جوني المشاء يتسكع في الخرطوم

الجديد  حسام هلالي [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(60)]

لوحة: حسين جمعان
لا أتعاطى شيئاً لدرجة الإدمان أكثر من الموسيقى. ما عدا ذلك، فهي ممارسات لإشباع الحاجة البيولوجية أو الإمتاع بغرض البهجة الآنية. هذا ليس إدعاءً بالتطهرية (البيورتانية) فالمتعة هي فضيلتي الأسمى على أيّ حال، وافتقادها في إدمان تعاطٍ ما هو أدعى إلى الإحجام. هذا ما أوقفني عن شرب الكحول بشكل شبه تام ولفترة ليست بالقصيرة، وهو ما ساعدني أيضاً أن أقرر ذات صباح التوقف عن التدخين “القانوني” فيما عدا الشيشة التي لا أزال مواظباً عليها. أما التدخين غير القانوني فيظل محدوداً وفقاً للمناسبة ونوعية الصحبة، وإن كنت قادراً على الوصول إليه دون أن أنفق فيه قرشاً لكثرة رفاق السوء، أو “نافخي الكير” وفقاً للسنة النبوية.

تمرّد

وبعيداً عن السجال حول تقنين المخدرات ثمة درس تعلمته من أمستردام “الممنوع مرغوب” ليس مجرد كليشيه. فكرة أن تدخل المقهى وتشتري الصنف الذي تريده من “النباتات” سواء كان من أفغانستان أو من جامايكا -مع خاصية شراء السجائر ملفوفة إن كنت ممّن لا يحسنون اللف- تفقد عملية تدخين المخدرات لذة الاختلاس. خصوصاً مع صرامة القانون الهولندي المبتذلة التي تسمح لك بتدخين المخدرات داخل المقاهي أو المنازل فقط. في حين يدفعك قانون منع تدخين التبغ في الأماكن المغلقة إلى الخروج بالسيجارة “العادية” للشارع. حتى لو كان المكان مقهى لبيع المخدرات إبان شتاء جليدي عاصف. هنا أتيحتْ لي فرصة اللذة. أن ندخن الحشيش في الشارع، فبالنسبة إليّ تُكسِب أبعاد المخاطرة ولا قانونية تعاطي “المُكيّف” متعته الحسية الأصلية متعة مضاعفة يوفرها جريان هرمون الأدرينالين في الدم. وجدتُ أجمل تفسيرٍ لهذه الحالة عند أبي شهاب الأبشيهي في “المُستطرَف” وإن كان قد أورد نادرته تلك في باب عنونه بـ”في ذكر الأشرار والفُجّار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة” حين ذكر “قيل لأعرابيّ كان يتعشق قينة: ما يضُرّك لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها؟ قال: فمن لي إذ ذاك بلذة الخِلسة، ولقاء المُسارقة، وانتظار الموعد؟”.

هذا النزوع البليد للتمرُّد متجذر في نفسيتي ليس فقط لكوني سودانياً أنتمي بحكم النحس لدولة يحكمها نظام إسلامي. بل يُضاف إليه أنني سعودي المولد والنشأة. لكنه لحسن الحظ تمرُّد لعبتْ فيه العوامل الوراثية دوراً بارزاً. كون أبي شيوعياً سِكيراً. مع حقيقة أنه أفنى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته موظفاً لحساب الحكومة السعودية. لذا كان تمرّدي على “سُلطة الأب” في فترة مراهقتي هو أن أكون مسلماً صالحاً. لدرجة دفعتني خلال المرحلة المتوسطة (الإعدادية) لأن أُصبح ميّالاً للتيار السلفي الوهابي. لولا أن أبي كان ماهراً بالشكل الكافي لإفشال هذا المخطط بطرق بسيطة. عندما قرر أن ننتقل أنا ووالدتي وأخواتي الثلاث للعيش في مصر فيما كنا نتبادل الزيارات في العطلات. بدأ هذا “المخطط” يجني ثماره في خطوات بسيطة ومتدرجة. ففي واحدة من زيارات والدي للقاهرة التقيتُ بالشاعر السوداني عاطف خيري مصادفة في المسجد بعد صلاة الجمعة وقدمتُ له دعوة لزيارة منزلنا كونه جارنا، فإذا بأبي يدعو صحبه ويقيم مجلس سُكر على شرف الشاعر في الليلة ذاتها.

أبي هو أول من “أدار لي راحاً” قبل حتى أن تتساوى الأكتاف ويصبح هو خير جليس لي في البار. كان ذلك في التسعينات مع أحد “بلدياتنا” النوبيين من خدم القصور الملكية يدعى فتحي فلاح. تحديداً في قصر الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز. حيث لا وجود للشرطة إلا في محيط القصر. كنتُ لا أزال في الخامسة أو أقل. طفلاً مزعجاً بالنسبة إلى أبي الذي كان بالكاد قد وجد ملاذاً آمناً لاحتساء الخمر، فما كان منه عندما أخبرته بعطشي إلا أن ملأ كأساً شفافا من العرق ومده لي بوصفه ماءً، وبعد بكاء وبصاق استسلمتُ لنوم عميق وفّرَ له سهرة هادئة وقصة مسلية عن طفولتي البائسة.

