أرق

الجديد  لطيفة باقا [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(156)]

تخطيط: حسين جمعان
أرق 1

كان عاطلو ووحيدو وقريفو الحي يراقبونني بسرّية وصمت وأنا أغادر… رأيت أشباحهم الخفيفة تتحرك خلف النوافذ ووراء الأبواب المنفرجة التي كانت تتسرب من خلالها حلقات من دخان سجائرهم. مقدمات أقدامهم تطل من عتبات الأبواب… الريح المتذمرة تلوّح بالأكياس البلاستيكية السوداء… وكان الزقاق مقفرا.

في الساعة الثالثة من ظهيرة ذلك اليوم كانوا شهودا على رحيلي، تماما كما كنت شاهدة هذه السنوات كلها على أرقهم خلال ساعات أرقي الطويلة التي لا تنتهي. استدرت برأسي مبتعدة وكنت ألتقط بعيني آخر حركة ندّت عن ستارة نافذة مغلقة… ورحلت.

أرق2

على الرغم من كوني قد أصبحت تدريجيا أحسب على آرقي ما بعد الثالثة صباحا، فأنا وإلى حدود الساعة لم أنتحر بعد… كنت فقط أغادر الفراش فجرا، أنتعل حذائي ثم أخرج من المنزل محدثا إزعاجا كبيرا لسكّان البيت السفلي النائمين، خصوصا عندما تأخذ بتلابيبي نوبة السعال إياها والتي تعقب عادة إشعالي للسيجارة الأولى.

أمّا “هي” فقد كنت أعلم أنها ليست أحسن حالا مني.. كانت مثل الآخرين تراقب بصمت ناقم وجودي الثقيل فوق الأرض دون أن تتدخل في تغيير مجرى الأحداث (التي لا تحدث أصلا)، كانت دائما هناك فوق السرير المشترك نفسه الذي شهد أيامنا التي لن تعود.. ألقي نظرة على الركن حيث يتكوّم جسدها الأليف.. أكاد لا أراها.. بل أشعر بها وهي تبدد ما تبقى لها من أيام منكمشة جنب جهاز المسجلة، مصغية إلى تلك الأوبرات القديمة.. التي تبدأ رتيبة قبل أن تصبح صاخبة.. ملاحم مرعبة تنقلها إلى أجواء العالم الآخر.. ذلك العالم الذي أعلم أنها تهيئ نفسها للرحيل إليه.

الزقاق مقفر.. الليل لم ينسحب تماما بعد.. بعض الأشباح المهرولة نحو مسجد الحي… أضواء تلمع هنا وأخرى تنطفئ هناك… لا جديد من شأنه تزجية الوقت في هذا الظلام… أشعل سيجارة أخرى… سيدبّ النهار بطيئا كالمعتاد… لم ينتحر أحد خلال هذا الشهر… ولم تلد أيّ امرأة طفلا آخر لتضيفه إلى باقي أطفال الحي… ومنذ مدّة طويلة لم يتعارك الجيران… فقط، ضجيج سعادة بعض الفتيات المخطوبات لجنود مجهولين، يشكّ كلّ السكان في عودتهم من ساحة الحرب… وأطفال…. الكثير من الأطفال… ما يزيد عن الحاجة.

أرق3

سوف أتحامل على نفسي و”أجمع″ وقفتي المتهالكة الأولى لهذا اليوم الجديد في حياتي القديمة… ثم ألتقط حقيبتي لأشغال التريكو وأغادر المنزل…

أضع المفتاح الوحيد الذي لم نسع أنا و”هو” أبدا إلى الاستخراج عنه (في البداية بسبب شيء يشبه الحب، وفيما بعد بسبب الكسل وعدم الجدوى) أضعه أسفل مفرش الباب وأنا أفكر دائما في أرقي… ثمّ في أرقه… وأخيرا يسقط تفكيري المشوش كالمعتاد في شرك الموضوع القديم إياه، والذي لم أستطع أن أتخلص من التخبط فيه خلال عمر بأكمله: ماذا أفعل لكي أدفع “المشاكل” بعيدا عنّي قدر الإمكان حتى يتسنّى لي أن أعيش ما تبقى من أيام بلا ألم؟

