الرقصة البنغالية

الجديد  وارد بدر السالم [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(216)]

لوحة: عبدالباسط الخاتم
ينفتح الـSHOBURNA عن ثماني راقصات صغيرات مزهوات بثيابهنّ فاقعة الألوان، جاعلات من الفضاء الصغير كرنفالاً لألوان الطبيعة البنغالية الصارخة: هذا هو المشهد المباشر والجاذب. إشعاع لوني يضيء المسرح ويكشف شيئاً من الجمهور على شكل رؤوس خلفية متقاربة منصتة إلى إيقاعات محلية يفتقدها في غربته الطويلة. لكن بؤرة التركيز اللوني انصبّت على قلب المسرح وعلى الراقصات الصغيرات المشعات بألوان ثيابهنّ البراقة.

تمكن ملاحظة جدارين من المرايا على يمين المسرح ويساره، وهما جداران مرآويان يحصران الراقصات الصغيرات في مستطيل يكفي أن يؤدين فيه رقصات الليل الطويل، وعادة ما تنعكس صورهنّ على مرايا الجدران، أو صور الجمهور المخمور بصخب الموسيقى ولوعة الفراق الطويل. موسيقى “طاغور” التي تكوّنت من قصائد هذا الهندي العظيم وموسيقى “كازي نزرول” الشاعر الذي تحولت قصائده إلى موسيقـى شعبية تصدح بها الحناجر وتخفّ على وقعها الأقدام والأجساد.

إلى يسار المسرح، بعد الجدار العاكس الثاني، ثمة راقصة تاسعة، تجلس وحدها على دكة من الموزائيك والى جانبها مبخرة يتصاعد منه دخان أبيض كروح أدركتها ليلة الخطايا وسلة ماء مطهّر للذنوب القديمة. لا تبدو تلك المرأة مغيبة أبداً، بدلالة البقعة الضوئية الساقطة عليها من أعلى السقف، كما لو ثمة قصدية بتنوير حضورها. كانت أكبرهنّ سناً وأكثرهن خبرة في تثوير الجمهور المتفاعل مع أحلامه المقموعة في أزمان اختلط فيها البُعد والوحشة الأبدية.

بائع الورد لا يغادر المكان حتى انفضاض ليل الخطايا: فتى لم يخضرّ شاربه، حاجباه غليظان، لكن عينيه الواسعتين المكحولتين تشيان بجديّته وهو يعرض أقواس الورد على ساعده المتصالب: الورد الأحمر والأبيض والبنفسجي تحديداً. كان سعيداً بسرواله “اللونجي” المختلط الألوان وقميصه المشدود على رقبته بوردة قطنية بيضاء.

الراقصة التاسعة هي “أمّ” الراقصات وروحهنّ في ليل الرقص الطويل وتعويذتهنّ في رحلة الموسيقى الصاخبة إلى عوالم الخمرة والأمل المنعقد بين رنين الخلاخل الأسطورية واهتزاز الأجساد المفعمة بأريج الحب المتفتح في سمفونية الغربة كزهور وحشية، وهي تترى هادئة أو صاخبة؛ تُطرب الرؤوس الممغنطة وتعيد لحظة مسروقة من حياة سريّة يكتنفها التوجس والغموض.

لا تبدو لقطة الراقصات الثماني ثابتة، فالمساحة المشعة متحركة بثياب “الشالوار” المزركشة وبهاء الألوان الجذابة، وفي الوقت الذي كانت فيه وجوههن متفتحة ومبتسمة إلى حضور حالمٍ ومخمور، كانت أجسادهنّ تتساوق مع إيقاعات منغّمة تتكرر بين حين وحينٍ، فتتفتق عبقرية الجسد عن أسرار لا يعرفها إلا مَن كان غارقاً في عزلته السرمدية، قريباً من الروح المعذّبة التي هجرتها مواسم الماء وذبلت فيها أوراد الربيع.