“ابنك لو كبر خاويه”

انتقالي للدراسة مع أخواتي ووالدتي إلى القاهرة مطلع هذا القرن كان فرصة رائعة لأبي للخروج -من حين إلى آخر- من تزمّت قوانين الشريعة في السعودية والسودان، وما هي إلا سنوات قلائل حتى صرتُ أرافق أبي لمقهى الحرية في باب اللوق. بحيث صار ذلك مدعاة للافتخار بالنسبة إليّ كون أبي “راجل cool”، ولكن لذلك حدود، فالرجل شيوعي سوداني. مما يعني أن التزامه باللائحة الداخلية للحزب يجعل منه محارباً لدوداً لكل أنواع المخدرات التي قد يُفصل بسببها من الحزب إذا أُثبت تعاطيها، وهو الدرس الذي لم يستوعبه صديقي أحمد ندا في المرة الوحيدة التي دعوته إلى رفقتنا على سطح فندق بمصر الجديدة استطعنا فتح باره خصيصاً لنا وبأعجوبة أثناء حظر التجوال المفروض عشية الإطاحة بالرئيس محمد مرسي العام 2013، فمن فرط عجزه عن تصديق مدى كون هذا الرجل الأشيب “كوولاً” استرسل ندا في سؤال أبي إن كان أيضاً محباً للحشيش. مما جعل أبي ينفي متجهماً ويلغي بذلك أحمد ندا من لائحة المدعوين.

لم يكن الأمر كذلك طوال الوقت، فحتى بعد أن بدأتُ في الشرب -متأخراً قياساً لمتوسط عمر الصعلكة في عائلتنا- كنت لا أستلطف أن أشارك والدي الشرب وإن كان مجلسه مسلياً لي. لأسباب كلاسيكية لها علاقة بالاحترام والاحتفاظ بالهيبة وهذا الكلام الفارغ. حتى جاءت تلك اللحظة البائسة مع انتهاء الجولة الأولى من الانتخابات المصرية في 2012 وخسر حمدين صباحي بفارق بسيط لتصبح الجولة الثانية حكراً على مرشحي الإخوان وفلول نظام مبارك. كنت يومها أزور والدي في السعودية للمرة الأخيرة في حياتي -بإلغائي لإقامتي هناك- ويوم أُعلن فوز محمد مرسي. مددتُ يدي أسفل سرير أبي حيث زجاجة مياه معدنية من ماركة “مكة” كانت تحوي لتراً من العرق. جلبتُ من المطبخ كأسين وشاركتُ أبي الشراب للمرة الأولى ونحن نشاهد قناة الجزيرة صامتين في كامل التعاسة حتى أدركنا النعاس.

لم يكن إحباطنا من فوز مرسي نابعاً من أيّ استبصار أو قدرة طبيب على التشخيص السليم، ولكنها خبرة المُجرّب الذي سبق له أن أُصيب بنفس المرض، لكننا على الجانب الآخر ولاستسلامنا لربع قرن من حكم الإسلاميين في السودان لم نتوقع أن يحل الثلاثين من يونيو بتلك السرعة.

ومع الأسف، لم يجعل إخفاء الإخوان المسلمين “الحالي” من المشهد السياسي من مصر فردوساً للعلمانية، فقانون الجهر بالإفطار -مثلاً- لم يُشرّعه برلمان 2012 بل هو سابق له. هنا يكمن عمق المهزلة بالنسبة إلى حال الصعاليك من أمثالنا، فبدلاً من أن يتم استغلال الانتفاضة -المدعومة من الجيش- ضد الحكم الإسلامي لإرساء نظام علماني، نجد في مصر خطاباً سُلطوياً أخلاقياً مُتجذراً، وميلاً مائعاً للمحافظة -مثلاً برضو- على المادة الثانية لدستور السادات “الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً للتشريع″ والتي غازل بها الرئيس الراحل الحركات الإسلامية التي اغتالته لاحقاً. لتصبح هذه المادة فوق دستورية بحكم العُرف حتى مع خروج جماهير هذا الشعب “المتديّن بطبعه” لإسقاط الجماعة التي تتخذ من الشريعة الإسلامية نفسها أيديولوجية سياسية. هذه الميوعة المسماة “بالوسطية”. هذا الفصام هو ما يدفع إلى الجدال الزائف حول “مدنية الدولة” والتستر خلفها ككود يرمز للعلمانية التي يُعد الإشارة الصريحة إليها أمراً مُعيباً يجب نكران الإيمان به. لنجد أن التستر خلف المدنية بعد 30 يونيو ووصول مشير إلى سدة الحكم أمر مضحك مع السيطرة الخالصة للجيش على مقاليد الأمور في الدولة، ونكتشف بغباء أن مدنية الدولة هي مقابل للعسكرية لا الدولة الدينية، وهي في الحالتين معدومة.

