قصتان

الجديد  محمود فطومي [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(174)]

لوحة: لؤي كيالي
المسافة

معتوه، مفتوح الشّهيّة على التّبغ، لم يبق له من فنّ التّوقّع إلاّ إمكانيّة أن يخيب.

شفتان غليظتان لا تكاد تُطبقان. شعر رماديّ نافر يُخفي أعلى الرّأس فراغا في حجم فنجان صغير. وجه مُطفأ، يبدو للنّاظر كأنّه يكظم عتابا غامضا. ملامحه سطّر فوقها الصّقيع والقيظ المُستعر، فصلا بعد آخر، قسمات تجعلك، في انطباع أوّل، تعتقد بأنّ صاحبها قد اختار مقاطعتك أنت بالذّات من بين كلّ البشر. إنّه ذئب مدينتنا الهرم. ساحر الخطوط اللاّتينيّة الذي لم يتقاض فلسا واحدا من وراء موهبته الاستثنائيّة.

المُستجدّ هو سحابة الذّهول التي صارت تُظلّل عينيه وجبهته العريضة، حتّى بات من غير المناسب ذكر مآثره القديمة في لعبة الشّطرنج. كان فيما مضى يُلحق الهزائم المُهينة بأمهر اللاّعبين وأوسعهم حيلة. كان زمنا جميلا ذاك الذي لعبت فيه اللّعبة بعقول النّاس، لتتحوّل من مجرّد لعبة، إلى علامة يُستدلّ بها على انتماء المرء السيّاسيّ.. وجبة سريعة ونصف علبة سجائر فاخرة، وقهوة مدفوعة الثّمن، فقط هذا كلّ ما كان يطلبه مقابل جولة شطرنج يخوضها من أجلك حتّى ترضى. قد تكون من الذين يرضيهم الفوز الصّعب، أو من أولئك الذين تروق لهم الخسارة بعد طول مقاومة، سيفْهم شعبان طبيعتك وسيعمل على إسعادك. بعد الشّطرنج أغرم الناس بجلسات استدعاء الأرواح، وكعادته تعلّم شعبان استحضارها من أجلهم وكالعادة أيضا صار الألمع في المجال. كلّ ذلك يفعله دون التفاتة إلى الوراء، فقط كي تستمرّ الوجبة والسّجائر والقهوة مدفوعة الثّمن.

فيما يخُصّنا -نحنُ الغائبون تماما عن وعيه- لم يعد يُراودنا الكلام وهو يُطالعنا ببرنسه الأزرق وسرواله «الدجينز» الأسود الذي بات يشعّ بلمعان واضح على مستوى فخذيْه، وهيئته التي لا تسوء ولا تحسُن على مرّ السّنين. إنّه موجود بصورة تُثبت مرّة أخرى عناد الطّبيعة.. بل لشدّة ما هو موجود، أمكنه مع توالي الأيّام أن يتحوّل إلى أمر مألوف يبعث في النّفس شعورا بأنّه عدم. نراه في مكانه المعتاد جالسا على مصطبة رخاميّة سُطّحت في شكل كوّة بحائط البريد. فلا يقفز إلى أذهاننا خاطر من أيّ نوع بشأنه، فشعبان ينبغي أن يكون هناك، تماما مثلما نرى السّماء فلا نهتف: «حسنا إنّها السّماء!».

يهمّه، أنّ النّاس في جميع ما يقومون به يسعون إلى التّخلّص من أمر ما. ذاك تحديدا ما يجعلهم يصلحون للعيش بفضلهم. أصل الدّاء ألاّ سوق لما نُحبّ، وما أحبّه شعبان وبرع فيه لا يطعم ولا يستر، لذا قرّر أن يتلوّن حسب ميول النّاس وذوقهم وغرورهم وظنونهم، دون أن يغفل عن استعدادهم من عدمه لنفعه. النّاس اليوم، اختاروا التردّد على مكتب البريد. تلك أصبحت هوايتهم الأثيرة لتجزية العمر وإضفاء معنى على وجودهم. مع مرور الوقت أدرك بحدس الغريق أنّ عليه مجاراة التيّار والانتقال من خشبة إلى أخرى حتّى لو كان المدّ سينتهي به إلى بالوعة ليس لها قرار. اللّعبة علّمته القيام بالمطلوب. مطلوب مُتقلّب وجّه بقاءه إلى ما يشبه ركوب حصان جامح والالتواء في كلّ مرّة بحسب حركاته المجنونة، حتّى لا يسقط عاجزا منسيّا.

