فضاء عربي للمتمردين.. 'أسبوع الكوميكس' و'كايرو كوميكس'

تشهد القاهرة سنويا مهرجانين لفن الكوميكس، “أسبوع الكوميكس في مصر» ويقام منذ 2014 و «كايرو كوميكس». الأول مهرجان يتعامل مع مشهد الكوميكس والقصص المصورة في مصر والعالم. وقد شكّل العام 2013 نُواة فكرته بعد سلسلة أبحاث أجراها مركز صفصافة للأبحاث والاستشارات والتدريب حول فن الكوميكس في مصر، وخلص منها إلى أن أحد أبرز ما يواجهه من مشكلات هو عدم وجود منصات لتبادل الخبرات بين الفنانين المصريين والأجانب في هذا الفن. فنشأت الفكرة كفعالية في القاهرة يُدعى إليها عدد من الفنانين الأجانب للمشاركة في رصد مشترك لمشهد الكوميكس مصريا وعالميا.

الجديد  محمد الحمامصي [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(152)]

الكوميكسيون الجدد مغامرون في فن مضاد للسائد وثائر على النظم السياسية والمجتمعية القمعية والأبوية المتسلطة
الناشر محمد البعلي صاحب دار صفصافة رأى أن المهرجان هو بمثابة مبادرة أهلية هدفها تعميق مشهد الكوميكس والقصص المصورة في مصر عبر مجموعة من الندوات وورش العمل واللقاءات، وبالأساس التبادل الثقافي مع الفنانين الأجانب الذين يستضيفهم المهرجان. وقد استطعنا تعميق وتوسيع حضور فن الكوميكس عبر ما يتجاوز عشر ورش، فضلا عن الندوات والمعارض التي أقمناها في مدن مصرية مختلفة «القاهرة والإسكندرية والغردقة وأسيوط والمينا والفيوم.. إلخ» وذلك على مدار أربع دورات، وهو الأمر الذي شكل نافذة للجمهور المصري على أعمال هذا الفن من مجلات وإصدارات قصصية وروائية. كل عام كنا نختار تيمة أو موضوعا مثل قضية الهجرة، وقضية حرية التعبير. وحرصنا على حضور فناني الصف الأول والفنانين الشباب، وهو ما شكل إضافة مهمة ساهمت في تعميق حركة فن الكوميكس حيث نشأت فرصة للفنانين الشباب المهتمين في أن يلتقوا الفنانين الأجانب الراسخين في هذا الفن ويتفاعلوا معهم في ورش عمل ولقاءات. وسيكون لذلك أثره المهم في تطور فن الكوميكس خلال السنوات القادمة.

بدأت فكرة «كايرو كوميكس» في 2014 من خلال عرض لإحدى الجهات المهتمة، لكن للأسف حدثت اختلافات. وفي العام 2015 جمع الفنان مجدي الشافعي مجموعة من المؤمنين والشغوفين بالفن وفي مقدمتهم الفنان محمد شناوي مؤسس مجلة توكتوك للقصص المصورة والذي قدم التصور البصري للمهرجان، والفنانان محمد وهيثم رأفت (توينز كارتون) مؤسسا مجلة جراج للقصص المصورة، ودخلت مجموعة أخرى من المهتمين مثل موقع كشك، لتنطلق الدورة الأولى برئاسة الشافعي الذي كان عليه البحث عن موارد وشركاء، وبالتعاون مع بعض الفنانين المصريين واللبنانيين نظم الدورة في الجامعة الأميركية في القاهرة، كما أقيمت العديد من الورش والندوات في بعض المقاهي المحيطة بميدان التحرير.

يهتم كايرو كوميكس بشكل خاص بتطور الحركة المستقلة لفن القصص المصورة في مصر، وعلى نطاق أوسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تمثل القصص المصورة شكلا شعبيا وفنا موازيا لوسائط إبداعية أخرى مثل فنون الشارع والتحريك والسينما وفنون الفيديو والتصميم الغرافيكي، يهتم عادة فنانوه بواحد أو أكثر من هذه الفنون.

المهرجان شكل احتفالية فنية تجمع جمهور القراء برسامي وكتّاب هذا الفن سواء المحليين منهم أو العالميين في لقاء مباشر لا يتكرر عادة، إضافة إلى تقديم جوائز عديدة مثل جائزة أفضل رواية مصورة عربية.