هذه الميوعة هي ما يجعلنا نرى صوراً كتلك التي انتشرت في 30 رمضان عام 2013 على فايسبوك لجمهرة من الناس تصطف أمام وفوق وتحت محل درينكيز للمشروبات الكحولية ليلة العيد، والتي تتسق تماماً مع الذهنية التي تدفع شاعر “نهج البُردة” أحمد شوقي لينظم في قافيَّته الشهيرة التي لطالما حسبتها إحدى هرطقات أبي نواس:

رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي * مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ

ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها * وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ

اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها * إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي

بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ * وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ.

منع بيع الكحول أثناء المناسبات الإسلامية كان أكبر صدمات أبي في “مدنية” مصر. كان ذلك على ما أذكر العام 2003 عندما قرر أن يستغل العطلة الطويلة التي تُمنح لموظفي الحكومة أثناء شعائر الحج وحتى انتهاء عيد الأضحى ليهرب من بطش الحجاز إلى مجون القاهرة. أيقظني أبي ثاني أيام وصوله مبكراً وقال لي بلهفة “يلا الحرية!”، وكان أمراً باعثاً على الحماس أن تذهب إلى ذلك المقهى قبل أن يستلم النادل ميلاد الوردية. جلس أبي بأريحية على الكرسي الخشبي وطلب بكل طلاقة زجاجة استلا من النادل القبطي الذي رد عليه بابتسامة حزينة:

النادل: آسفين يا باشا.. ممكن تطلب بيرل أو فيروز لو تحب.

أبي: أنا بقول ليك استلا تقول لي فيروز؟ ليه ؟ خلصت؟ (قالها بفزع).

النادل: كل سنة وإنت طيب.. النهارده وقفة عرفة!

هنا بلغ الغضب من أبي كل مبلغ وصرخ في النادل: عرفة مين؟! أنا سايب جبل عرفة وراي وجاي هنا عشان أسكر تقول لي وقفة عرفة؟!

لذا، عندما قرر أبي القدوم للقاهرة خلال شهر رمضان 2013 لم تكن مسألة سوء التوقيت مفاجئة له. “ثلاثين وقفة عرفة” كاملة كانت في انتظاره. مطبقاً بشكل عمليّ طرفته المفضلة التي يحكيها لنا في كل شعبان عندما قيل لأعرابي إن رمضان أقبل، فقال “والله لأبدّدنه بالأسفار!” لكن قراره بالسفر كان مفاجئاً بالنسبة إليّ ومتعارضاً مع خططي. ما اضطرني للعودة من مصيف دهب لتعذر انتقال العائلة برمتها لجنوب سيناء، فكان التساؤل الأكبر لأبي في الهاتف قبل أن يصل إلى مطار القاهرة: السوق الحُرة مفتوحة في رمضان يا حسام؟

وليس من قبيل المصادفة أن يرتبط احتساء الكحول بالتحرر: “مقهى الحرية” و”السوق الحرة”!

كانت الاحتفالات مُرجأة للعيد وفقاً لقصيدة “أمير الشعراء”. بينما ظلتْ لديّ خطط بمعزل عن أبي. أهمها أنني كنت أنوي منذ أشهر السفر إلى الخرطوم خلال شهر رمضان “طالما إنها بايظة بايظة” ولم يكن وصوله للقاهرة دافعاً كافياً لإلغائها. عرّفته على بعض الأصدقاء، وتواصل هو مع أصدقاء قدامى. رسموا له في وسط البلد خارطة طريق للبارات التي تقدم الكحول في رمضان، وبعيداً عن صخب النادي اليوناني -بفرعيه- وبارات الفنادق الصديقة التي قد تقدم الكحول للجميع بحكم فهلوة العاملين عليها. كان ثمة ثغرة في قانون منع تقديم الكحول في المناسبات الإسلامية. ألا وهي “جواز السفر الأجنبي”.

