أعود إليَّ

الجديد  صالح باعامر [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(111)]

تفصيل من تخطيط: خالد الرحال
الألوان تستحيل إلى هالات بنفسجية، ابتسامتها تسبق خطواتها، نفحت طيباً، انسربت رائحتها فيّ

تماهت أمامي:

- يقيناً أنت من ينادونك بالأستاذ.

أشرت لها بالجلوس.. مررت ناظري في عينيها الحالمتين.. غمرني توقٌ دغدغ مخيلتي.. شفتاها تومضان فلا وياسمين، وجه صبيح، روح شفيفة.. نظرتُ فأدركت السؤال:

أنا العنقاء طالبة الانضمام إلى مدرستكم.. أطمح أن أغدو كاتبة، هاجسي أن أكتب بحب، الذي كتبته لم يرق لي بعد. هل تقبلني تلميذة ؟ لقد نشرت لي مجلة الشباب بعضاً من كتاباتي.. يعني غير راضية عما كتبت بعد.. هل تقبلني أستاذ..

كلمة يعني نطقتها بحلاوة وطراوة.. العنقاء، العنقاء اسم قرأته يوماً.. أين ؟ أين. لا أدري: اقرأي كثيراً ثم اكتبي.. القراءة هي الوصفة الناجعة.. وأقبلك، إن قبلتني شاعراً في بلاطك.

* * * * *

صالة الاستقبال تضيق بالوفود.. كانت تتحرك كالنحلة.. تجاهلتها لكنها اكتشفت وجودي:

- أستاذي هنا؟

تطلعت ملياً فيها، تظاهرتُ بأنني أحاول تذكر اسمها.

- أنسيتني أستاذ! أنا العنقاء.

نظرت فيها عميقاً: كيف أنسى وأنت من شيَّد منظومة عذابات اسْتَعذبتها بداخلي. تحققتُ من بعض تفاصيلها: قد أهيف، حين تقبل تتهادى، إن نطقت غرّدت، إن أشارت لتوصل فكرة ما خِلْتُ عصافير تطير وتحوم حولي.

* * * * *

في أوج ضجيج القاعة توجهت نحوي غير آبهة بالأعناق المشرئبة والعيون الزائغة: هذه الجميلة ألم تجد سوى هذا الكهل؟ حتى وإن اتخذته أستاذاً ففي أفضل الأمور هي ابنته:

قرأت قصتك ومنذ اليوم سأقرأك. بدأت تدركين ما يجب أن تكوني عليه.. ردد الميكروفون اسمها: والآن فلتتقدم القاصة الشابة العنقاء لتقرأ قصتها.

* * * * *

امتلأ الصدر، توردت الوجنتان، اكتملت الأرداف، العينان غدت أكثر عمقاً وإن شابها ظمأٌ ما.. أهو ظمأ القراءة ؟ اتجهتْ صوب مقعد يقابلني، فأشرت لها بالجلوس في نفس المقعد الذي أقتعده، فهو يتسع لاثنين.

- ما جديدك أستاذي؟

- أنت.

- قصة أم رواية؟

- قصيدة.. مطلعها:

مهما تباعدت أجسامنا لن أنساك

- وأنت؟

- قصة أسميتها التلميذة.

- .……..

- .……..

كانت مطرقة حين هممت سبر أغوارها.. قبل أن أطلق جملتي المحبوسة ربتَتْ على كتفي: موعد الندوة أزف.. ألن تديرها أنت أستاذي؟

قبل أن ندلف القاعة أوقفني صديقٌ قديم.. خطت هي وبالقرب من القاعة توقفت مديرةً وجهها إليّ وإلى من هم داخل القاعة. الصديق كان حائلاً دون أن ألحق بها.. سبقتني إلى القاعة، وحجزت لي مقعداً بجانبها.

* * * * *

كل منا لاذ إلى مأواه، لم نجد وسيلة للتحادث إلا عبر الهاتف الخلوي:

أخالك تمسكين القلم وكأنك تقبضين جوارحي، يا لحظ الورقة التي تمتطينها أنا ملك وأنت تخطّين قصة جديدة.. لمَ لا نغدو واحداً. إن ما أشعر به نحوك يفوق الفوارق والحدود:

- .……..

- العنقاء.. ألست معي؟

- إنك أستاذي يا أستاذي بل إنك أبي الروحي.

دار كل ما تحتي وما فوقي.. الأضواء تتداخل، تتمازج، تتشابك، لم أتماسك إلا حين نظرتُ إلى خلفي وعدت إليَّ، بعد أن تمددت ما بيني وبينها عقودٌ ثلاثة..


كاتب من اليمن