الراقصة الأولى تتباهى بشعرها الطّويل النازل على كتفيها كشلال أسود. حاجباها مرسومان بدقة متناهية كخيطين رفيعين يكادان ينمسحان لشدة الضوء الساطع عليهما. بدت أصغر من عمرها كثيراً، ربما هي كذلك، لكن يمكن الاعتراف بطفولتها كثيراً، طفولة المرقص المتأرجحة، كان ثوبها بنفسجياً غامقاً.

أمّ الراقصات وروحهن الغامضة هي سُرّة المشهد وسِرّهُ. تقلقها الأرواح الشريرة المتربصة بأجساد فتياتها الساهرات تحت شحنات التراسل بينهنّ وبين الجمهور الغارق في كل شيء أمام مهرجان الألوان الفياضة وانعتاق الأجساد في دورة الشبق الليلية التي لا تنتهي.

عبّرت الراقصة الثانية عن غبطتها وهي تمدّ ساعدين ناعمتين اكتظتا بالأساور والمعاضد وامتزجت فيها سبعة ألوان غامقة، فبدا ساعداها كقوسي قزح يملآن حيزها بألعاب وصور طفولية ماضية ليس من اليسير استحضارها في ليالٍ كهذه.

الراقصة التاسعة لا ترقص عادة. انطوى زمانها البعيد؛ يوم كانت صبية تتناقلها المراكب والطائرات بين القارات الدافئة والباردة وكان جسدها يتلوّى على مسارح العواصم وحاناتها الضيقة، وكانت الأرواح الشريرة تجتاح جسدها الفتي وتزرع فيه خمرة الليل المعفرة بالخطايا والذنوب.. الآن مات الجسد وبقيت الروح.. تحول الجسد العملاق إلى خمرة رديئة، وبقيت أنفاس الأمس وحدها عمياء في ليل الغربة السكران.

الراقصة الثالثة أكثرهن هوساً بزرع الورود الملوّنة على شعرها المنسدل، كما لو أنها مزهرية تتفتح في أول الإيقاعات الراقصة. ارتدت ثوباً برتقالياً فضفاضاً لا يشفّ عن شيء من جسدها النحيف. أسنانها بيضاء لاصفة. وحاجباها متّصلان بغزارة كقوسين ملتصقين.

لم يكن وجود بائع الورد عفوياً، فهو الشفرة المعلنة بين فتيات المرقص والزبائن المنهكين بالأماني والغرائز والشرود إلى الغرف السرية القميئة. بائع الورد الأسمر ذو الشارب الكثير هندي الشكل أكثر الحاضرين زهواً: إنه حامل ورد العشاق العابرين.

الراقصة الرابعة متسربلة بثوبٍ أحمر قرمزي فاقع.تركت ساعديها عاريتين وكشفت جزءاً مستحيلاً من صدرها الصغير، كانت الوحيدة التي نفرت من خط الرقص كغزالة مبتعدة عن قطيع متوحش. كانت أكثرهنّ وحشية على ما يبدو، تركت خط الرقص منفعلة، منقادة وراء فكرة غير معروفة..هل كانت تطلق ثمرة جسدها إلى العراء؟ هل كانت تطلق خطيئة الجسد لتحرره من قيود الليل الثقيلة؟

الجداران المرآويان لم يكشفا جوانب أخرى من المرقص: ملصقات سياحية للطبيعة البنغالية، أشجار جوز الهند العملاقة، مشاهد مختلفة من باريسال وشيتاغون وكولنا وراج شاني وسيلهت، نساء الساري الفضفاض بألوانه البهيجة، الشاي البنغالي السحري، اللباس البنجابي لأثرياء دكا، سياح بيض الوجوه يتخاطرون بين غابات خضراء وجزر تكاد المياه تبتلعها..