حسين جمعان

أفريكيا

فأثناء لقائي لتناول الغداء مع صديقتي غيدا نوري في الزمالك اقترحتْ أن نذهب لشرب البيرة إن كان ثمة سانحة لذلك، ولوجودنا في شارع البرازيل اقترحتُ سطح فندق يحمل إطلالة لطيفة على النيل. استُقبلنا في البار استقبال الفاتحين كوننا الزبائن الوحيدين في ذلك النهار الرمضاني المشمس. لولا شرط جزائي من النادل -الذي كان قبطياً أيضاً- بأن نكون حاملين لجوازات سفر أجنبية. جاءت إجاباتنا قاطعة وواثقة. لكوني سودانياً وكون غيدا لبنانية، وعندما طلب منا النادل بصرامة ضابط شرطة إخراج جوازاتنا اكتشف حقيقة أننا “عرب” وأن السودان ولبنان ليسا من الدول الأجنبية! بعيداً عن المفارقة المضحكة التي تجعل نوبياً أسود مثلي يوضع في نفس فئة التصنيف العرقي مع لبنانية شقراء. انخرطتُ في نقاش محموم مع النادل لأقنعه بأن كلينا لسنا عرباً، وأنه حتى لو كانت بلداننا أعضاء في الجامعة العربية فإن هذا لا يعني أننا مصريون، لأن القانون يجب أن يطبق على المسلمين والمصريين منهم فقط لا العرب. “العربي مش لازم يكون مسلم يا مينا!” لكن النادل لم يقتنع بتاتاً. لا لشيء إلا لأن مبرراتنا ما كانت لتقنع ضابط شرطة السياحة -لاحظ، ليست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!- التي سيحق لها حينها أن تغلق البار ويُقطع رزق العاملين في الفندق.

هنا خدمتني الذاكرة. وتذكرتُ المفارقة الأكبر لهذه القصة، أن صديقتي اللبنانية ولدتْ لأم ولدتْ بدورها في غامبيا. مما جعل صديقتي مستحقة للحصول على الجنسية الغامبية. سألتها عن جواز السفر الآخر فقالت إنه في منزلها القريب لكنها لم يسبق لها أن استخدمته لأنها دائماً ما تسافر بجوازها اللبناني، وهنا أتيح لها أن تستخدم جوازها “الأفريقي” للمرة الأولى.

كانت نظرة النادل معبرة وهو يفتح الجواز، فقد كان يقف أمام فتاة بيضاء بشعر أشقر وعيون ملونة تحمل جوازاً لدولة أفريقية لم يسمع عنها من قبل حتى في كأس الأمم الأفريقية (الرابطة الشعبية الوحيدة للمصريين بأفريقيا)، فغامبيا ليست أكثر من شريط رسمه الإنكليز حول نهر يخترق السنغال المستعمرة من قبل فرنسا وأسسوا على ضفتيه دولة يبلغ أقصى عرض لها 48 كيلومتراً. كل ذلك لم يكن مهماً. المهم أنه كان بحوزة صديقتي جواز سفر “أجنبي” يجعلها مُخوّلة للجلوس في البار لاحتساء البيرة فيما كنت أنا ممنوعاً من ذلك (لذلك طلبت مع الشيشة منتجاً آخر لشركة الأهرام خالي من الكحول: بيرل)، وهكذا أنقذنا جواز أفريقي لم أحمله أنا الزنجي وحملته لبنانية كان أقصى نقطة وصلتها غرباً في أفريقيا هي مدينة الإنتاج الإعلامي.

كيف تهرّب زجاجة ويسكي من مطار الخرطوم؟

سفري إلى الخرطوم وترك أبي في القاهرة كان مُحبِطاً بقدر ما لكلينا. لكن أبي كان مُتفهماً بشكل كبير، كبير جداً. لدرجة أنني ما إن أخبرته أن “علاقات” زوج خالتي بسلطات مطار الخرطوم تسمح لنا بالخروج من الصالة دون التوقف عند ضباط الجمارك قدّم لي عرضاً مغرياً طالما أننا سنقضي العيد في مدينتين مختلفتين، وعرض عليّ أخذ زجاجة واحدة من زجاجات الويسكي الأربعة التي اشتراها من السوق الحرة: “ما عدا الشيفاز!”. كانت تلك ملاحظة مهمة منه لأنه لولاها لكانت من نصيبي، وسافرتُ إلى الخرطوم بزجاجة جوني ووكر “ريد ليبول”.

لم أكن يوماً من عشاق “مصر للطيران” التي تبيع الكحول في الأسواق الحرة وتمنعها على متن طائراتها. لكنها كانت في أبسط مقارنة مع الخطوط السودانية خياراً موفقاً جداً، والأهم أن اختياري لهذه الرحلة في هذا التوقيت تحديداً كان متزامناً مع رحلة صديقتي رغدان القادمة من مانشستر إلى الخرطوم على متن مصر للطيران، وبدلاً من لقائها أثناء الترانزيت في القاهرة كما فعلتْ في رحلة الذهاب انضممتُ إلى الرحلة رفيقاً. وصلنا بكامل وعينا لمطار الخرطوم الذي تحوّل مع تقلص حجم السودان إلى مطار إقليمي فاقداً صفة “الدولي” مع ازدياد وتيرة الضغوط السياسية على النظام، ليتناسب بذلك طردياً مع حجمه الطبيعي كواحد من أصغر المطارات الدولية في العالم. كل ذلك لم يكن مهماً، طالما أنني أستطيع الدخول لهذا المطار دون تأشيرة دخول. المهم: أن أنجو بزجاجتي.