وفي دورة أقيمت العام 2017 نظم معرض اللباد بقاعة مارجو فيون بالجامعة الأميركية التي شهدت فعاليات المهرجان، وكان ضمن ثلاثة معارض ثانيها معرض «شماريخ» الذي احتفى بأعمال أكثر من 80 فنانا عربيا من المواهب الصاعدة من المحيط إلى الخليج، والثالث معرض «كوكب الرسامين» الذي ألقى الضوء على تجارب الفنانين المصريين الشباب. وعقدت في ذلك الإطار على مدار ثلاثة أيام سلسلة لقاءات حول القصة المصورة بالتعاون مع المعهد الفرنسي بالقاهرة بعنوان «ع السطوح» شارك فيها ضيوف المهرجان أنس خليفة، وجان بيير مرسير، ومحمد إسماعيل أمين، ونبيل تاج، ومحمد علاءالدين، وأنور ودعاء العدل، وحنان الكرارجي، وأحمد توفيق خالد، ونهى حبيب، وغيرهم. وفي الحدث نفسه أقيم معرض كتب متخصص في القصص المصورة بعنوان «كوميكسوف» بمشاركة ناشرين مصريين والهيئات الثقافية مثل مؤسسة اليابان والمعهد الفرنسي. كما أقام المهرجان مسابقة شاملة للقصة المصورة في ستة مجالات مختلفة: الرواية المصورة، حصل عليها أحمد خالد توفيق عن رواية «تأثير الجرادة»، الشريط المصور، وحصل عليها أحمد عكاشة وعمرو الطاروطي، والنشر الإلكتروني وحصلت عليها «قاهرة» لدينا محمد، والقصة المصورة القصيرة وحصل عليها ميجو عن قصة «الملائكة لا تنام في البحر»، وأفضل مجلة مطبوعة وحصلت عليها مجلة «مخبر 619»، وأفضل مشروع قيد التنفيذ وحصلت عليها ريهام حسني «دون عنوان».

أتاح المهرجان لجمهوره فرصة المشاركة في الكثير من فعالياته، خاصة ورش الأطفال، لكن تظل «تحدي» وهي فعالية أقيمت في فرنسا منذ سبعينات القرن الماضي بين مجموعة من الرسامين، يرسم كل فنان فيها بشكل ارتجالي، الفعالية الأكثر تجاوبا وقد شارك فيها 10 رسامي كوميكس قدموا على مدار ثلاثة أيام تحديا متميزا في خطوطه ورؤاه ورسومه على لوحة كبيرة توسطت فناء الجامعة الأميركية.

مهرجان الكوميكس

مجلة الدشمة: الكوميكس فن الاحتجاج

انطلاق مهرجان «أسبوع الكوميكس في مصر» مختبراً وموئلا وفضاء لرساميه المتقاطرين من غير عاصمة عربية موعد للإعلان عن ثورة فنية شبابية. وقد شكّل العام 2013 نواة فكرته بعد سلسلة أبحاث أجراها «مركز صفصافة للأبحاث والاستشارات والتدريب» حول فن الكوميكس في مصر، وخلص منها إلى أن أحد أبرز ما يواجهه من مشكلات هو عدم وجود منصات لتبادل الخبرات بين الفنانين المصريين والأجانب في هذا الفن. فنشأت الفكرة كفعالية في القاهرة يُدعى إليها عدد من الفنانين الأجانب للمشاركة في رصد مشترك لمشهد الكوميكس مصريا وعالميا.

وقد أوضح الناشر محمد البعلي صاحب دار صفصافة أن المهرجان هو مبادرة أهلية هدفها تعميق مشهد الكوميكس والقصص المصورة في مصر عبر مجموعة من الندوات وورش العمل واللقاءات وبالأساس التبادل الثقافي مع الفنانين الأجانب الذين يستضيفهم المهرجان. وقد استطعنا تعميق وتوسيع حضور فن الكوميكس عبر ما يتجاوز عشر ورش فضلا عن الندوات والمعارض أقمناها في مدن مصرية مختلفة «القاهرة والإسكندرية والغردقة وأسيوط والمينا والفيوم، إلخ.» على مدار أربع دورات، وهو الأمر الذي شكل نافذة للجمهور المصري على أعمال هذا الفن من مجلات وإصدارات قصصية وروائية. وكل عام كنا نختار ثيمة أو موضوعا مثل قضية الهجرة وقضية حرية التعبير، وحرصنا على حضور فناني الصف الأول والفنانين الشباب وأظن أننا قدمنا إضافة مهمة ساهمت في تعميق حركة فن الكوميكس، حيث أعطينا فرصة للفنانين الشباب المهتمين أن يلتقوا بالفنانين الأجانب الراسخين في هذا الفن ويتفاعلون معهم في ورش عمل ولقاءات، وأظن أنه سيكون لذلك أثر كبير خلال السنوات القادمة.

