مناوشاتُ الربعِ الأخير

الجديد  جمعة بوكليب [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(42)]

لوحة: موفق قات
برررررد

ضوء الصباح، رغم طراوته، خال من رائحة الدفء.

السيارة التي تقودك إلى ” كوفن جاردن ” تشق، بحياد بارد، هدوء نهر طريق، بارد.

شارع “ديوك أوف ولنجتون بليس″ محاط بشجر منتصب، على الجانبين، عارٍ، في انتظار حلول دفء فصل ربيع آخر.

طريق “البال مول”، الذي يقود إلى قصر باكنغهام الملكي، بارد، وساكن. التماثيل البرونزية، الموزعة في أنحائه، تبدو، من شدة البرد، في حالة كمون.

قصر باكنغهام مازال، على عهده، رغم صلافة البرد، غارقاً في دفئه الملكي، والنافورة التي ترابط في مقدمته، رغم جدة بياضها، على غير عهدها، مهجورة، ومدثرة بسكون بارد.

مبنى القيادة البحرية، سابقاً، على شكل قلعة عالية، ونوافذ مكاتبه، وحجراته مغلقة، غارقة في ظلام بارد، وفي حاجة ملحة إلى دفء يزيل عن كاهلها ثقل العتمة الباردة.

بوابتها الحديدة العالية، مطلية بلون أسود بارد، تقف، كشاهد بارد، على عظمة دفء عصر مضى.

الأسُودُ المنتصبة، في حراسة ميدان الطرف الأغر، مقعية، لا مبالية، على برد منصاتها الرخامية العتيقة، بعيون برونزية، باردة، تحدق في فراغ بارد،، متجاهلة حركة مرور السيارات التي تذرع، من حولها، طرقات باردة، في حين اشتاقت ساحة النافورة المشهورة، في ساعات مبكرة من صباح بارد، إلى دفء تطفل السائحين.

نهار آخر، بارد، يفتح فاه استعداداً لابتلاع ما تترك الساعات التالية من حسرات، وضحكات، وأمنيات، وأحزان، تتطاير، كمناديل ورقية مستهلكة، في الهواء البارد، بعد أن غادرت دفءَ صدورِ وقلوب وأفئدة أصحابها.

لندن 7 /2 /2014

صباح

لم يكن صحواً، كما توقعته، ولا رمادياً، كما خشيته.

لم يكن ممطراً، كما تخيّلته، أو على الأقل، دافئاً، كما أملته.

دُكنةُ غُيومه لم تكن، في الحقيقة، حجاباً يحول دون تسرب خيوط باهتة من ضوء بعيد، كقطة مدللة، تتسلل، بكسل، من خلال زجاج نافذة حجرتي، وتنتشر على ما حولي من أشياء، ومقتنيات، بملامح غير دافئة الوقع على القلب، ثم، أخيراً، يعنّ لها أن تستلقي، بجواري، على السرير، طلباً للدفء، وللأنس، كما تعودت أن تفعل طيلة الأيام الماضية!

لندن الثلاثاء 23 /12 /2014

مضض

أستقيظُ، صباحاً، من نومي على مضض، وأغادرُ دفءَ فراشي، شبه نائم، على مضض.

مستشعراً لسعة برد صباح شتائي، أضغط على زر التدفئة بتثاقل، وأضع على كاهل بدني “روبي” الشتائي، وببطء، أنزل درجات السلم الخشبي إلى الطابق الأرضي.

على مضض، أتجه نحو المطبخ، أدير زر الكهرباء لأطرد ما تبقى من عتمة ليل آخر. أبدأ، على مضض، في إعداد كوب شاي. أحمل الكوب الساخن بيد باردة، وأتجه نحو حجرة الجلوس.

أضع، بمضض، الكوب على المنضدة الخشبية، واضغط على زر الكهرباء فتضيء من حولي الأشياء. بمضض، أرشف رشفة صغيرة من سخونة الشاي، وأبحث عن علبة سجائري، ألتقط واحدة أضعها بين شفتيّ بمضض، وأحمل بيدي الولاعة ثمّ، بمضض، أتجه نحو باب الحديقة، أفتحه، بمضض، فتلسعني ريح برد قارس، وأحسُّ بمسامات بدني تنكمش مقرورة، لكني أقفل باب الحديقة، خلفي، بسرعة، وأحاول تفادي الريح كي أتمكن من إشعال سيجارتي الأولى. أمجّها بعمق ومتعة، وأرصد تفتح خلاياي لسريان جرعة النيكوتين الأولى.

بمضض، أقف أمام المرآة في حجرة الحمّام، وبألم يومي، تعودته وتعودني، أرصد آخر ما ينحته الزمن، من أخاديد وتجاعيد على صفحة وجهي.

بمضض، أغمر منابت شعر وجهي بالصابون، وأبدأ حلاقته.

وبمضض، أدعك ما تبقّى من أسنان في فمي بفرشاة أسنان.

بمضض أقف تحت سخونة ماء “الدش” في محاولة لبعث شيء من الحيوية في بدن فقد حيويته منذ وقت، وتآلف، مثلي، على مر الزمن، مع المضض.

بمضض، أقف أمام مرآة خزانة ملابسي، في حجرة النوم، وبمضض، أرتدي، على مهل، ملابسي.

أفتح باب البيت، فيقابلني صباح متجهم الملامح، أبادله التجهم، وأترك لقدميّ مهمة جرّ تعب جسدي، بمضض، إلى محطة القطار.

أقف، وحيداً، أدخن بمضض، خارج بوابة المحطة، منتظراً وصول قطار، ينقلني، بمضض، إلى جهتي المقصودة.