لم أكن طامعاً في الريد ليبول على أيّ حال، ففوق عزوفي عن شرب الكحول لم يكن ذلك نوعي المفضل من الويسكي. لكنها كانت محاولتي لمفاجأة صديقي مأمون التلب في جحيم الخرطوم بوصفها أفضل هدية زواج لشاعر سكير. إضافة إلى أنها المرة الأولى التي لا أحضر فيها زفافه -بوصفي الشاهد الثاني على زيجته السابقة بالقاهرة- تملكتني رغبة جامحة لرؤيته يسكر ويشاركني الضحك الهستيري دون أن يضربه بسبب العرق المحلي الصنع إعصار “الكيتوك” صباح اليوم التالي (الكيتوك هو الـ Hang over باللغة السودانية).

إذا كان هنالك صفة غير الكسل ترسم الصورة النمطية العربية عن السودانيين فهي إدمان الكحول، وهو ما يدلل على سوء حظ السودانيين الذين يتمتعون بطقس ينغص حياة أيّ كسلان، وقانون مناهض لكل أشكال البهجة، فخلال التحولات التي أصابت سياسة أنور السادات في مصر وانتهاجه لسياسة الانفتاح وتراجعه عن الاشتراكية الناصرية، كانت عدوى مماثلة تصيب -لأسباب محلية- الرئيس جعفر نميري في الخرطوم. الذي تطرف في مغازلة الإسلاميين بما يفوق المادة الثانية من الدستور المصري وقرر أن يهب الدستور كاملاً عام 1983 للنائب العام حسن الترابي طالب السوربون الذي انشق عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين والخارج لتوه من سبع سنوات قضاها في سجون النميري متحالفاً معه ضد الشيوعيين، وطُبقتْ في السودان مذ ذاك قوانين الشريعة الإسلامية الشهيرة بـ “قوانين سبتمبر”.

لم تكن النتيجة المباشرة لتطبيق هذه القوانين هي فقط إغلاق البارات والنوادي الليلية ومنع تقديم الكحول في الفنادق والمطاعم وإغلاق مصانعها. بل اجتثاث ثقافة شعبية كاملة تقوم التسلية فيها بشكل أساسي على الخمر والجنس في مجتمع “الإنداية”، وهي أندية لصنع وتقديم الكحول محلية الصنع من المحاصيل المتوفرة محلياً في قرى السودان. وثّق لها بشكل أكاديمي الطيب محمد الطيب في كتاب حمل الاسم نفسه، وقدم له بروفيسور عون الشريف قاسم الذي كتب في المقدمة “فالإنداية كما يذكر الطيب في بداية كتابه من الأمور التي لا يصح الحديث عنها في عرف المجتمع السوداني إلا في مقام الذمّ وهي من أجل ذلك لا تجاور سكناهم بل تُقصى إلى أطراف القرى والمدن وقد تُضرب في الخلاء، ويطلق عليها ‘الجو’… ولكنك بمجرد تصفح الكتاب وسبر غوره تجد أنه يدهشك أن المخبر غير المظهر وسرعان ما يكتشف القارئ أن الإنداية التي يتحدث عنها الكتاب ما هي إلا مظهر من مظاهر الحياة السودانية وهي ككل المؤسسات الاجتماعية لها نظمها وتقاليدها وقيمها التي يلتزم بها من يرتادونها ويذمّون من يخرج منها”.

ملاحظة اعتراضية: شغل بروفيسور عون الشريف قاسم الذي قدم لهذا الكتاب منصب وزير الأوقاف والشؤون الدينية أوائل السبعينات خلال حكم الرئيس نميري بعد عمله كأستاذ في جامعة لندن.

قامتْ انتفاضة شعبية بعد إقرار قوانين سبتمبر بعامين وأطاح وزير الدفاع المشير سوار الذهب برئيسه نميري في 6 أبريل (يا للمفارقة!) 1985 وبعد أن سلّم الجيش السلطة للأحزاب عبر إقامة الانتخابات النيابية قفز الإسلاميون إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع. لم يكتف الإسلاميون بالاحتفاظ بقوانين الشريعة والمشاركة بنسبة جيدة في الحكومة الائتلافية. لكنهم قرروا التخلص من الحياة النيابية برمتها وتحالفوا مع الجيش في انقلاب عسكري في 30 يونيو (يا للمفارقة برضو!) 1989 أطاح بعده بعشر سنوات المشير عمر البشير بعرّابه حسن الترابي. ليعود الأخير إلى صفوف المعارضة مجدداً وهو يراقب النظام الذي أرسى دعائمه وهو يحوّل السودان إلى مسخ متهلهل.