2015

انطلاق مهرجان كايرو كوميكس أو مهرجان القاهرة للقصة المصورة، سبتمبر 2015 الدورة الأولى..

وقد كتب الفنان أنريكه كلاوس في تقريره:

مع انطلاق الثورات العربية حدثت طفرة في إنتاج هذا الفن لقربه من الشباب ولسهولة التعبير ولكن عدة عقبات ومشكلات وقفت في طريقه أهمها:

أولا: عدم وجود ناشر عربي مؤمن ويستطيع أن يستثمر في هذا النوع، ويصل به إلى أعداد كبيرة من القراء.

ثانيا: عدم مقدرة العديد من الفنانين على التعبير بفنيات عالية مما يهدر العديد من الإصدارات ويراكم خبرات سلبية.

ثالثا: كان العمل المستقل هو الحل ولكن العديد تعثروا في تنظيم التحرير والموارد المطلوبة، باستثناءات محدودة؛ محمد شناوي (توك توك من مصر) ومحمد البلاوي (تجربة سكف كق) من المغرب، ومجموعة مخبر 916 التي أدارت الأمر بشكل التعاونيات وحصلت على أفضل مجلة كوميكس تصدر في العالم العربي لمرتين في مهرجان القاهرة للقصة المصورة «كايرو كوميكس».

رائد من لبنان يتكلم:

الفنان جورج خوري الذي شارك في المهرجان سرد انطباعاته، فقال: لم يكن عمل الشافعي «مترو» مبادرة تستهدف تغيير البلاد ولم يكن شباب «توك توك» يعلمون حين خرجوا لتوزيع العدد الأول من مجلّتهم أن الحراك في الشارع المقابل سيتطوّر إلى ثورة تؤدّي إلى الإطاحة بالنظام. همّهم كان إطلاق حركة تغيير في «ميدان» الشرائط المصوّرة المحصور في عالم الأطفال، وركوده القاتل الذي أبعد بلادهم عن لعب أي دور رياديّ في هذا المجال. في المقابل، فاتنا نحن المقيمين خارج مصر، وبعد إخفاقات الثورات العربيّة، أن حركة التغيير (على الأقل في هذا الجانب) مستمرّة، وبدأت تُطِلّ بكثافةِ إنتاجٍ غير مسبوق لتعيد إلى مصر دورها الريادي الذي أبرزه المهرجان الأول للشريط المصوّر للكبار «كايرو كوميكس».

شباب الكوميكس

شباب جاؤوا من لبنان، تونس، الأردن، المغرب، أو حضروا بأعمالهم لتعذّر حصول بعضهم على تأشيرات دخول من ليبيا والجزائر والعراق وسوريا وفلسطين. اجتمعوا، ناقشوا، تواصلوا، وتبادلوا التجارب عبر المعارض التي استضافها الحرم القديم للجامعة الأميركيّة قرب ميدان التحرير، إضافة إلى حلقات البحث الأكاديمي ومنصّات بيع المجلات والكتب (في الحرم نفسه) أو الطاولات المستديرة وحلقات النقاش الليليّة «ع السطوح» (التسمية الرسميّة الخلاّقة لها) التي جرت فوق سطح النادي اليوناني قرب ساحة محمد طلعت وسط العاصمة الخديويّة. ولم ينسَ الشافعي الذي استمات لإقامة الدورة الأولى للمهرجان بالتعاون مع منديرة نابغة من المعهد الفرنسي بمصر وبمشاركة من المعهد الياباني، التقليد الذي تقوم عليه المهرجانات الدوليّة من إقامة ليلة الـ»Cosplay» حيث يتجمهر شباب وبنات متنكّرين بأزياء أبطال القصص المصوّرة وسط صخب مباريات الـ»Street Dance». وكانت لافتة مشاركة الشابات في هذه النشاطات والمحجّبات منهن (استمرار النبض الشبابي للشارع؟).

