أنشودة الغاضب

الجميلات العاجزات: “أرامل الدقيقةِ المُقْبِلة”.
الاثنين 2018/10/01
لوحة: أحمد جابر عامر

I

الصُّورَة، الزَّمان الثَّابت، الأعْينُ المُتَجمِّدة، الروح الزُّجاجيّة السائِلة، التي تَسْكُبُ بَصَرَها في التجويف اللَا نِهائيُّ للحياة.

***

الرمل الذي مَشيت عليه في الصباح، لَمْ يحتفظ ببقايا كعْبِكَ الدائريُّ الناتئ، مثلما لم يحتفظ بظلِّ الطيور، التي عبرتْ في ذات الصّباح بحثاً عن مشرب، أمّا أنتَ.. فلم تلحظ الحنان الذي غمر البحر، عندما توغل بعيداً في الأثر، بعدما شرب من كأس كعْبِكَ.

***

النّور في مخبأهِ محض شعلة، والقلب في موضعه محض عضلة، والموت في فكرته مجرد وجهة، وأنتَ الجانب البعيد؛ من طواف الآلهة.

***

يمكنكَ أن تكون وجهاً في صورة، أو صوتاً في مذياع، أو ربما قلادة في عنق إحداهنّ، أو لعلّك تفضل أن تجد نفسك قطعة علك بين فكيّ أسد، يمكنكَ ذلك، لكنكَ، لا تستطيع أن تكونني!

أنا شعاع بلاستيك، تخلقني بويضات اللّون المجردة

أنا متوحد الأخلاق، متوهج التكوين، وعقيدتي هذا الوجود.

II

أنا غاضب وصوتي مُخْتنق

عالقٌ بين هنا وهناك

بين الآهةِ والآهة

بين الثانيةِ والأخرى

فيّ من النار ما يجعلني ناراً..

بل قيامةٍ أبديّةٍ

“للخونَة”

أنا غاضب ولا حلّ لذلك

***

أنا غاضب؛ ولا حلَّ لذلك

عينايّ كالبروق

مرصد الشر الأقدم،

وصواعقي لا تعترف بالموانع

أطرافي مُتّقدةْ

كحواسي،

تنتظر

الاحتراق.

***

أنا غاضب؛ وهذا لا يُفسِّر أيّ شيء

فالشهداء في المعارك غاضبون

والمصلون الذين لا يستجيبُ لهم الله غاضبون

والموتى هناك، عندما لَمْ يجدوا الجنة

كانوا أيضاً غاضبين

لكنني أغضبهم

أنا أغضب الغاضبين.

***

افتح لي باباً أيها العالم

دعني أخرجُ

دعني أعترف

“بأني لا أقوى على هذا الغضب”

افتح لي باباً؛ محبة في الله

أنا غاضب، ولا حلَّ لذلك

***

هذا أنا: سيّافٌ يحمل الموت في راحتيهِ،

ينتظر الصّباح

لأجل ضرب الأعناق البائسة،

يرى جيداً عندما يرفع يَده عالياً،

وقبل أن يهوي بالموت؛ يستمعُ في حذر

إلى أصوات الأمهات الثكلى

وصراخ اليتامى المستقبليون،

ويشعر بضيق صدور السيدات

الجميلات العاجزات: “أرامل الدقيقةِ المُقْبِلة”..

تخاطبه الأعين الحزينة

بجرأةٍ

وتناشده رجاءات العاطفة المتأججة،

لكنّه يشدُّ قامته القوية،

يضعُ يدهُ اليسرى خلف ظهره في ثقة

فيبلل العرق راحته منزوعة الحياة،

يتفجر في داخله الألم،

لكنّه..

وقبل أن تهوي قبضته الرقيقة الناعمة بالموت

يبتسم

فقط لأنني علمته أن يغضب،

لأنه غاضب

وأنا كذلك..

هذا هو المهم.

***

أنا غاضب

والأرض واسعة

لكنها لا تكفيني لأعيش.

الهواءُ معطرٌ بالحب،

لكنني لا أشتم،

الماء يكفي الجميع،

لكنني لا أرغبه.

هذا هو العالم

وهذا هو الغضب.

***

غضبي

كمشرط الجرّاح

يعمل في الطفل والعاهرة..

بذات الحدة

يعمل في الشيخ المشلول

بكامل الجديّة..

يشرّح القدم ومؤخرة الرأس

ويجتز الأحشاء كلها، بنفس الدقة.

لكنني:

لست ذلك المشرط

فهو رحيم،

ولا كذلك السيّاف

فهو راجف،

ولا كتلك النار

فهيّ مؤقتة.

***

عبثاً أرى

عبثاً أتحدث

والعبث الأكبر هذا الانتظار.

***

جيئوني بمغضوبي

آتوني بجلادي ومجلودي

سامعي ومسموعي

رائيّ ومرئيّ، ومعبودي

جيئوني بمغضوبي،

جيئوني به عاجل المستطاع

فأنا غاضب وهذا ليس له حلّ..

لأنني الغاضب،

لأنني المغضوب،

وأنتم جميعاً خونة

كاذبون.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.