أكثر ما يشد الجمهور المتوفز موسيقى ” الراكاس″ التي تستقدم صيحات الغابات المنغلقة وشلالات المطر الهادرة على سقوف الأكواخ، فتشد الراقصات الصغيرات أجسادهنّ النحيفة في دوران متعاقب تحت السطوع الأثير؛ غير أنهنّ يتباطأنَ بعد وقتٍ محموم ملأهنّ بالعرق الغزير، وهن يتبعن طبول “راميش شيل” القادمة من أقصى الطفولة الضائعة، وصنوج “هاسون راجا” التي تحفر في لحمهنّ شبق البدو المختلطين في جمهور يكاد يكون مغيباً. وأشعار “لالون فوكير” التي تبعث على التأمل وتبث الهدوء في مياسم الأجساد التي بللها شبقٌ ضال وأمل ربما قتلته أمواج تسونامي في آخر لحظة.

كانت الراقصة الخامسة مزركشة بالأصداف البحرية والإكسسوارات اللمّاعة. تطوّق عنقها قلادة صدفية تناوبت فيها بضعة ألوان حارة، تلصف في منتصف جبهتها نقطة حمراء تبدو وكأنها لا تستقر في مكان واحد، وكان الساري الذي ترتديه أزرق بلون الخلجان البنغالية، وكان وجهها المثلث مختلج الملامح، لكنها مصرة على أن تبتسم في هذا الوقت بالذات من كل ليلة.

الراقصة السادسة اختلفت عن صويحباتها بقرطيها الطويلين المتدليين حتى صدرها الناهد، بحلقة دائرية ألماسية كاذبة شكّت أنفها الصغير، وبنجمة صفراء بين حاجبيها، غير أن الراقصة السابعة تمادت بعري صدرها وبان طيف مذهل يشفّ عن حلمة بنفسجية مُثارة على نحو غير طبيعي، هذه البيهارية السمراء ذات الساري الأصفر أكثر الفتيات انسجاماً مع طبول الغابات وشلالات المطر الهادرة على السقوف.

آخر الراقصات أصغرهن سناً، ارتبكت على شفتيها ابتسامة خجولة، وتركت ملابسها القمحية إلى الريح الراقصة من تحتها، وانطبعت تحت مبسمها هالة من ضوء مباغت كشف نقطتها البيضاء وألقى ظلاً شفيفاً على حاجبيها المتصلين.

مبخرة أمّ الراقصات ما تزال تنفث دخاناً أبيضَ كما الروح، يتلوى أمامها بعذاب لا تعرفه إلا هي؛ وعندما ينتصف الليل وتتثاقل الخمرة في الرؤوس، تتهيأ الفتيات إلى رقصة ” أجيباهاهل ” وتتهيأ أمّهنّ الروحية في مكانها وهي تمسك سلة الماء المقدس وتغمس أطراف أصابعها فيها، متمتمة، فيما تتجه أنظار الراقصات الثماني إليها في تجاذب أمومي حنون، كما لو يستلمن شفرة البدء بخلخلة الأجساد وتفكيك عناصرها السجينة وإطلاق ريحها المعطرة في آخر جولة من كرنفال الليل المقدس.

الـ”أجيباهاهل” مسك الختام في الـSHOBURNA ولوعة الانتظار الراقص على مدار الساعات. تهيأت راقصة الماضي لإمساك أرواح فتياتها قبل أن تغزوها الأرواح الشريرة المدنسة. انتهت “البيبا” و”الكيبا” و”النيشا” و”السوهيلي” رقصات التحفيز الأول لمَغـْنطة الرؤوس. اختبار الأجساد الصغيرة في مطاولتها على تثوير الرؤوس الخدرة. نُسيت أشعار طاغور وكازي نزرول وفوكير في صخب الليل. وتلاشت أصداء موسيقى الراكاس وطبول شيل وصنوج راجا. تماهت خطيئة الجسد المُثار بالآتي من الليل.

الرقصة البنغالية الأخيرة “أجيباهاهل”، يتوتّر المسرح. تنسحب الراقصات إلى غرفة جانبية، فيتركن وراءهن عطراً راقصاً. بائع الورد يتجوّل بين الموائد غير المرئية.

