الرُّؤْيـَا

إلى روح أخي مصطفى الذي شاركني هذا الحلم قبل الرحيل

الجديد  إبراهيم الحجري [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(14)]

تفصيل من تخطيط لفادي يازجي
كنا، معا، نسير بخطى وئيدة، أنا ومصطفى، في مسلك ترابي ضيق يشق الحقول الخضراء مثل ثعبان قديم، وكان الجو صحوا والنهار نضارا.

لست أذكر ما الذي دَعَانَا إلى التجول بهضبة “كدية البندير” في هذا الربيع المبكر. غير أنني أتذكر طعم رائحة الزهور وهي توزع الهدايا على المارة بالمجان. وأتذكر نسمة طبخ خبز الشعير التي كانت تتسلل إلى أنفينا. وأذكر تناغم أصوات الطيور مع صراخ الصغار الفرحين بعرس الطبيعة؛ وكذا صفير الرعاة وأصوات الحيوانات وهي تشق الآفاق. كنا، في هذا المهرجان الطبيعي، نعبر تاريخا من الأحاسيس المتداخلة، منذ الطفولة الأولى، حيث ترتع العين، من حين إلى حين آخر، بزاوية من ذكرى قديمة تَهُبّ على المخيلة مثل ريح الصّبا فتحْيي شريطا شيقا من التجارب؛ حلقة متسلسلة من الصور والمشاهد المبعثرة عبر تفاصيل المفكرة: هنا كنا نلعب “هيري”… هنا كنا نرعى الغنم… هنا كنا نشوي الكبال… هنا كنا نتسلق شجر التين ونسرق الفاكهة؛ بعد أن نشغل الكلب العساس: هنا كنا نكمن لبنات “السكويلة”؛ وهن يعدن في المساء لنشْتَمّ رائحة العطر.. هنا كنا ندخن مع الطويهر والهوس، أولى لفافات الكيف! وهنا، أيضا، ذقنا طعم الخطيئة المبجلة: أولى كؤوس الشود سولاي… من هنا تبدأ الحكاية…

إلى هذه الحدود؛ كان الأمر عاديا. وكان هدوء النهار الربيعي الرائع المجلل بتفاصيل الذكرى تحرك في الحواس شعورا غريبا… غير أن الذي جرى، بعد ذلك، كان كابوسا حقيقيا، عاصفة هوجاء، كان جحيما من الهلع والانمحاء.

قال مصطفى وهو يشير إلى جهة الجنوب الشرقي:

- انظر، هناك تتشكل غيوم سوداء بشكل سريع، هل تتوقع أن تكون ممطرة؟

- لا أعتقد! استمعنا البارحة للنشرة الجوية، تكهنت بأن الطقس سيكون معتدلاً، وستكون السماء صافية تدعو عُشّاق الطبيعة إلى التنزه والتنعم بجمال فصل الربيع! أنسيت؟ قلتُ.

- لمْ أنـْسَ. ولكنك تعرفُ أنه ليس من الغريب أن تمطر سماء الربيع، أظن أننا في منزلة (بطن الحوت، الماء أو الموت)، ألا تذكر؟

- بلى، أذكر، لكن أعماقي تترنح وتخبرني بأحاسيس غامضة. لأول مرة؛ أحس رعبا حقيقيا: اُنظر إلى تفجر الغيم الفاحم من الجنوب وصعوده السريع نحو الآفاق العليا، أنظر كيف يدور حول نفسه قبل أن يشتبك من جديد مع نفسه. وانظر الأهواء غير العادية التي بدأت تطوق أنفاسنا:

– اسمح لي لم أعهد مطرا بهذا الشكل مُنْذُ مجيئي إلى هذا العالم!

- أجدك جادّا في خوفك! لم أعهدْكَ ضعيفا إلى هذا الحَدّ! أَنْتَ تَرْتَعِشُ، هل أَلَـمَّتْ بك نوبة حمّى! تعال، لنسترح قليلا ونتحدث.

شَدَّنِي مصطفى، من يدي؛ ظانا أنني، فعلا، مَحْمُومٌ. وحاول أن يساعدني كي أقتعد حجرا مسطحا ريثما أتماسك وتزول الحُمّى، غير أنه ما إن تحسّس نبضي وعالجه بجسه الحدسي اليقظ حتى تملكه، هو الآخر، إحساس رهيب. وأصابته، مثلي، عدوى الرُّعاش. وقد تأكدتْ لَهُ هذه الأحاسيس؛ حينما قلبَ ناظريه في صفحات الكون، يتهجى سر هذا القلق الذي ساوره ثم قال لي في يقين:

- انظر إلى السماء! ما الذي دَهَاهَا، لقدِ انْقَسَمتْ إلى قِسمين، نِصفٌ أسودُ حَالِكٌ، ونصف آخر مضيء، تنيره شمس كاملة، ما رأينا، قط في حياتنا، لحظة يتعايش فيها الليل والنهار؛ ويتوازيان!