السمة المصريّة كانت غالبة على المهرجان. من تسمية الـ»كوميكس» الرسميّة، إلى الهويّة البصريّة من الألوان والحروفيّة في المطبوعات والملصقات والمعارض، والعناوين الطريفة والمعبّرة لأمسيات النقاش: «المطبخ» (إدارة بهيّة شهاب وأحمد غربيّة) الذي تناول ظروف الإبداع ووسائل النشر والتعبير والمسارات الفرديّة للجيل الجديد من رسّامي الشرائط المصوّرة ومؤلفيها. «غرفة النوم» (إدارة لينا عطا الله والرسام محمد أنديل) والجدل حول التابوهات والأيديولوجيّات والسلطة السياسيّة وعلاقتها بالقصّة المصوّرة واختلافها بحسب تميّز البلدان العربيّة. وأخيرا «الصالون» (إدارة لينا غيبة والأميركي جوناثان غاير) والسؤال الأكثر إثارة: هل يمكن الحديث عن شريط مصوّر عربي جامع؟ أم أننا أمام تجارب محليّة خاصة في كل بلد مع طغيان اللغات واللهجات المحكيّة على نتاج الجيل الجديد المتأثّر والمشارك في الثورات العربيّة. ه

نا تتعرّى «هويّات» المشاركين الإثنيّة والثقافيّة «وحتى الدينيّة أو المذهبيّة».

مصريّة كانت المعارض أيضا؛ «زغلول أفندي» لأحد روّاد هذا الفن الراحل محيي الدين اللباد والذي جمع بعضا من رسوماته الأصليّة وأخرى اشتهر بها ونُشِرَت في مجلات مصريّة وعربيّة «من المحيط إلى الخليج». تحيّة خاصة لمُعدّ المعرض ومُصمِّمه محمد الشنّاوي (العلامة البارزة في المشهد «الكوميكساوي» المصري) الذي جهد توثيقا وتصميما راقيا لمعرض بمصطلحات ومقاييس عالميّة. معرض آخر من مستوى مماثل هو «كوكب الرسامين» من إعداد وتصميم التوأم محمد وهيثم رأفت (من مؤسّسي المهرجان إلى الشنّاوي والمخضرم مجدي الشافعي) ويضمّ أعمالا لناشئين من بين ورش العمل التي نظماها تحت اسم «توينز كارتون». أما «شماريخ» (الأسهم الناريّة بالعاميّة المصريّة) فحوى مختارات لفنّانين شباب تقدّموا لمسابقات المهرجان وهي خمس: أفضل مجلة مطبوعة، أفضل قصة مصورة قصيرة، أفضل رواية قصص مصورة، أفضل مشروع قيد التنفيذ لـرواية مصورة/ مجلة مستقلة، أفضل قصة مصوّرة منشورة إلكترونيا وأخيرا أفضل شريط (كوميك ستريب) في الصحافة المقروءة.

مصري الهوى كان ضيف شرف «كايرو كوميكس» الفنان الفرنسي غي نادو المعروف بـ»غولو». الرحّالة الذي حطّ رحاله في القاهرة في العام 1993 حيث استقرّ قبل الانتقال إلى قرية القرنة قرب الأقصر وحيث عمل على القصص الشعبيّة المصريّة المعاصرة. بقي غولو متنقّلا بين القاهرة والقرنة إلى 2011 وبدايات الثورة، وقد غادرها إلى عاصمة الشريط المصوّر في مدينة أنغوليم الفرنسيّة. في دعوته للنسخة الأولى للمهرجان لفتة وفاء لفنان أحبّ مصر وناسها (نطق بلغتهم طول أيام المهرجان) ونقل ثقافتها الشعبيّة وتفاصيل حياتها اليوميّة في أعماله ومساهماته الدوليّة. أثّر كثيرا في رعيل الفنانين الذين انطلقوا فرادى في مغامرات للشريط المصوّر للكبار. وجوده كان أيضا لتوقيع كتابه «ألوان العار» الذي أعيد إصداره باللغة العربيّة لمناسبة المهرجان عن دار «لافابريكا» المصريّة المتخصّصة حديثا في نشر الكوميكس العربي.

فضاء عربي متمرد

فن الكوميكس: الاحتجاج السياسي والنقد الاجتماعي والسخرية الطفولية من الفوضى المجتمعية والخيال الطليق في سلة واحدة

وكأن منظمي المهرجان أرادوا لمهرجانهم الأول دورا عربيّا جامعا ومحوريّا، فكان اختيارهم للمدعوّين العرب من الشباب الذين يشكلون الرافعة الحاليّة للشريط المصوّر في بلدانهم أو من مؤسّسي التغيير.