… أكره الألم… أكره المشاعر المسهدة…. “لهذا لم أحب أحدا في حياتي”… أقول لنفسي باسمة لأول مرة خلال هذا اليوم…

أشعر بشيء ما يشبه السعادة… إنني بصدد تحقيق اكتشاف كبير يتعلق بموضوع غاية في الأهمية: بعد كل هذا العمر من الزواج أفهم أخيرا السبب الحقيقي الذي جعلني أظل بعيدة عمّا كان يشغل الفتيات الصغيرات والزوجات الغبيات فيما بعد… ويقضّ مضجعهن (لا أريد أن أفكر فيما يقضّ مضجعي أنا) هو اكتشاف متأخر نوعا ما… أفكر.. لكن، لا بأس في ذلك… أن يحدث هذا متأخرا خير من ألا يحدث أبدا… ثمّ إنني لم أصادف في حياتي رجلا يستحقّ ذلك… أقصد يستحق أن أحبه.. لكني أظل أعتقد أن الأمر كان يتعلق بالأحرى بخوف غريزي تقريبا، من كلّ أشكال الانفعالات المحتملة التي قد يسببها لنا ارتطامنا بالآخرين في هذه الحياة.. جميع الأنواع التي يمكنها أن تسرق النوم من عيني أو تجعل خبز صباحي يفقد مذاقه. “أنا إذن، هي هذه السيدة العجوز بالجلباب البنيّ والمنديل الأبيض.. التي تمرّ في هذه الأثناء بظهرها المحني ورأسها المتجه نحو الأسفل.. أنا المرأة التي لا تنام.. لا تنام أبدا”، أقول لنفسي وأنا أرمق بنصف عين فتيان الحيّ الأغرار المحتشدين يتضاحكون أسفل عمود النور.

أرق4

لقد مات..

كان يعتقد أنه يستطيع إضافة زجاجة أخرى.. لكنه مات…. ضحكت… كنت أحاول طبعا، أن أبدو أقلّ وحدة مما أنا عليه.

عندما ينصرفون ينهمر الموت حولي مرة واحدة…

مشكلتي مع غيابه كانت تجعلني أستيقظ في الرابعة ليلا.. فأصاب بالفجيعة… ثم يشرع “الهلال” في أنينه…. أعرف حينها أنني تورطت فيه وأنني لن أستطيع العودة إلى النوم. أستسلم بضعف كامل لذلك الصوت الرهيب القادم من صومعة الحي… وأظلّ أتخبط داخل ذاكرتي….

كان حيّا هنا فيما مضى… وكان يعانقني بيديه ويلقبني بهرّته الصغيرة فيما أنا أمشط شعيراته الناعمة بأظافري…

في أحد الجرائد القديمة كتب أحدهم أن أرقي ما بعد الثالثة صباحا هم زبائن الانتحار المخلصين…

ثبتوا الكثير من “أعواد الند” على جوانب مفاتيح الكهرباء… أكره تلك الرائحة… رائحة الموت. أحب فقط رائحة النبيذ عندما كانت تمتزج بأنفاسه… وكنت أهمس له:

هذه الرائحة تحولني إلى قطة متوحشة…

نظاراته وولاعته تنامان الآن في درج المطبخ… كأسه ذو الساق الطويلة تقف في مواجهتي فوق الصوان… ينبغي أن أحلّ مشكلتي مع غيابه… مع كلّ هذا الخواء الذي خلفه رحيله…

- أنا امرأة منتهية.

أنظر إلى وجهي في المرآة…

كانوا يضحكون… يتحايلون على ألمهم… يحاولون جرّي نحوهم… نحو صخبهم… لكنهم يرحلون دائما.

أتابع ضوء سياراتهم وهو يتضاءل مبتعدا…

أنين المقرئ يتضاءل أيضا… ينسحب من صمت الليل..

- كيف سأتصرّف وحدي مع كلّ هذا الموت؟

التفتّ حولي…

… لم يسمعني أحد.


كاتبة من العراق