- ألمْ أقـُـلْ لـَكَ إن هناك أمراً عظيماً وسيِّئا يَحْدُثُ في هذا الكون؟

كان وجه السماء شاحبا حزينا مثل من وصلته للتو أخبار سيئة. وكان النصف الآخر من الكون مظلما لا يشق عتمته سوى نور ضئيل يصدر عن أنجم حيرى. هدوء قاتل ورهيب يسود الأمكنة ويشد بناصية العالم. تنهيدات وزفرات تصدر عن حناجر جافة بفعل الرعب. تابعنا المسير بعينين مطفأتين تحت سماء تتصرف، الآن، بشكل غير معتاد. حاولنا أن نسرع كي نصل، فتَنَبَّهنَا أنْ لا فائدة، من ذلك، ما دامت وتيرة الرُّعبِ سَتَظَلُّ تتصاعد. ومع أن بيتنا لم يكن بعيدا، فقد كنا نحس أن شيئا ما يشدنا إلى الخلف؛ فتتسع المسافة وتصير أكبر مما عهدنا… فكرنا أن نسير مهما يكن من أمر. قال مصطفى:

- لن نهرب من القدر، وعلى كل حال فأن نكون في العراء أضمن للسلامة من أن نكون تحت السقوف.

قلت، وقد استبد بنا الفزع أكثر، وخيل إلينا أننا نرى البهائم تركض في كل اتجاه مثيرة النقع، وأن الناس يصرخون نساء ورجالاً، يوَلْوِلُون ويندبون، تنقل صرخاتهم ونواحهم ريح خفية صوب اللامنتهى، لا رجع للصدى ولا مجيب. هناك ما هو أهم، يُصنع في الغيب، ربما، لا تأجيل لإبَّانه. تَعْوي الكلاب وتترنح في مرابطها، وتهب، من كل الأقاصي، جلبة مفعمة بمشاعر الضيم والضعف… توقفت عقارب الساعة… “هو ذا الفناء بعينه” وقال مصطفى بصوت شبه باك:

- أنظر، الناس سكارى وما هم بسُكارى، حيارى يشربون أقداح المرارة والندم، يتمنى كل واحد منهم لو يتخلص من كل ما علق به من أدران الرذائل.

- أنت أحمق وهل، إذا حلّت الساعة وأزفت الآزفة، سوف ينفعهم الندم؟ لا أنا ولا أنت، ولا أحد واثق من أن سيرته توصله إلى برِّ النجاة. الكل مرتاب. ولا آمن إلا من أمنت نفسه واطمأنت إلى سرائرها العميقة، أنت تفقد عقلك رُبّما!

فجأة؛ اهـْـتـَـزَّت الأرض وارْتـَجـَّت من تحتنا، وقـَعـْـقـَـعَتْ رعدة صاعقة تَفَتَّتَتْ معها دواخلنا وانشطر الكون فحسبنا أنه صار رمادا أحمرَ، إذ تفتحت وردة السماء وجفلت الأنفاس حتى كادت تنفلت. وخيّل إلينا أننا تحولنا إلى العالم الآخر. استحال النهار ليلا، وانطفأت الشمس فإذا هي لوح دائري أبيض مثل الرخام في ليل تهاوت كواكبه، وحينما تطلعنا إلى السماء؛ اصطدمنا بمنظر شلّ ما تبقى من قوانا؛ فانبطحنا أرضا؛ نحاول تحاشي مشهد انتحار النجوم بشكل جماعي. تتوهج النجمة. تشتعل. تكبر. تنطلق مسرعة في الفضاء. تنهار. تتضاءل. تصير رمادا. تتفتت تاركة فراغا مهولا ونقطة سوداء. تمزقت أنفاسنا. وكنا نسمع أصواتا تئن: الله أكبر، لا إله إلا الله، احنا في عارك آرسول الله، اللهم صلِّ عليك يا رسول الله… تتلاشى هذه الأصوات في كون شاسع تتـَـصدَّع، تتفتت مثلما يحدث، تماما، للنجوم، لكننا، كنا ما نزال أحياءً. نتنفس ونرى ونحس أيضا. ومازلنا قادرين على الحركة. جربنا أن ننهض؛ لكن الهلع تمكن منا فَشَلَّ قوانا. تحرَّكنا نمشي على أربع كما يفعل الأطفال. نحبو متجهين نحو المنزل غير البعيد. كنا نلمح الأم العجوز؛ وهي تتمزق من الخوف. كانت تذرع مراح الدار الواطئة؛ جيئة وذهابا؛ وتصرخ مولولة بكلام لم نتبين كنهَهُ. الدواب تركض في كل اتجاه؛ وكأن الأرض لا تسعها، وأسراب من الطيور الغريبة تتراقص ببياضها، في المدى البعيد، وتقوم بشطحات دائرية بطيئة، وحدها تجلل العتمة.

