رأس آخر

الجديد  نائل العدوان [نُشر في 01/06/2015، العدد: 5، ص(197)]

لوحة: فيصل لعيبي
تحسست رأسي، لا يزال موجوداً.

فركت عيني، لكن يدي اصطدمت بكتلة ناعمة الملمس.

كان رأسي ملتوياً كحبة كمّثرى، ثقيلاً لا يحتمل حركة أو اهتزازا.

صداع أكل مؤخرته وبرودة موت انسحبت بظلالها على مقدمته.

انطلق صوت شخير بقربي!

خِلتُ أنني أحلم وأن الصوت مجرد وهم، لكن رائحة فم نتنه تحرشت بأنفي، ثم ما لبث صوت الشخير قريباً مني هذه المرة.

التفتُ بطرف عيني، وإذا برأس ينام بجانبي! كان “يتمرجح” فوق كتفي، معلقاً لصق رأسي تماماً ومغمضاً عينيه كطفل أصابته حمى.

لم أصدق ما أراه.

رقبة جديدة، فم وأسنان، عيون وآذان، لقد نما لي رأس جديد!

انتفضت من مجلسي! فكان ذلك مدعاة لأن يتحرك الرأس فاتحاً عينيه.

صباح الخير، قالت شفتاه بصوت يشبه صوتي، فأيقنت حينها بأنني لا أحلم.

هل لي بكأس ماء؟ “. أضاف الرأس مبتسماً.

كيف سرقت جسدي؟، من أنت؟”. قلت غير مصدق لما يحدث لي.

هراء، هذا الجسد أصبح مشتركا بيننا، مصيرنا واحد، بقاؤنا وموتنا واحد، إننا باختصار واحد.

لم أخرج للعمل.

بقيت متدثرا بصمتي طوال اليوم، مفجوعاً بتأمل رأسي الآخر الذي نما في غفلة مني. هي مؤامرة حيكت ضد جسدي، أطاحت بكل ما بنيته بلحظة مفاجئة.

كان جسدي بطيء الحركة ولا يأتمر بسهولة، فان أردت تحريك يدي فلا بد من توافق مع الرأس الآخر، ينبغي أن نقوم بالتفكير سوية.

هل تسمح بتحريك يدي؟ سألته.

بالطبع، تقصد يدنا؟ يضحك بملء شفتيه غير آبه بحنقي.

رن جرس الهاتف، فالتقطت السماعة، لكن أسنانه انغرزت بمعصم يدي.

احذر، لقد تعديت على حدودي، لك الشمال ولي الجنوب، لي الغرب ولك الشرق، ألم تفهم بعد؟

شرح الرأس الآخر باستفاضة موضوع “المحاصصة” الجديدة، قال إنه بلا عواطف أو مشاعر، ولما طلبت منه إيضاحا، حدجني بنظرة استنكار وانتفض قائلاً:

هل أنت غبي! اليسار لك ولي اليمين، والقلب مِلك لك فافرح به، وانأ لا قلب لي، لا قلب لليمين.

وحدي إذن من سيبكي ويشعر بالوحدة، وشريكي يفترش كتفي فرحاً بلعبة التقسيم.

استدرجته لنجد حلاً لهذه الشراكة، لكنه رفض ذلك بحجة عدم الشعور بأيّ ضيق.

رجوته متذللا لكنه كان صلداً كجدار، حينها هددته بأنني سأسحق رأسه عند أيّ فرصة تتاح لي، لكنه ضحك حتى سالت دموعه.

ألم أقل لك بأنك غبي؟ إذا انتهيت أنا، لن تمكث غير بضع ثوان بعدي… إنه انتحار لكلينا!

من فوق أنفه، طارت بعوضة، كان صوتها يلدغ صمت المكان، احتجت إلى كل ذرة صبر كي أحافظ على توازني، لكن البعوضة جثمت فوق رأسي مباشرة، ثم طارت من جديد لتحط فوق أقراص الدواء بجانبي.

غدت عينا الرأس تلتهم فكري، تنظر بفزع إلى علبة الأقراص التي ارتمت على الطاولة.

لا، أنت لا تفكر بذلك! قال الرأس بعينين خائفتين.

لم أمهله لحظة، التقطت الأقراص، ثم ابتلعتها دفعة واحدة.

تسللت الظلمة إلى جفني غير عابئة بمقاومة شريكي، ثم انتشر بعدها خدر لذيذ إلى يميني الذي بدأ يذبل ببطء.

أحسست بفرحة غامرة وبخفة شديدة.

غاب صوت شريكي ولم أعد أسمعه.

وبقي صوت بعوضة وحيدة، تنتقل بحرية بين رأسين خلت منهما الحياة.

رمال

تفصيل من تخطيط:فيصل لعيبي

عوت الريح، ثم يبست الأزهار.

وعندما غابت الطيور، تنبه الناس للأمر.

أحسوا بالخديعة وأن خللاً كبيراً قد أصاب البلاد.