وسط رقعة بحدود وهميّة لا يتعدّى قطرها الأمتار العشر، يذرع شعبانُ المكانَ جيئة وذهابا حريصا دائما على أن تفصل بينه وبين النّساء مسافة مترين على الأقلّ. وبخطى وئيدة وحركات متوتّرة حادّة لا تخلو من شموخ أناس مُهمّين، يستمرّ في التّقدّم والتّقهقر كدابّة تنسى في كلّ مرّة أنّها مربوطة. ثمّ ما يلبث أن يعود إلى الجلوس مُنتبها إلى كلّ ما يدور حوله.

عندما يُفتح الباب مع تمام الثّامنة وبضع ثوان قاتلة، سيتدافع النّاس من أجل الدّخول مُتراصّين، تماما كما يحدث في غمار توزيع الغذاء في قرية أهلكها الجوع. في تلك الأثناء يكون شعبان قد أطلّ من بعيد لنصب شرَكه اليوميّ. سرّ مُحيّر حقّا أن يكون قد نجح في التّكيّف مع المساحة الضيّقة للمصطبة، رغم جثّته الضّخمة، جاعلا منها مقرّا مريحا يُتيح له الانقضاض على فرائسه الآدميّة بتروٍّ ويسر..

مُستعينا بقلمه الخاصّ، كان يملأ استمارات جميع المعاملات البريديّة على اختلاف أصنافها وتفاوت تعقيداتها، يُحرّرها بدقّة وحرفيّة منقطعة النظير. الأحرى أنّه كان يحرّرها كما يليق بعشق النّاس لمكتب البريد. لا أحد يدري ما الذي سيعشقه الناس بعد ذلك. الثابت أنّ شعبان سيكون حيّا بالمرصاد لهم ولأهوائهم. حتما سيكون هناك ليبيعهم ما أجمعوا على اقتنائه. مُقابل خدماته لم يكن يجد غضاضة في الاتّفاق مع زبائنه قبل الشّروع في أداء عمله. بكلمات موجزة على سبيل الشّرط كان يحسم الصّفقة:«ستعطيني مائتي ملّيم.. موافق!؟». فتسعيرة شعبان موحّدة مهما كانت المعاملة معقّدة، وهي بالإضافة إلى ذلك غير قابلة للتّجاذب. فهو يُدرك على نحو أو آخر أنّ الشّقوق التي تسمح بتسرّب الاحتمالات لا تصلح للسّكن تحت سقفها.

ثمّ جاء يوم أساء فيه شعبان تقدير الأشياء. ذاك أنّ منعطفا لعينا يتربّص دائما بالخطوط المُستقيمة المُطمئنّة. وطبعا ليس ثمّة مصيبة أنكى من التّحليل الخاطئ لأهواء النّاس. في ذلك اليوم ظنّ شعبان أنّ زمن الحجّ إلى مكتب البريد قد ولّى، وأنّ النّاس قد غيّروا طقوسهم فصاروا فجأة يعشقون التمسّح على جدُران مكتب الضّمان الاجتماعيّ. الازدحام الذي لاحظه أمام المبنى صوّر له ما صوّر. عام مع التيّار ليجد نفسه في عالم جديد لم يسبق له أن اطّلع على استماراته من قبل. مع ذلك اجتهد كي يحذق ملأها بسرعة ودون تلكّؤ، حتّى يكون جاهزا عند الطّلب. بغتة، وجد نفسه مُتّهَما بسرقة عقد من الذّهب راحت صاحبته تنوح مردّدة خصاله وخصاصتها. أمسكوا به من كلّ اتّجاه. خلعوا برنسه وألقوا به في الخارج كخرقة، ثمّ فتّشوه مُتشوّقين حقّا، لكنّهم لم يجدوا بحوزته غير قطعه النّقديّة الصّفراء، مع ذلك استحقّ صفعة على قفاه من يد مسؤول الأمن جعلت رقبته تختفي لجزء من الثّانية.