هل كنتُ أفكر في كل هذا وأنا أقف أمام صف انتظار الحقائب في مطار الخرطوم؟ بالطبع لا. هذا التداعي الحر للأفكار هو من نصيب الكتابة. أما آنية اللحظة فقد استحوذ عليّ فيها الأدرينالين بشكل طاغٍ كما كنت أتشدق أعلاه. ليس فقط لأن زوج خالتي “المسؤول” قرر أن ينتظرني في الخارج دون أن يصحبني في رحلة الخروج أمام ضباط الجمارك. بل لأن رغدان أخبرتني بأمر كان غائباً عن خطتي الارتجالية البلهاء تماماً. عندما سألتها عن السبب الذي تخرج فيه بعض الحقائب إلى السير وهي ملطخة بطباشير ترسم علامة (X). الإجابة ببساطة أن الحقائب وقبل أن تسلم لأصحابها تمر أولاً بجهاز أشعة (X) وأن هذه الطباشير هي رسالة لضباط الجمارك كي يفتشوا الحقائب المعلمة و”يجمركوا” ما فيها. كانت الزجاجة لتظهر على أيّ حال في أي جهاز، فقبل أن أركب الطائرة. حاول أمين شرطة في مطار القاهرة ابتزازي أثناء دخولي للصالة قائلاً : هو إيه اللي في الشنطة ده؟

(للحظة أصابني الرعب قبل أن أتذكر أنني لم أقلع بعد وأن القانون المصري في صالحي)

أنا: قزازة ويسكي.

أمين الشرطة: طب ينفع كده؟

أنا: أنا جبتها من السوق الحرة من هنا على فكرة. لسه من 4 تيام.

أمين الشرطة : طب كل سنة وإنت طيب.

وانتهى الحوار بعشرة جنيهات. لكن أضعاف هذا المبلغ ما كانت لتنقذني في مطار الخرطوم مع زجاجة البلاك ليبول الملفوفة داخل عدد من الألبسة الداخلية والمحشورة جيداً في حقيبتي السوداء التي كان لرغدان نفسها أن اصطحبتها من نيروبي إلى الخرطوم قبل أشهر لكثرة وزن أغراضي، وكان ذلك سبب تعارفنا، ولخوفها ممّن هم على شاكلتي طلبتْ مني يومها أن تفتش الحقيبة قبل أن توافق على اصطحابها لتجد أنها مليئة بالثياب والكتب فقط. لم أخبرها تلك الليلة في مطار الخرطوم بأمر الزجاجة حتى جاءت الحقيبة أخيراً. أمسكتُ بها وقلبتها على بلاط الصالة، واكتشفتُ أن حظي لا يزال يعمل وأن الحقيبة نظيفة تماماً. مع الأسف. كانت العادة السودانية الشائعة في حمل حقائب الغير عاملاً متوفراً في هذه القصة أيضاً. حيث خرجتْ حقيبة كانت قد أعطتها لي أمي لصالح خالتي -التي يرفض زوجها الآن انتظاري- محملةً بعدد غريب من أطقم الكؤوس الزجاجية، ومزينة من عدة زوايا بعلامة (X) بطبشور وردي.

تلك كانت المرة الأولى التي أمر فيها بطمأنينة من أمام ضباط جهاز الأمن والمخابرات ويكون باعث قلقي هم رجال الشرطة. عبرتُ بثقة مفتعلة من أمام أول شرطيين. سألتهم عن الجمارك وأنا عالم تماماً بمكانها فسألوني إن كانت حقائبي ملطخة بالطباشير:

كذبتُ: لأ.

الضابط : طيب بتسأل من الجمارك ليه ؟ أمشي طوالي كده! (وأشار إلى مخرج الصالة).

كان يقف هناك ضابط آخر أرفع رتبة. الحقيبة النظيفة من الخارج والملوثة من الداخل ظلت في المقدمة كونها الأكبر حجماً. أما حقيبة أمي الصغيرة ذات الطباشير فكنتُ أسحبها خلفي في الجانب الأعمى من وقفة الضابط. لم يرها الضابط الذي قدمتُ له جوازي على سبيل التضليل فسمح لي بالمرور فوراً.