الواقع أننا كنا نتخيل الذي يحدث فقط ولم نكن قادرين إلا على رؤية أنفاسنا وهي تتمزق… ومع ذلك؛ كنا نحبو صوب الدار المتواضعة نحمل ما تبقى منا. سبقتنا “أسماء” الأخت الكبرى تشكونا رعبها:

- أخي، أنظر إلى الهاتف! كل الهواتف معطلة، ما الذي ينتظرنا، هل تفهم شيئا؟

تبكي. تخبط جنبيها. تدخل. تخرج. تنظر إلى السماء، إلى الأرض، إلى نفسها. العين بصيرة واليد قصيرة. نتكئ معا على الجدار، الجدار يتحرك، هو الآخر يحس بالذي يجري ويضطرب مثلنا. في شاشة هاتفي النقال رسالة قصيرة: “service indisponible” وقيل إن شاشات أجهزة التلفاز معطلة ومسعورة. النجوم تتلاشى تحلّق بعيدا، تسبقنا إلى العالم لتختفي بحتفها في هدوء؛ بعيدا عن هذا العالم السفليّ. كل واحد؛ رحل، في ذاته، يحاسب سيرتها ويعذبها بالندم، كل كائن، الآن، نادم بالفطرة، كل كائن يعيش على إيقاع تناغم أحاسيس الخوف والرجاء والترقب، لحظة تمتزج فيها كل المشاعر وتتصارع. لحظة تختزل الحيوات السالفة برمتها.

تصاعدت وتيرة الرعب. ووصلت الأنفاس إلى الحناجر واحتبست الأصوات واحتقنت الوجوه… لكن ما كان لها أن تبدّل في الأمر شيئا. كان عليها أن تنتظر حلول أمر يُـسْكِتها إلى الأبد. وخيّل إلينا، في لحظة، أن الناس يتبادلون التعازي. ومرة مرة، يرفعون رؤوسهم إلى السماء ليراقبوا اجتلاب الكواكب والأنجم.

كنت ملتصقا بالتراب والجدار؛ محدقا في الذي يجري بعقل مكسوف ومشاعر باردة، لم يعد، هناك، شيء ذا أهمية. ساعتها سرى هدوء حذر في الكون؛ فبدأت الطمأنينة تعود إلى القلوب، وكأنني بدأت أسمع همسا خافتا:

- مجرد عاصفة كسوف! إنها عاصفة عابرة!

وخرجت الأم الملهوفة، وقد فتر خوفها قليلا؛ وإن كانت ما تزال ترتعد، لتتأكد من عدم وقوع الفناء. قالت:

- ماغاديش نفناو آوليدي؟

اكتشفتُ كم أنَّ الإنسان ضعيف في هذا الكون، وتافه إلى أبعد حدٍّ. ارتدت الأنفاس إلى الأجساد المنهارة، وبدأت تلملم انكساراتها، وتضمّد الجراح وتحلم بغد جميل ومشرق، غير أنه ما إن كادت الصدور تطمئن والقلوب تهدأ؛ حتى باغتتها العاصفة من جديد. فبينما كان الناس ينتظرون بفائق العطش بزوغ نور الشمس من مكانها المعتاد، إذا بها تشق طريقا مغاير، وتطلع من حيث غربت. ظُنَّ، في البداية، أن الأشعة الصادرة، من هناك، هي مجرد شفق الغروب، خاصة وأنّ الشمس انطفأت وهي في منتصف الطريق. لكن الدم كان يبرد في شراييننا، ونحن نراقب قرصها يخرج من مرقده في الغرب ويتسلق السماء؛ بحثا عن سبيل جديد لعبوره. كانت الدهشة صاعقة وصادمة.

وجدتُني أنتحب، لمّا أيقظني صوت المؤذن؛ وهو ينادي للصلاة الأولى. جسدي بارد بعرق قديم؛ أنفاسي متهدجة؛ ورأسي منتفخ ثقيل مثل كيس ذرة… أسمع وقع خطى مكدودة بالنعاس تعبر الشارع المجاور لنافذتي؛ قاصدة المسجد القريب.


كاتب من المغرب