مضى شعبان عائدا إلى مكتب البريد يتأبّط البرنس، وهو يجرّ حذاءه منزوع الخيوط. مشى المسافة مُصوّبا نظراته إلى الأرض كأنّه يسير فوق شبكة معلّقة. وبوقار صعد الدّرجات الثّلاث المؤدّية إلى المدخل مُخلّفا وراءه مصطبة غائصة في الجدار عليها بقعة داكنة من جهة رأسه ويديه. كانت تلك المرّة الأولى التي يغامر فيها شعبان بدخول المكتب غير مكترث بتهديدات المدير. انحرف ناحية كراسي الانتظار دون تردّد، وعلى نحو خال من التّحدّي اتّخذ مقعدا شاغرا بين المنتظرين. مدّ ساقيه بشكل مستقيم. عقد يديه أمام صدره، ثمّ راح يحدّق بعمق وتركيز شديدين في الموظّف المنهمك خلف شبّاك العمليّات الماليّة. أطال التّحديق في الموظّف على مهل دون إطباقة جفن. أمعن شعبانُ النّظر كما اشتهى. إذ لم يكن يفصل بينهما سوى حاجزٍ بلّوريٍّ رفيعٍ، ومسافة قصيرة جدّا لا أحد في وسعه أن يقيسها.

صديقي المُشَوّه

لوحة: فرج عبو

منذ قليل غادر «لُؤي». شاب رأسُه لكنّه لم يتغيّر كثيرا. مازال يُحبّذ أن يُفطر في الصّباح أصابع البسكويت المنزليّ مُغمسا في قهوة الحليب، وكعادته مازال مُغرما بالوقوف طويلا أمام واجهات المحلاّت حيثُ تُعرَضُ البدلات التي تُقفل فتحاتها الخلفيّة بسحّاب عوضا عن الأزرار. عندما أُصاب بنوبة فقدان جدوى الاهتمام بالأشياء، أسعى إلى لقائه والاستماع إلى قصصه اليوميّة التي لا تنتهي والتي لم أشكّ يوما في أنّه كان سيُفضّل روايتها على اثنين لا يعرفهما لو خيّروه بينهما وبيني. فقط لأنّهما أكثر منّي عددا. كان ثملا إلى درجة أنّي لم أُفلح في الردّ على كلامه بقول يتّفق مع كمّ الأمزجة التي تلبّسته. إنّها المرّة الأولى التي أبوح فيها بأنّنا ظللنا طوال حياتنا نبحث عن مُسوّغ ليقتل أحدنا الآخر فلم نجد غير أن يتعلّق أحدنا بالآخر كأمّ. ظلّ طوال فترة مكوثه عندي يردّد على مسامعي بين الفينة والأخرى، لازمة أغنيته، بأنّه أقوى رجل في العالم! في فترات هدوئه كان يطرح عليّ أسئلة أقرب إلى الامتحان من قبيل «لم قد ينجو مصباح زجاجيّ منصوب في العراء بعد ساعات من الاقتتال».. أجملها كان «هل تعلم لِم يجبُ أن نحبَّ الثّلج؟ أمر وحيد ينبغي أن نحبُّ الثّلج من أجله يا صديقي.. هل تعلم ما هو؟». أجبتُه «طبعا.. أقصد.. ربّما لأنّه أبيض..”.