بمضض، أرصد، بعينين كهلتين، متعبتين، وضجرتين، غيوماً كالحة، عالقة بين السماء والأرض.

في القطار المزدحم، أحشر نفسي بين أجساد غيري من المسافرين، في زاوية قريبة من الباب، وأنشغل، بمضض، بقراءة عناوين أخبار، باعثة على المضض، في صحيفة لندنية محلية توزع بالمجان.

بوصول قطاري إلى جهتي المقصودة. أغادره، مع غيري، دون مضض، وعلى عجل.

أهرع مغادراً، بلا أسف، زحام محطة القطارات، وأسير في طريق حفظته قدماي، ككل صباح، وحيداً، متأهبا، لخوض غمار معمعة نهار لندني آخر، وحريصاً، ما أمكن، على تفادي، ما قد يضعه، أمامي -بخبث ولؤم- من فخاخ المضض.

الجمعة 30 /1/ 2015 – لندن

خوف

كطريدة، تُلاحقها كلابُ الوقتِ، أختبئُ، مقروراً، في حنيةٍ، قصيّةٍ، من سنيّ عمري، مرهقاً من تعب، راصداً بعينيّ قلبي، عبر شرخٍ في جدار خوفي، والوقت، ما قد ينصبه عتمُ الليلِ، والغيبُ، من مكائدَ، وفخاخ في وحشة ما تبقّى من دربي.

لندن الخميس 26 /2 /2015

قناعة متأخرة.. قليلاً

الآن،

صرتَ أكثرَ واقعية، من حِكمة أمّكَ، وبدأتْ تتفهمُ، بقليل من الخبث، وبشيء من الأمل، مكرَ الطبيعةِ، وتعلمتَ، بدأبِ نملٍ، وصبرِ ذئبٍ جائعٍ، كيف تتعايش، جنباً لجنب، مع ما يحدث من كوابيس، وأضحيت تدركُ، بمرارةٍ، أن الوطنَ، كما أثبتت الأيامُ، والأحداثُ، والتجاربُ، ممكنَ التحققِ شعرياً ومستحيل واقعياً.

لندن الخميس 2 /4 /2015

لا تلعب بالنار

منذ نعومةِ أظافركَ، حذّركَ والداكَ، وأهلُكَ الأقربون، والجيرانُ، من خطر اللعب بالنار، في كل الأوقات، حتى تلبّسك الخوفُ من النار، طوال سنيّ طفولتك وصباك، وصرتَ، كلما رأيتَ ناراً، تذكرت ذلك التحذير، ونأيت بنفسك، غريزياً، عنها.

حين طالتْ قامتُكَ قليلاً، واشتدَ نُحولُ عُودكَ، واسودّ لونُ الزغب فوق شفتيك، وبدأ العالمُ يفتح أبواب أسراره، واحداً تلو الآخر، أمامك، أنساكَ حماسُ الفضولِ للمعرفة، وشهوةُ السباحةِ في بحر الحياة تلك النصيحة، القديمة!

بدأتَ تتعلمُ، تدريجياً، أن حروقَ لهبِ النار الموقدة، في أحيانٍ كثيرة، أقلُ ألماً وضرراً من حروق نيران أخرى، لم يحذّرك منها والداك، بألسنةِ لهبِ لا تُرى. أحياناً، تأتيك من مصادر “صديقة”، وتطال أضرارُها الحارقةُ الروحَ، والوجدان.

عقب تراكم الأيام، والشهور، والأعوام، على كاهلك، حتى انحنى، تعباً، ظهرُكَ، وتعمّقت مياهُ نهر ألمك، وتكدّر صفوُ ما بقي من صحو في سماء أيامك، لم تنس نصيحة والديك، القديمة، الثمينة، فقط، بل (يا لغرابة أطوارك!) صرتَ، كلما أغوتكَ الكتابة، تدمنُ إضرام الحرائق!

لندن الأربعاء 4 مارس 2015

"خالي قضية"

يروقُ أغصان طفولتك، في غفلةٍ من ازدحامكَ بمشاغلكَ اليومية التي لا تنتهي، أن تستفزّكَ، من حين إلى آخر، بنزقها: تحل ضفائر شعرها، لأول ريح يراودها، وتنطلق في مسارب قلبك راكضة، ضاحكة، غير مبالية بما قد تثيره في روحك من غصص، وغير آبهة بما تحركه في سريرتك من آلام، ومرارات، وحسرات أيضاً.

يحدث ذلك وأنتَ منهمكٌ، كعادتك، في نهش المسافات بين شوارع، وأرصفة مدن، غريبة، وحيداً إلا من قلقكَ، وخوفكَ، وما تبقى من رواسب في خوابئ ذاكرتك من زيت الذكريات، فتهاجمك، على غير رغبة منك، صورُ صبي نحيل، تتناهبهُ أمواجُ الحيرةِ، وتتقاسمه المخاوفُ، والفقرُ، والبؤسُ، وتحرقه نيرانُ الأسئلة.

إلا أن تلاحقَ وتعاقبَ الأيام والليالي، وتراكمَ مخزونك من التجارب، والانكسارات، والإحباطات المؤلمة خشّن من طراوة جلدك، وسيّج منافذ روحك، فصرتَ قادراً، بمرور الزمن، على تجاهل أمواج تلك التداعيات في قلبك، ومواصلة سيركَ الحثيث، وحيداً، في طريقكَ، الذي لا تعرفُ، حتى أنتَ، أين يقودُ، ومتى ينتهي، وكأنكَ “خالي قضية”.

لندن 1 أبريل 2015


قاص من ليبيا مقيم في لندن