حسين جمعان

بدا الأمر لي كلعبة فيديو. ينتقل فيها اللاعب من مرحلة إلى مرحلة ومن مقاتل إلى مقاتل. إلى أن وصلتُ إلى الحاجز الأخير حيث مرحلة الوحش. كان عقيد من شرطة الجمارك يقف أمام المخرج الصغير يتحدث عبر مكالمة في الهاتف. مما جعلني أتفاءل خيراً بانشغاله، وما إن مررتُ من أمامه حتى ركل بحذائه حقيبة أمي مشيراً إلى علامة (X) اللعينة. أخبرته أنها لا تحوي شيئاً فقال مقاطعاً مكالمته بانزعاج “لو ما فيها شي ما كان شخبطوها ليك! أمشي خليهم يفتحوها هناك!”، وأشار إلى حيث تدور رحى معركة من الفتح والإغلاق مع بعض المسافرين المحظوظين. لم أكن أخشى شيئاً من فتح حقيبة أمّي وكنت على استعداد كامل للتخلص منها في الجمارك مقابل الخروج بحقيبتي المفخخة التي خشيتُ أن تفتش من باب “ما إنت كده كده جيت فخلينا نشوف شنطتك التانية”. اتصلتُ بزوج خالتي مجدداً الذي كان مستمتعاً بتورطي في هذا القلق وهو مُصّر على معرفة ما في حقيبتي. قررتُ تجاهل ضحكه المستهتر في الهاتف وخوض المعركة بنفسي، وتركتُ حقيبتي ذات الريد ليبول عند المخرج وسرتُ صوب الجمارك بحقيبة الكؤوس الزجاجية الفارغة من أي ويسكي. لحسن الحظ. فتشها الضابط، وضحك عندما رأى شكل الكؤوس الفارغة متخيلاً كيف بدت في شاشة جهاز أشعة (X) وألصق لي ملصقاً يشير إلى سلامة محتويات الحقيبة، بينما أسترق النظر من لحظة لأخرى لحقيبتي الواقفة بجوار العقيد المتحدث في التلفون. لم يعلق أحد على حقيبتي الأخرى النظيفة، فعبرتُ من مرحلة الوحش آمناً بزجاجتي إلى شوارع مدينة تحكمها الشريعة.

“قالي الرُخص قلت لو معيش”

شوارع الخرطوم كان لها طريقتها في احتوائي بثغراتها الأمنية المحاطة بقيم أخلاقية عجيبة. كنت قد دعيتُ مع زميل دراستي وصديقي العزيز مانديلا (واسمه الحقيقي : محمد علي) إلى زفاف ابنة عم زوجته، وكأيّ حفل زفاف سوداني أصيل خرجتْ زجاجات العرق من تحت الطاولات أمام كل شخص يدعي شرب الـ”سفن أب”، وبينما كان عم العروس يتذمر من كيفية احتمال العيش في بلد يصل فيها سعر زجاجة الويسكي إلى المئة دولار تذكرتُ كم كنت محظوظاً في المطار، ولاحتْ لي فكرة أن أتاجر في تهريب الكحول إذا لم أوفق في الحصول على وظيفة جيدة في السودان، وبعد أن صعد أحد مسؤولي الصالة عند الواحدة صباحاً لخطف المايكروفون من “ندى القلعة” الفنانة التي أحيتْ الفقرة الأخيرة معلناً انتهاء الحفل وفقاً لقوانين ولاية الخرطوم الموروثة من حقبة حظر التجول، استعد صديقي مانديلا للمغادرة ليجد نفسه ثملاً تماماً، ومع وجود زوجته وابنيه عرضتُ عليه أن أقود سيارته حتى أم درمان في مقابل أن يوفر لي سريراً للمبيت. كان العرض موفقاً بالنسبة إلى كلينا رغم كرهي الصادق لأم درمان، فقد أتيح لي أمر لطالما أحببته، القيادة في شارع النيل ليلاً بعيداً عن الزحام المروري. متجاهلين أنني لا أمتلك رخصة قيادة.

كما توقعتْ. مررنا بحاجز أمني قبل العبور إلى جسر النيل الأبيض الواصل بين الخرطوم وأم درمان. كانت لديّ دائماً 20 جنيهاً جاهزة في كل مرة أقود فيها سيارة في الخرطوم لعدم امتلاكي لرخصة. لكن الشرطي الذي أوقفني كان في ثياب زرقاء لا بيضاء. مما يعني أنه ليس من شرطة المرور، وبعد رؤيتنا للحيته الطويلة تأكدتُ أنه لن يكون ممن يتقبلون الرشاوى خصوصاً إذا كانت مبلغاً تافهاً كهذا. سألني بصرامة: السلام عليكم، الرخصة يا أخ!

كان لفريق أوتوستراد الأردني أغنية أعزها جداً يقول مطلعها “قالي الرخص قلت لو معيش” كان دائماً ما يشغلها صديقي ووكمان ونحن نتسكع في كورنيش المعادي بسيارة يقودها برخص منتهية. للمرة الأولى أتذكر الأغنية وأنا من يقود. اعترفتُ منذ أول سؤال: أنا ما عندي رخصة ولا بطاقة رقم وطني ولا حتى جواز سفر!

الشرطي: قيف على جنب!

كان المهم أنه مهما بلغ سوء الموقف مع الشرطي هو أن أتحمل المسئولية كاملة، فقيادة السيارة بلا رخصة في الخرطوم أمر أقل وطأة من اكتشاف الشرطي لاصطحابي لرجل مخمور، وقبل أن أضغط على دواسة البنزين أحدثتْ زوجة مانديلا حركة لافتة من المقعد الخلفي وهي تقوم بتعديل حجابها، وهنا كانت ابتسامة القدر:

الشرطي: أنا آسف جداً. نحنا ما بنوقف عربيات فيها نسوان. أنا آسف يا أستاذة ما شفتك.