قال: «أحمق..أترى.. قلتُ أحمق كي لا أقول مُخطئ… لأنّ الخطأ… هذا ليس موضوعنا… أليس كذلك؟ الثّلج.. الثّلج.. كم هو نبيل ذاك المخلوق.. أترى.. إنّه لا يعوي ولا يقرع النّوافذ والأسطح والعلب وكلّ الخرافات الأخرى.. بل ينزل صامتا، تماما كما يمشي القطّ.. دون ضجيج يأتي ليُغيّر شكل الدّنيا لبعض الوقت ثمّ يمضي صامتا أيضا.. الثّلج رجل جميل بمعنى الكلمة يا رجل..”.

لم أُفلت حرفا واحدا ممّا قاله. ولا فاصلة ولا نفسا. ها إنّ أنفاسه الحارّة بدأت تتلاشى وها إنّ وخزات الرّطوبة في البيت بدأت تعود تدريجيّا وأخذ انصهار رائحة المفروشات وخشب الأثاث مع الرّائحة النفّاذة للمقاعد الجلديّة يُحفّز ذاكرتي. حقّا، إنّه أمر يدعو إلى السُّخرية أن أنتظر لحظة خروج «لؤي» بفارغ الصّبر لأشي به إلى دفتر. شعرتُ في الإبّان وأنا أمسك بالقلم بأنّي أتصرّف مثل طفل يكتب كما لو أنّه يراسل نفسه المُقيمة في زمن لاحق.. رغم يقيني بأنّه لن يأتي البتّةَ اليومُ الذي سيتحوّل فيه أمر كهذا إلى دافع يُسعدني. أعرف جيّدا ما لا يمكن أن يكون.

قبل أن يُطبق الباب أطلّ برأسه وقال:

“قلتَ عنّي يوما بأنّي عنصريّ.. أتذكر؟.. أنا أذكر على أيّ حال.. كنّا صغارا، لكن لمَ لمْ تُبدّدها عندما صرنا كبارا..؟ لعلمك هي تتجوّل الآن في الغلاف الجويّ لمعطفي..». ضحك عاليا ثمّ صفّق البابَ بلطف مبالغ فيه ما جعله يلامس الإطار مرّتين.. فجّر القصّة في رأسي واختفى.. كم أشتهي أن أقتله مرّة.. نعم كنّا صغارا. بل لعلّ أغرب ما في القصّة أنّنا كنّا صغارا.

