الألوان الأصفر والبنيّ، المرتبطة بالشمس والصحراء، إلى جانب محافظته على الأزياء التقليديّة، وتضمينه للمرجعيات الفنية المرتبطة بالاستشراق والعنف، الذي واجهه الجزائريون، سواء على الصعيد الثقافي أو الماديّ، كما يعتمد أيضا على الصور والوثائق التاريخيّة الرسميّة، فهو يحاول مراعاة التطور البصري – التاريخي للأماكن في كلّ فترة تاريخيّة، إذ نتلمس في الأجزاء المختلفة، تغيّر الديكورات والأزياء والطراز المعماري.

تحمل منشورات فيراندية الأخيرة طابعا تاريخيا وتوثيقا يشابه أدب الرحلات، إذ أنجز عدد من القصص المصورة المرتبطة بالمدن والأماكن، كرحلة إلى سوريا الصادر عام 1999، وإسطنبول الصادر عام 2000، والعراق الصادر عام 2001، كما صدر له عام 2010، كتاب” الرجال في حرب الجزائر”، وفيه يعتمد على الصور والحكايات الشخصيّة، لمن شهدوا الحرب من رجال ونساء، سواء كانوا عساكر أو مدنيين، فرنسيين أو جزائريين، فكل حكاية تتناول زاوية مختلفة من تاريخ الحرب، وتحاول التقاط تأثيرها على الأفراد وفضاءاتهم الحميميّة.

يتعامل فيراندية مع القصص المصورة بوصفها وثيقة تاريخيّة، ونتيجة لبحث وثائقي وذاتي، إذ لا يعتمد علي الانفعالات الشخصيّة أو الصيغة الكاريكاتيريّة المضخّمة، لتكون تجربته الفنيّة، أقرب إلى محاولة لتوليف الشخصي مع التاريخي، والإضاءة على الاختلافات بينهما، فالرسوم المصورة وسيلة نقدية لمسائلة التاريخ ووثائقه، بوصفها تتيح قراءة مختلفة للحقيقة التاريخيّة المُفترضة، وخصوصاً أن فيراندية يحاول ألاّ ينحاز لطرف على حساب آخر في حكاياته.

كما أنه لا يقدّم أحكاماً، بل يترك للشخصيات حرية التصرف، لتكون ردود أفعالها طبيعيّة، إذ يسعى إلى أن يبرز الأسباب والظروف التي تجعل كل شخصية تتصرف بصورة طبيعة، ونتيجة للشروط الذاتية والموضوعية المحيطة بها، إذ يقوم قبل البدء بكتابة حكايات الشخصيات، بتحديد الوقائع التاريخية بدقة، وضبط الظروف السياسية والاجتماعيّة، وخلق المساحات التي ستتحرك ضمنها الشخصيات دون أن تبدو مصطنعة أو مزيفة.