وإذا كان الحضور اللبناني طاغيا فليس مصادفة، وإنّما لمسار هذا البلد وتجربته الرائدة في مجال الشريط المصوّر للكبار منذ الثمانينات من القرن الماضي (وإن تكن تجاربه فرديّة ولم ترقَ إلى تشكيل حركة وجمهور): لينا مرهج، جنى طرابلسي، فؤاد مزهر وجوزف قاعي من «السمندل» (لبنان)، وائل عتيلي وحسّان مناصرة (الأردن)، مهدي أناسي، زينب بن جلون (المغرب) وثنائي الدار البيضاء المبدع محمّد البلّاوي الملقّب «ريبيل سبيريت» (وهو كذلك) وصلاح مالولي، اللذين عبر إصرارهما على إصدار مجلّة «سكِف كِف» و»دليل البيضاوي» كأنهما يحملان حركة التغيير المغربيّة على أكتافهما وحدهما. أما من تونس فسحرت نهى الحبيب بتجربتها الرائدة مع مجلّة «مخبر 619» وعثمان سالمين. من جيل المؤسسين تبقى لينا غيبة من لبنان الحاضرة بقوّة، سواء في إدارة الجلسات أو رئاسة لجنة التحكيم لجوائز المهرجان وفي اليوم الأكاديمي الطويل والحفل الختامي لتسليم الجوائز إلى جانب غولو وممثل مهرجان أنغوليم جان بيار ميرسييه.

وإذا كان بعض المشاركين سبق أن زار لبنان وتمّ التعرّف إليه في مناسبات مختلفة، فإن المفاجأة الكبرى كانت «اكتشاف» فنانين ومؤلفين مصريين لم يعبروا الحدود، وهم يشاركون اليوم في صناعة المشهد المعاصر للشريط المصوّر القاهري. عدا الذين وصلت إلينا إصداراتهم نحن المتخصصين في هذا المجال، هناك كمّ من المحترفين، وإن كانوا حديثي الظهور، ملأوا فضاء الفن التاسع في حركة واعية وهادفة ترعاها منظومة مكتملة من رسامين عددهم يتصاعد، وإصدارات متواصلة ودور نشر وجمهور موالٍ وسوق (نَقَلَ إليّ ممثل للمعهد الفرنسي أنه في ليلة إطلاق إحدى المجلاّت وحدها بيعت ألف نسخة منها، وهو رقم يحلم به أي ناشر شريط مصوّر في أي بلد عربي وإن على مدى سنوات). الملاحظة الأخرى أن كلّ الإصدارات يغلُب عليها الهاجس المحلي والشخصي مهما تعددت الأساليب أو المواضيع، لذا نرى اللهجة المحكيّة طاغية ومضمونها الشعبي صعب المنال أحيانا لإغراق في الخصوصيّة المحليّة. علامة أخرى اعتدناها في لبنان وتفاجئ المواكب للمشهد المصري، وهي العدد المتزايد للحضور النسائي لرسّامات الشرائط المصوّرة وكاتباته وقد غلبت على الجوائز الاسماء النسوية ولهذا دلالته، خصوصا فضلا عن ظهور مجلة كوميكس نسويّة تعنى بمشكلات المرأة المصريّة وفي مقدّمها التحرّش الجنسي حملت اسم «الشكمجيّة» التي تعني بالعاميّة علبة حفظ الحلي النسائيّة.

أخيراً، لابد من أن نتذكر أن انطلاق فن الشريط المصوّر العربي ترافق مع ظهور مجلّة «سندباد» في فضاء ثورة يوليو 1952 وقد انتشرت هذه المجلة إلى أن صادَرَتْها السلطة السياسة في مصر شكلا ومضمونا، خصوصا بعد هزيمة 1967 حين ذاك انتقل ثقل الإنتاج وريادته إلى بيروت. عشيّة ثورة «يناير 2011» انطلقت ثورة الكوميكس مجدداً مع رواية «مترو» مجدي الشافعي ومجلّة «توك توك» وما تلاها من إصدارات الحركة الحديثة للكوميكس المصري. الخوف الآن من أن تنتهي هذه التجربة الجمالية والتعبيرة المتمردة مُصادَرَة كما الأولى لكوننا اعتدنا على ان يكرر التاريخ نفسه مرة كل بضعة عقود. لكن النظر في عيون شابات وشباب «كايرو كوميكس» وملامسة الحماسة والإصرار (وإن غير المنظّم) ينشرونه أينما حلّوا كأنه عدوى، هذا الأمل يترك مجالا للحلم بأن الاستفزاز الحالي سيستمرّ. أليس الشريط المصوّر بتحديده الأوّل حلما يستفزّ الواقع؟


كاتب من مصر