كنتُ في الصفّ الرّابع أو الخامس لمّا وفد على حيّنا الجيران الجدد. كان لديهم أغراض كثيرة. وهم يكدّسون بعضها في ردهة المنزل ويمرّون بالبعض الآخر إلى الداخل أمكنني أن ألحظ كمّ الألعاب المهول لديهم. يُفترض في تلك الدّقائق أنّي ردّدتُ في نفسي «لن أسأم أبدا لو كانت تلك الألعاب لي». ثمّ سرعان ما استقرّ الجيران الجدد وصمت منزلهم مثل منازلنا. رُويدا نشأت بيني وبين ابنهم صداقة وثيقة رغم أنّي كنت أكبره بسنتين، لا أدري إن كان السّبب هو فضول لا يُقاوم بشأن عاهته التي لا يُشهدك القدرُ عليها كلّ يوم، أم أنّها ببساطة طريقة طفوليّة لأصرف نفسي عن السّخرية من هيئته القبيحة. سبب ما لا علاقة له بكمّ الألعاب المهول الذي لديه أو الّلهجة المُهذّبة التي يتكلّمها جعلني أنصّب نفسي حاميا له من سخرية بقيّة الأصدقاء، إذ لم يكن باستطاعتي مُقاطعتهم من أجله، كان الحلّ الوحيد أمامي هو أن أفرضه عليهم فرضا. في المُقابل كان عليّ أن أشاركهم إلحاق الأذى به، مثلما فعلتُ حين عقدنا جلسة طارئة لنطلق كنْيةً بَشعةً على جميع أفراد العصابة كما سمّيناها آنذاك. خلال الجلسة الطّارئة تفنّنا في إلصاق كُنْيات فظيعة من اختيارنا، أي كلّ حسب ما يرغب. «مَعينُ» هو الوحيد الذي اخترنا نيابة عنه كنيته البشعة فكان من نصيبه مَعين الوحش. مَعينُ بالنّسبة إلينا كائن كان لا بدّ أن يظهر في حياتنا كي نعيش بداهة سلامتنا الجسديّة بلذّة متجدّدة. بعضهم لم يكن يطيق لمسه أو حتّى الاقتراب منه. لؤي وعماد مثلا كانا يفعلان ذلك من باب التّباهي بالشّجاعة، عماد المُستعدّ دائما لفعل أيّ شيء يجعله مُنغمسا في أمر ما، ما انفكّ يتباهى بطرفه الأخير كأنّه من صنع يديه. أمّا مَعين فكان يُواجه تصرّفاتنا بتفهّم حطّ كثيرا من كرامتنا الغضّة. قال لي مرّة إنّه لا يرغب في مواصلة التّعلّم في المدرسة الخاصّة وأنّ أباه هو الذي يصرّ على ذلك لأنّهم يعرفون كيف يتعاملون مع الأطفال المختلفين. قال ذلك تماما كما يتحدّث الكبار. لم أفهم كلامه إلاّ بعد سنين. في بيتنا ما فتئت أمّي تردّد كلمات الشفقة كلّما رويتُ لها حادثة وجدتها مثيرة أو شدّت انتباهي في طريقة تحركه، كانت تكتفي بالقول: مسكين! وحين تسأل أختي «أمّي لم لا يُشبهنا مَعين؟» تجيبها «إنّه مريض ولا ينبغي أن يسمعك أحد تقولين ذلك». أحيانا كان يحاول الجري بصورة طبيعيّة، لكنّه إمّا يسقطُ أو يتعبُ بسرعة. مع مرور الوقت بدأنا نعتاد هيأته وطريقته الطّريفة في التّعامل مع الأشياء، واعتماده الكلّيّ على يديه.. كنّا نرى العالم الصّغير المُحيط بنا عبارة عن جبل من المآزق والعراقيل التي ينبغي أن تُشقيه وتجرح إحساسه. كرهنا الأشياء نيابة عنه، تمنّينا أن نسمع منه حنقا يشفي غليلنا. رأينا الطّريق طويلا نيابة عنه.. والشّجرة عالية وشرّيرة نيابة عنه.. لكنّه كان دائما يخذل تصاميمنا لمشاعره تجاه العالم، فقد كان مُحبّا لكلّ شيء.. بعبارة الكهل الذي صرتُه اليوم، كنّا نتصرّف إزاءه كمخمور يبحث في كتاب فهرسه لا يُطابق ترقيم الصّفحات. استقامته الغريبة، ملابسه التي لا أحد يدري من أيّ المحلاّت كان يحصل عليها، والتي كنتُ أتوهّم أنّها تكبر معه. وأشياء أخرى كثيرة اعتقدتُ أنّي نسيتها، تعاود الظّهور الآن أمام عينيّ كما لو أنّها مشكل يستوجب حلّه.

كان نابغة في الدّراسة، يفهم الظّواهر ويحلّلها بشكل عميق وواضح. وكنت في سرّي أشعر بالغيرة بسبب تفوّقه الصّارخ غير المستحقّ. لكنّي كنتُ أواسي نفسي بتفوّقي الجسدي عليه وبأنّه لن ينال مركزا أفضل من مركزي بجسمه المُشوّه.. كان على علم بأنّه فاقد تماما لحظوظ الفوز على أحدنا في اشتباك بدنيّ أو تحويل اهتمام فتاة ناحيته.