أنا: يعني أعمل شنو؟

الشرطي: اتفضل أمشي!

بعد لحظة صمت عمّها عدم التصديق ونحن نعبر الجسر إلى أم درمان. أجبتُ على دكتورة رحاب التي عبرتْ عن سعادتها بإنقاذنا من الموقف بقولي: اوعى أسمعك تاني بتقولي لي Feminism!

المادة 78: شرب الخمر والإزعاج

عادتْ بي الذاكرة فوراً إلى أيام جدة عندما كان لا يحلو لأبي أن يتورط في شرب الكحول إلا برفقة والدتي له في السيارة عند العودة إلى البيت. مسألة عدم إيقاف النساء في الحواجز الأمنية كانت من المحامد النادرة في المجتمعات الذكورية. في حالة مأمون التلب صار الأمر أفضل بكثير. ليس فقط لأن زوجته نانسي عجاج هي من تقود السيارة دائماً، بل لأنها أيضاً مغنية مشهورة في السودان. قصصتُ على مأمون ونانسي قصة تهريبي لزجاجة الويسكي من المطار وأضفتُ بذلك سرداً جديداً لتاريخنا المخزي المشترك من قصص السُكر، فمأمون من أكثر الرجال خوفاً من شرطة النظام العام رغم كونه أكثر من خرق المادة (78) من القانون الجنائي “شرب الخمر والإزعاج”. لذا ظلت القاهرة ونيروبي ملاذيه الآمنين، لدرجة أنه كان من المرجح دوماً أن تجده في البار مع زوجته الأميركية السابقة عند منتصف الظهيرة، وعندما جاء والدها من أميركا لحضور حفل زفافهما في القاهرة صادر مأمون حقيبته السياحية التي كان يتدلى من داخلها خرطوم بلاستيكي متصل بحاوية تحتفظ بدرجة حرارة الماء. اتصل بي عشية أنه صادرها وهو بصحبة صديقنا الشاعر هرمس وطلبا مني التوقف في طريق عودتي من الجامعة في 6 أكتوبر عند ساقية الصاوي بالزمالك. كنتُ مصدوماً من كون مأمون وهرمس قد وافقا على المشاركة في أمسية شعرية في مكان “مُتزمت” كهذا، وعندما انضممتُ إليهما تبددتْ مفاجأتي ما إن مد لي مأمون خرطوم الحقيبة. شربتُ شفطة صدمتْ رأسي بجرعة قوية من الفودكا. هنا ضحكا، وعرفتُ أنهما يخططان للنيل من هيبة عبدالمنعم الصاوي، وبهذا انضممتُ أنا أيضاً للقراءات، وتلوتُ الشعر ثملاً في الساقية.

كان مظهر مأمون المهذب في سيارة نانسي بلا جدائل راستا. مرتدياً قميصاً مكوياً وحذاءً بجوارب غريباً عليّ حقاً، ويليق فعلاً بزوج فنانة شهيرة. المثير للريبة أن مأمون لم يفقد حس فكاهته مع زوجته الجديدة بل بدا أكثر “روقاناً”. كانت صورتنا ونحن نركض معاً بعد منتصف الليل في حيه السكني الخرطومي الذي أسماه “الواقعية السحرية” هرباً من رجال شرطة السواري (الخيالة) ماثلاً وأنا معه في السيارة. تذكرتُ كيف تسللنا كمقاتلين في حرب شوارع من زقاق إلى آخر حتى نصل لـ”ست العرقي” النائمة داخل كوخها المهلهل عند أطراف مقابر المسيحيين لنأخذ منها زجاجة عرق بالدّين. إرثٌ ثقيل من الصعلكة كان قد اجتاحني مع نشوة الرجوع للخرطوم، وبعد سماعه لقصة المطار التفتَ مأمون فجأة بعد أن هدأ من نوبة الضحك وسأل: بالمناسبة، وين قزازة الريد ليبول؟! فأخرجتها من حقيبة ظهري التي لم يكن فيها أيّ خراطيم قائلاً “إنت ما بتتزوج كل يوم. دي هديتي!”. ضحكنا مجدداً ونانسي تجري بنا في شوارع الخرطوم “المدينة”، ولم يتردد مأمون للحظة وقرر أن يخرج جوني “المشاء” ليشاركنا الجولة وأصداء بهجتنا تتردد في سكون مدينتنا الفاضلة الغارقة في الكآبة.

ملاحظة ختامية: عند فراغي من كتابة هذا المقال اتصل بي والدي من جدة. لا لشيء إلا لأنه نسي أن يخبرني أنه ترك زجاجة الشيفاز في دولاب غرفتي بالقاهرة، لأنه مع غيابي في الخرطوم لم تكن تتوفر له صحبة السكر التي تلائم جودة ذلك النوع من الويسكي. إنني حقاً لا أبالغ حين أقول إن أبي هو أعز أصدقائي.


كاتب من السودان