تعود الراقصات الصغيرات بعد دقائق، تتقدمهن راقصة الماضي: تنحني وتمد أصابع مرتشعة لتلمس خشبة المسرح وترفعها إلى جبهتها في ثلاث حركات متوترة ثم تصعد وسط المسرح. تتقدم ذات الساري البرتقالي وتلمس الخشبة بأصابعها بخشوع ذليل.الأخريات يتقدمن بالتناوب، يمارسن ذات الطقس ويتوزعن على يمين الراقصة التاسعة ويسارها في خط مستقيم. الجمهور المخمور يفيق ويتحول إلى عين كبيرة منساقاً وراء الصمت العجيب.

حكيمة الليل القديمة تفترق عن بناتها الصغيرات وتلتقط من يد بائع الورد إبريقاً صغيراً. تغمس أصابعها وتُخرجها وترش على الجمهور رذاذاً عَطراً. تهبط من المسرح وتتوزع بين الموائد، حريصة أن تنثر ماءها المقدس على رؤوس كل الحاضرين. تصعد إلى المسرح ثانية وتقف أمام بناتها الصغيرات المخذولات في جو سحري خرج من لهاث الرقص ودخل إلى تمجيد المجهول والإنصات لطقسٍ لا بد منه، فالحكيمة العارفة بماضيها الراقص، لها مقدرة سحرية أن تطرد المدنّس من الرؤوس. يتقطّر الماء المقدس من أصابعها وتتركه ينقّـط على رأس الفتاة الأولى التي أحنت رأسها بخشوع، ثم رشّت منه بضع قطرات على صدرها. كل الفتيات منسحقات تحت وطأة الصمت. مرت عليهن واحدة واحدة. تنقلت بين الثياب الملونة. كانت أصابعها تنزف الرذاذ على رؤوس وصدور فتياتها المحنيـّات وهنّ لا يرين وجه حكيمتهنّ المحتقن. انسحبت وتركت الإبريق في مكان من المسرح، ثم التقطت من بائع الورد مبخرة صغيرة، تعالى دخانها الأثير يتلوى بين الفتيات. مرت عليهن واحدة واحدة. نفخت على وجوههن قبضات من دخان سحري حريف. ثم نزلت بين الموائد وبخّرت الرؤوس المؤرقة وعادت من جديد لتجلس في مكانها الأول على دكة الموزائيك.

تقدمت الفتيات الثماني إلى مقدمة المسرح وقد غطين وجوههن بحجابات شفافة من القماش. جلسن ملتصقات محنيات الرؤوس. فبدونَ كعرائس ملونة يغمرهن الخفر والحياء والخوف أيضاً. فيما انطلقت تراتيل من مكانٍ ما وقد صاحبتها موسيقـى هادئة وتمتمات الحكيمة القديمة التي يمكن أن تسمعها الفتيات المنغمرات في جلال الموقف ورهبته. انسحب الليل إلى مداه البعيد بين التراتيل. بكت الفتيات. تبللت وجوههن بالدموع. الجمهور ينتظر بارتياب. لحظة البكاء ذروة التطهر. ثمة مَن يبكي بصمت. يتفاعل مع الفتيات وهو يخطو إلى الخطيئة. انتهت نوبة البكاء. هرعت الحكيمة إلى بناتها. نهضت الفتيات وكأن عبئاً ثقيلاً انزاح من صدورهن وقلوبهن. تبدلت وجوههن: خلعن الحجابات. صرن أكثر مرحاً وابتسامات ملونة تتخاطف على ثغورهن. قبـّلتهن الحكيمة جميعهن بفرح طفولي. تعانقن باحتفال طفولي بعد صلاة التطهر والتكفير.عادت أجواء الانفتاح أجيباهاهل تستشري في المسرح الصغير. الحاضرون يصفقون بتواصل.. كل شيء مر بسلام. انهزمت الأرواح الشريرة والراقصات الصغيرات في مأمن من المجهول في هذه اللحظات الراقصة.

الآن ستبدأ الرقصة البنغالية الأخيرة “أجيباهاهل”.


كاتب من العراق مقيم في بغداد