أبي متحامل على النّصيب الذي جعل مَعين متفوّقا وجعل منّي فتى ثقيل الفهم والأصابع وربّما ثقيل الظلّ أيضا. لم أشقّ على صدره لكنّي أراهن بكلّ ما أملك أنّه قد أرهق تفكيره كثيرا ليقنع نفسه بالسعادة التي يمنحها الأطفال الأسوياء لوالديهم. كانت طريقتي لأسخر من مُعين في سرّي وعلى نحو حقيقيّ، هي أن أساعد أبي على إتمام طقوس حسده لوالد مَعين دون أن أزعجه بأسئلة الأطفال البائسة المُعيدة إلى الرّشد. كثيرة كانت الاتّفاقات غير المعلنة بيني وبين والدي، فمثلا بوسعي -في قمّة غضبه- أن أميّز «كفى!» التي يصرخ بها في وجهي والتي يريد منّي بها الاستمرار في الهرج. يحدث ذلك غالبا عندما نحلّ ضيوفا على عائلة أخرى وأنجح تحت تشجيع من عينيه في تعنيف أحد أبنائهم بطرفي الأخير. مع ذلك لم أكن وحشا ولا كان أبي وحشا. بل أكثر من ذلك كنتُ أشاهد في التّلفزيون علماء الحشرات والزّواحف وهم يقبّلون السّحالي قائلين: أوه .. يا ملاكي الجميل..!

وحده مَعين كان وحشا على نحو ما.

لقد امتلأ لديّ حقّا ما يُمكن أن أسمّيه منسوبا مُحترما من الوضوح، رغم ذلك مازلتُ أتساءل لِماذا لمْ تستغرق منّي العودة إلى الماضي كلّ ذلك الوقت الذي احتجته للوصول إلى هنا؟ ها إنّي هناك ثانية وها نحنُ نلتفّ حول شجرة غرسها للتوّ ناس كثيرون بمناسبة عيد الشّجرة.

منذ اللحظات الأولى التي تلت رحيلهم ذبُلت الشّجيرة المسكينة وتقوّس أعلاها، حينها لمع في ذهني أنّها تشبه طرف أبي الأخير! في اليوم الموالي يبست ثمّ بعد ذلك اندثرت. أنجزنا حلقة، ثمّ طفقنا نحوم حولها ممسكين ببعضنا مغيرين الاتجاه في كلّ مرّة بصورة عشوائيّة بقرار من أحدنا، كم كان حلوا أن يُطيعك عدد يتجاوز ثلاثة، غيّرت اتّجاه الدوران مرّتين. أثناء قيامي بمحاولة ثالثة أحسست بأنّي أسحب شيئا مستعصيا له قوّة حيوان. حينها أدركت أني استنزفت حظوظي من قلب نظام الدّوران. بلغت المنافسة على القيادة أشدّها بيني وبين لؤي. كلّ ذلك يحدث تحت أنظار معين الوحش. كان يبدو في عينيه أنّه فخور بي.. أعتقد أنّي ما زلتُ، على نحو ما، أحتفظ بتلك الطّاقة تسري في بدني.. حين تشكّلنا قطارا انضمّ إلينا مَعين. اتّخذتُ وضعيّتي وراءه مباشرة. لمّا انطلقنا أحسست بجسده يندفع كقاطرة حقيقيّة. كان ذلك بفضل طبيعة الّلعبة المُصمّمة لتُخفي مُشكلته المُضحكة. حين أستجمع الآن كلّ تلك اللمسات الحانية وهو يطوّقني بذراعه من رقبتي وكيف كنتُ أتخيّل أنّنا كائن واحد برأسين. أشعر بالأسف والإشفاق عليه. لقد اختفى مَعين فجأةً..

ليس من السهولة أن يمّحي أحدهم من حياتك فجأة بصورة جادّة كجثّة! شيء ما قد احترق فعلا. سبق أن قلتُ إنّي أعرف ما لن يكون.. لن أرى مَعين الوحش، صديقي المرفوض، مبتور الذّيل.


كاتب من تونس