المغزول

الجديد  محمد بن ربيع الغامدي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(169)]

لوحة: حسين جمعان
أمد ساقي وأرفع قدمي وأسلت ظهري شيئا فشيئا على الأريكة التي أجلس عليها، أتصيد قاسم بعين واحدة إلى أن يقع خلف إبهامي فأضحك ضحكة مكبوتة، أفعل ذلك كلما عبر قاسم، وفي كل مرة كان إبهام قدمي يحجبه تماما قبل أن يخرج من ورائه مثل طاووس مدل بريشه، تتسمر عيناي على أنفه الذي يبدو مثل حصان شطرنج في يد لاعب غليظ القلب، ومثلما توقعت اقترب مني وسأل عن آخر قصائدي، قذف بسؤاله ذلك في بؤبؤ عيني ثم استدار نحو نزيل آخر ليمرر له تحميلة، قلت له بعتب: وعدت بإخراجي من هذه المصحة فمتى تنفّذ وعدك؟ ودون أن يلتفت نحوي قال: ابلع ريقك، ابلع ريقك.

سمعت كلامه فبلعت ريقي وفعل النزلاء ذلك معي، وبينما كانت مؤخرته الضخمة تحجب معظم الفضاء أمامي كنت أحدث نفسي: هذا الممرض يعرف أني لست بمجنون وفوق ذلك فهو مولع بقصائدي ووعد أن يساعدني في مغادرة هذه المصحة، وعدني أكثر من مرة، وفي كل مرة يقول لي ابلع ريقك، وفي كل مرة كنت أبتلع ريقي ولا ينفّذ وعده، سأحجب هذا الماكر بإبهام قدمي وأضحك بقوة إلى أن يلتفت نحوي، وما إن فعلت حتى اقترب مني وفي عينيه مخرزان مدببان ثم وكز ساقي بقوة وعاد إلى نزيل آخر.

أولج آخر قمع لهذا الصباح ثم خرج فتبعناه، لا بد من ساعة بعد تحميلة الصباح وساعة بعد تحميلة الأصيل نجوب فيها حديقة المصحة، اقترب مني أكثر المنصتين لي ولقصائدي وبشرني باقتراب موعدي، قال لي بالحرف الواحد أن قاسم لا يخلف وعده، لقد زرع هذه الحديقة وبنى ممراتها ثم زينها بأرصفة ملونة ونشر فيها الأرائك ذات اليمين وذات الشمال، قلت له جزِعا: لكن الأمد قد طال بي يا صاحبي ولم ينفّذ وعده، في كل مرة يقول لي ابلع ريقك وفي كل مرة أبلع ريقي دون جدوى، أنا يا صديقي لست بمجنون مثلكم فلم بقائي هنا؟ هذا الممرض المنفوخ لا يريد بي خيرا مع أنه قزم، قزم لا يزيد حجمه عن حجم إبهامي هذا، هل ترى إبهام قدمي هذا؟

عندما انفضّ عني آخر المؤمنين بي وتركني قائما، قلت في نفسي: ليذهب إلى الجحيم، ولتذهب معه هذه الساعة الكئيبة التي يسمونها فسحة، وكذلك هذه الحديقة وأشجارها وقاسم أيضا، لن أحزن على أحد منهم فعندي ما يغنيني عنهم جميعا، هذه الأريكة الممتدة في هذا الظل الظليل وإبهام قدمي اليمني، جلست على الأريكة، وبحذر شديد كنت أمد ساقي وأرفع قدمي وأسلت ظهري شيئا فشيئا أتصيد قاسم بعين واحدة إلى أن يقع خلف إبهامي فأضحك ضحكة مكبوتة.


كاتب من السعودية

مقالات أخرى للكاتب:

  • لكن‭ ‬أي‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة؟