أصاخوا السمع لصوت الجداول، فلم يسمعوا شيئاً، لا صوت للبلابل أو لخرير المياه.

الريح وحدها تزفر بعواء جنائزي وحيد.

فزعوا عندما سقطت الأشجار علانية في وضح النهار.

أزاح أحدهم عن منكبية الغبار ثم نهض متعثرا بنعومتها، أسند يداً على جبل الرمل بجانبه ثم وجه الكلام للقائد:

الرمال يا كبيرنا كست القلوب والمدينة انتهت ولم يتبق لنا سوى الصحراء.

تذمر آخر: الويل لنا! كلما طلعت الشمس زادتنا ظمأً، وكلما هبت الريح ملأت أفواهنا بما تخلفه، ماذا صنعت بالبلد؟

أصاخوا السمع مرة أخرى فلم يسمعوا غير نباح الرمال الذي بدأ يشتد بقوة.

***

التهمت العيون الكبيرَ ذي اللحية البيضاء.

اجتمعوا حول الملهم الفتان، مخلص الوطن وحامي الديار.

كان يقف بينهم وقد علت قامته الجميع، يتدثر بملاءة حريرية خضراء وقبعة مستديرة. هدية من الحلفاء الناصرين.

احتمى بالصمت وابتسامة تتوارى خلف ملامحه.

علا تصفيق العامة وهتاف نسوة اقتعدن الأرض، بينما صرخ الأطفال فرحاً، وقهقه الشباب بنشوة غامرة بأن يعيش القائد.

بعد أن أفل نجم المجتمعين وساد صمتهم قال كأنما يخاطب نفسه: أيها الشعب، بلدنا بخير.

علا الهرج والتصفيق مرة أخرى، وزغردت النسوة وكبـّر الجميع بأن يعيش القائد إلى الأبد.

الحلفاء منذ هذه الساعة، سيجلبون لنا الخير والمحبة.

لاذ بحرز السكون بعدها، فيما علت همهمة من حوله، ثم أردف قائلاً:

أيها الشعب الكريم، سنتقايض مع الحلفاء الخضرة، يلزمنا التغيير في هذه المرحلة، سيكون بيننا وبينهم الكثير مما سيعود بالنفع لنا جميعا!

قال الأبيض ثم اخترق المجتمعين بسهم من عينيه، نكّسوا رماحهم وعلموا أن عمر الكبير مديد.

***

استورد الرمل.

نقل بتكاليف باهظة.

بعد أيام قليلة كانت الأسلاك الشائكة تحيط بالمحمية التي زينت بالأشرطة وأعلام الحلفاء استعدادا للافتتاح العظيم الذي حضره القائد وكبار القوم.

قص شريط المحمية وصفق الجميع وتبادل الرؤساء الأوسمة والقبل وظهرت صورهم وهم يوقعون الاتفاقيات والمواثيق.

بعدها صارت المحمية مصيفا يقطنه عامة الشعب.

حملوا حقائب المرطبات والحلوى ومضوا نحوها بفرح وغبطة!

بنى الأطفال قلاعا من الرمل ثم هدموها ليعيدوا البناء ثانية.

الرجال حطوا بتعبهم فوق الرمال المستوردة، وامتدحوا أفكار القائد السديدة، أما النساء فقد ارتدين (مايوهات)، تكشف عن سيقان بيضاء.

***

ارتفعت درجة الحرارة.

المياه خالطها الملح وغدت ملوثة وطعمها غريب.

في البداية. غض الناس الطرف.

كثيرون قالوا بأن هذه بداية ملامح التغيير الذي تحدث عنه القائد، وكانوا يطلقون النوادر بشأن طعمها، حتى أن هداياهم لبعضهم البعض أصبحت عبارة عن مياه مالحة بعلب ملونة.

بعد فترة وجيزة، اشتد طعم الملوحة.

اعتمر الكبير قبعة جديدة وخرج.

قال والجميع حوله مصطفين بوجوه لطمتها أشعة الشمس فأصبحت كالحة.

الحلفاء لديهم خطة بديلة لنا.

ساد الصمت بعدها، عرف الجميع حينها بأنهم محكومون للمجهول.

***

السماء صفراء.

فَراشُ الرملِ يطير ملتهما كل عود أخضر أمامه، رياح الخماسين أخذت تعتصر النفس الباقي وتلهب الجو برمال مالحة.

لم يتذمر الناس قط.

كانوا واثقين أن القائد متنبّه لما يحصل، والحل دائما موجود بيديه.

الرمال تجوب الشوارع.

تمسح أرصفتها وتحيلها إلى خراب وأطلال.

الدكاكين والأعمدة وحتى المدارس أخذت بالتساقط وحلّت محلها حبات الرمل.

الشواخص وحدها بقيت واجمة في مكانها، ترتفع فوقها صور ملونة للقائد بابتسامته المعهودة وأصابعه الملوحة بالتحية للجميع.

فيما المدينة تهوي ركناً ركناً.


كاتب من الأردن