قصتان

الجديد  موسى الثنيان [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(194)]

تخطيط: كاظم حيدر
معطف جدّتي

تجلس جدّتي على كرسيها الخشبي وهي تحيك لي معطفًا للشّتاء المقبل، ثوبها القصير يكشف عن سروالها القديم والخيوط الصوفية بألوانها القزحية كأزهار ربيعية نبتت حولها للتَّو، كانت تستعدّ لغزل وردة حمراء عند الصدر، كم انتظرتُ بشوقٍ منظره النهائي لأريه زميلاتي.

في الصَّباح رأيتها تنظر إلى عصفور المنزل في قفصه وهو خائف ويزقزق، خِلتها تنقشه في ذاكرتها لترسمه في المعطف، لم أكن لأتدخل فيما تختاره جدّتي من نقش أو من ألوان الخيوط، انطلقتُ للعمل وتركتها تتأمّل العصفور.. مازلت أذكر معطف أختي في الشّتاء الماضي، بألوانه الربيعية ونقشه الجميل، رسمت شجرة تستند إلى جذعها طفلة ألصقت على وجهها وجنتين من القماش الأحمر جعلتا منظرها يشي بالسعادة والفرح، فعلى الرّغم من تقدّم جدّتي في العمر إلا أن روحها جميلة ومتفائلة، كأنها فتاة في العشرين من عمرها، كنتُ دائمًا أقول لأبي: لو تسنّى لجدّتي العودة شابّة لأصبحت مصمّمة أزياء أو رسّامة عالمية، يكتفي أبي بضحكة، وأحيانًا يومئ بالإيجاب…

حين عدت في المساء، وجدت العصفور ذاته في المعطف بلونه الرمادي ومنقاره الأحمر ولكنه كان ميِّتًا، وقد أغمض عينيه بحزن، والوردة الحمراء التي بالصدر سالت منها خيوط حمراء، سألت نفسي ألف مرّة: ماذا حل ّبجدّتي؟ أترى ذلك بسبب أخبار التلفاز التي يشاهدها أبي كلّ مساء..؟ أخبار دموية، رصاص ودماء تسيل هنا، وعملية انتحارية هناك، ودمار وعفونة وأرواح رخيصة لم تعد تساوي حتى الذباب.. لا توجد سوى أخبار القتل.. كنّا نتأفّف باستمرار.. هل أثّرت الحرب على جدّتي، هل أثّر على خيالها الجميل.. لم أحبّ المعطف، كيف سأرتديه أمام صديقاتي، وزميلاتي في العمل.

تحيَّرت، هل أخبر جدَّتي بأن تنقض غزلها وأن تحيك نقشًا غير هذا النقش، أم أتركها تُتِمّه ومن ثمّة أحتفظ به في دولابي للذكرى، خشيت أن تسألني عنه إن لم ترني أرتديه في الشتاء القادم.. لكن إرادة الله حالت دون إتمامه، فقد ماتت جدّتي بسبب المرض الذي ألمّ بها، بكيت كثيرًا، كانت تملأ البيت ضَحِكًا بالحكايات التي تدفئ ليالينا وتملؤها بالأحلام السحرية، ثرثرتها وامتعاضها، تركت الكرسي الخشبي يهتزّ وحيدًا، ماتت وتركت المعطف تتدلّى منه خيوط لم تنعقد وحكاية نقش لم تكتمل.

تمنّيت لو أنجزت جدّتي المعطف، كنت سأرتديه مهما كان نقشه كي تعرف صديقاتي مدى حبّ جدّتي لي وحبي لها.. قادتني قدماي ذات مساء إلى غرفة جدّتي، تفقّدت كلّ شيء فيها، صندوق زواجها القديم، جدرانها العتيقة، دولابها الخشبي، رأيتُ المعطف مطروحًا على المنضدة، وكنت أنوي الاحتفاظ به لنفسي، أخذته ونشرته وكان ضوء البدر يضيء الغرفة، أصابتني الدّهشة حين رأيت المعطف وقد نقضت جدّتي غزله تمامًا لتحيك لي معطفًا بخيوط خضراء، ما أذهلني فيه الشجرة الكبيرة المثمرة والصبي الذي يغرس بذورًا أظنّها قمحًا.. ما استطعت حبس دموع عينيّ في محجريهما، ارتديته؛ كأنني أرتدي ريشًا جعلني أحلّق إلى السموات..

ليتني دمية


بُنَيّ التَّوحّدي، أقفُ على أعتاب غرفتك، غارقًا في عالمك الخاص، تحتضن دميتك كعادتك منذ خمسة عشر عامًا، لم تمتصّ يومًا من رحيق حبّي قطرة! كنت كفراشة بانت عن فصيلتها!، لم يحدث بيننا أن ضحكنا سويًّا أو حتى بكينا، عشنا منفردين في بيت يفترشه الظلام كسجادة سوداء، حدثتك مرة عن حبّي، ويوم أن تعثّرت قدماك وسقطت على الأرض، ركضت إليك وارتميتُ عليك أتحسّس أنفاسك، نظرتَ إليّ دون أن تفقه سِرَّ عناقي وتقبيلي لك واحمرار وجهي؟ لم تعرف سِرَّ تلك الدّموع التي سالت من عينيَّ على وجنتك بدفء، بل اكتفيت بنظراتك الخالية من المعنى! وعُدت إلى غرفتك، حيث وطنك، واحتضنت دميتك القطنية، عندها بكيت كثيرًا، حاولت إيقاظ مشاعرك نحوي عندما أخفيت عنك تلك الدّمية فانتابتك نوبة صراخ مستمرّة؛ مما جعلني أستسلم وأعيدها إليك، منذ أن قال لي الأخصّائي بأنك غير قادر على محبّتي، أصبت بالصّدمة.

جئت بمعلّم ليعلّمك نطق كلمة واحدة فقط (ماما)، دفعتُ له مبلغًا طائلاً، وحين نطقتَ بالميم ازددتُ فرحًا؛ لأنه حرف الأمومة المقدّس، وبعد شهور، تفوَّهْتَ بها، خرجت من فمك، كيوم خروج أصحاب الكهف من فم الكهف، رقصتُ فرحًا، غنّيتُ، باتت الكلمة تملأ قلبي، عشت أياماً سعيدة، إلى أن جاء ذلك اليوم واكتشفت ما حطّم قلبي، إذ فوجئتُ بأنك تخاطب الدّمية: (ماما)، حينها ثرت، وددت لو أمزّق الدّمية القطنية إلى قطع، كدتُ أغرز في قلبي سكّينًا فينزف دمي القاني حتى تجفّ عروقي وأصبح دمية بلا حراك، هدأت نفسي عندما خطر لي أن أجلس بجانب دميتك، في ذلك اليوم سحبتُ الكرسي إلى جانب المقعد الذي تجلس فيه دميتك البيضاء، وجلستُ بلا حراك أكتم أنفاسي حدّ الاختناق لعلّك تسرق نظرة حانية إليَّ.


كاتب من السعودية

مقالات أخرى للكاتب:

  • هذا‭ ‬الفن‭ ‬المحبوب