يوميات المعتقل من خارج السجن

"نوفا" التي تعيش على أمل أن زوجها مازال حيا

الجديد  خالد سميسم [نُشر في 01/09/2015، العدد: 8، ص(102)]

خلال مذبحة حي كرم الزيتون في حمص وبعد أن غادروا بقي صوت العويل والبكاء وآهات الأشخاص الذين طعنوا ولم يفارقوا الحياة، فتحت ابنتي الباب لتجد رأس إنسان مفصول عن الجسد ففقدت عقلها”.

هي كلمات نوفا الحمصية التي تسكن في أحد مخيمات برلياس في لبنان مع أربعة أطفال ثلاث بنات وصبي، حين تحكي تلك المرأة تسكن دمعة في عينها يمكن لمحدثها أن يراها دائما دمعة تتجمع فيها كل مآسي نساء سوريا.

أخبرتنا نوفا أنه وبعد انتهاء المجزرة راح من أهلها العشرات، فقرر زوجها الانتقال مع العائلة إلى لبنان، وباعتباره لم يؤذ نملة في حياته كما قالت قرر الدخول إلى لبنان ليعالج ابنته من “الهلوسات” التي أصابتها حين رأت رأس الرجل المقطوع على باب الدار.

تقول نوفا “حين وصلنا إلى حاجز قبل الحدود بقليل طلب العسكري بطاقاتنا وقبل ذلك قال العسكري ذاته: أنتم من حمص؟ أجبنا بنعم، فأمر زوجي فورا بالنزول من السيارة، لم يستطع التحدث إلا بعبارة واحدة حين قال لي: انتبهي على البنات، وهذا الكلام منذ ثلاث سنوات، مازالت عبارته تذبح قلبي، انتبهي على البنات”.

وصلت نوفا مع الأطفال إلى لبنان وبحثت عن أقاربها وأبناء حي الزيتون في حمص من المهجرين قبلها لتجدهم بعد أيام في مخيم ببرلياس، وهنا كما شرحت لنا تبرع لها شخص سوري بثمن براكية (خيمة من خشب و شوادر)، وبعض الناس أعطوها الأثاث (فراش وعدة مطبخ) لتبدأ عدّ الأيام ورحلة الانتظار، انتظار زوجها حين تحسب أيام غيابه وساعاتها ودقائقها.

وعن أخبار زوجها اليوم وما حل به في المعتقل تقول نوفا: آخر خبر سمعته عنه منذ نحو ثلاثة أعوام حين التقيت مع شاب حمصي كان معتقلا عند الأمن العسكري وأخبرني أنه رأى زوجها وتعرف عليه، هذا الشاب لم يقل تفاصيل أكثر فقط قال زوجك مازال حيّا.

في سوريا حقيقة لم تعد تعني ظروف الاعتقال لأي أحد شيء ولا الطعام ولا الشراب وأول سؤال عن المعتقل يكون هل مازال حيا أم ميتا!، وإذا كان الجواب أنه حي فيكتفي الأهل ويعدّون الأمر مفرحا ومطمئنا.

تتابع نوفا: الشاب الذي التقى بزوجي عمره ما يقارب العشرين عاما ومتزوج وعنده بنت واحدة وهو اليوم يسكن في خيمة بأحد مخيمات بلدة غزة الواقعة في البقاع الغربي.

تشرح نوفا “هذا الشاب خرج من المعتقل مشلولا وحسب ما أخبرني أنهم كسروا ظهره، وقبل ذلك أخبروه أننا سنطلق سراحك ولكن بعد أن نسبب لك الشلل”.

زوجات المعتقلين السوريين في سجون النظام وخصوصا بعد مغادرتهن سوريا تعرضن لأقسى ظروف في الحياة منها تأمين المسكن واللباس والطعام للأطفال ما عرضهن -والكلام لنوفا- لأنواع مختلفة من التحرش والاستغلال.

تقول شارحة “المرأة يلي قد حالها ما حدا بيطلعلو معها ولكن إذا أظهرت ضعفها الكل بدو يستغل حاجتها، وخليها في القلب تجرح، ومع ذلك كل المخيم بيعرفني مين أنا وكيف أتعامل مع من تسول له نفسه توجيه أيّ كلام غير لائق لي وخصوصا حين يعرف أن زوجي معتقل”.

نوفا كزوجة معتقل تبكي على حظها العاثر وتبكي على طريقتها في مواجهة ظروف قاسية تعلق عليها “لم أتخيل أن أواجه مثل هذه الظروف في حياتي”.

حين تنوي نوفا عمل شيء أو جلب شيء لأطفالها تربط ابنتها التي فقدت عقلها بعامود الخيمة خوفا عليها من التسرب خارج الخيمة والضياع.

وقد بررت الأمر لعدم وجود أيّ شخص يساعدها على الاعتناء بابنتها، بعض المستوصفات اللبنانية أعطتها دواء مهدئا، ولم يتغير في المرض شيء.

نوفا مازالت تنتظر زوجها مثلها كمثل آلاف النساء السوريات اللواتي سجن النظام أزواجهن، وهنا المعاناة مرتان واحدة في الاعتقال وأخرى بالجهة المقابلة أي المرأة الأم التي ستتابع الطريق بلا زوج أو أب أو أخ.

تختم المرأة حديثها: نعم زوجي معتقل وأنا معتقلة أيضا بطريقة أخرى، معتقلة بالعادات ومعتقلة بالتقاليد ومعتقلة بكلام الناس ومعتقلة بكل شيء، وحقا لولا أملي بخروج زوجي حيا لكنت اخترت الموت وبأيّ طريقة.


كاتب من سوريا مقيم في واشنطن