الامتحان

الخميس 2016/09/01
لوحة: سعاد مردم

العام الأخير في المدرسة الابتدائية ولم أحدد بعد موقفي من أشجار الميموزا التي تقف بين السور وساحة المدرسة الشاسعة. لطالما انتبهت لها رغم الفوضى التي يثيرها الصبيان في فترة الاستراحة. إنهم يتحولون إلى كائنات متفجرة بالحركة والصراخ، يثيرون الغبار من حولهم كدواب منفلتة، وعندما يعودون إلى الفصول يخضعون بخنوع واستكانة لسلطة معلم صارم. كثير منهم غوغائيون في نظري فاقدون لأدنى احترامٍ ببلادتهم واحتمالهم للإذلال ساعة يخفقون.

تتدلّى من أغصان الميموزا كريات صفراء تجرأتُ على استكشافها باللّمس دون أن أحرز أيّ تقدم في موقفي منها. لقد استوت عندي مع أزهار الجيرانيوم الحمراء في التصنيف ويمكن أن أضعهما معًا في كفّة وعلامتي استفهام في الكفة الأخرى.

متجولة في منطقة الألزاس الفرنسية في إجازة خريفية وبعد أزيد من عقد سأهتدي وأدرك وأتمكن من استبدال العلامتين برؤية وتصنيف واضحين لطبيعة عاطفتي تجاهها ورهانها الجماليّ.

في عام حاسم يختم بامتحان ويَنْقل من المدرسة إلى الإعدادية كان يحلو لأمي أن تردّد عبارات مثل «في الامتحان يكرم المرء أو يهان» كنوع من الممارسة التي تعودت عليها مع شعارات ومقولات وأبيات شعر حفظتها وصرنا عرضة لها ولاستفزازها من حين إلى آخر.لا شك في أن بعضها أقرب من البروباغندا إلى الحكمة، أجوف لكنه ينزل على الذاكرة كختم يصيبها ببقع لا تزول.

في زمن المعلمين الفرنسيين في المغرب، في ستينات القرن الماضي، كانت أمّي من القلائل الذين نجحوا في امتحان السنة الابتدائية الخامسة. لقد روت لي أن أسماء الناجحين في مدينة كبيرة كالدار البيضاء كانت تظهر في الجرائد وأن السّيدة الفرنسية التي كانت تدرسها أخبرتها أنّ النوم جافاها لليلة بأسرها لأنّ أقسى ما كانت تخشاه أن لا ترى اسم فتاة مجدّة وذكية كأمّي بين أسماء الناجحين. بمنطق الرياضيات وقياسا على مدرِّسة كهذه يمكن الاستنتاج أنّ الضمير والتفاني في العمل إنسانيّ وليس بالضرورة وطنيا.

أمّي تشجعني، تثق بي وتتحداني بنوع من المقارنة والتشكيك المتفاوتين. فأخي المتفوق دائما سبقني بالتجربة الناجحة وليس من اللائق ولا المناسب أن أتعثر فأخذلها وأعرضني لمهزلة أكون ضحيتها لمدّة لا أستطيع التكهن بعمرها.

عندما أتمرن بإنجاز امتحانات سابقة أكتشف أنّني لست جيدة بما يكفي في الرياضيات ووضع الشدّات على الكلمات أثناء الشكل عدا هذا فإنّي لا أعترف بأيّ تقييم يقترب من السلبية وما قاله معلمي لأبي بخصوص دروس الدعم اعتبرته إهانة لا تغتفر وواجهته به. يريد مزيدا من الدّخل وأستطيع أن أفهم أن أجره قد يكون بائسا وأطفاله كثيرون لكن ليس على حساب التشكيك في مستواي. بسبب تهوره لم أعد أثق في تقييمه لإجاباتي وصار عندي موقف منه ومن فكاهته التي تُضحك الآخرين وتشعرني بالسخف خاصة أنها طالتني ذات يوم. لقد قال عن وصف طفلة في أحد النصوص إنها نحيفة مثلي ومهدّدة بالعاصفة فقد تطيّرها الريح.

أعجز الآن عن استعادة تفاصيل يوم الامتحان لكنّني أذكر أنه أُخذ بجدية وأنّه كان بعيدا عن أجواء الغش واللامسؤولية. لقد اجتزته وأدّيت مهمتي دون خوف وارتباك كبيرين. يوم ظهرت النتائج عاد أبي مبتهجا قائلاً إنّني نجحت بأكبر مجموع نقاط في المدينة وأنني سأتسلم جائزة في إحدى القاعات.

استعذبت تفوقي ولم أكترث لأمر الجائزة كثيرا، الأهم أنني أثبت أنّ معلمي لم يكن عادلا في تقييمه لقدراتي وأبعدت عني شبح التقليل من شأني والتهكم عليّ في البيت. الأروع أنّ نجمتي لم تنطفئ حيث لمعت نجمة أخي.

المنطقة التي توجد فيها القاعة والتي اصطحبني إليها والدي سبق وأن زرناها معا. لقد كنّا هنا يوم حطّ السيرك رحاله في المدينة وشاهدنا عروضه ويوم تجولنا في معرض الألعاب وتذوقت غزل البنات لأوّل مرّة، اسمه بالفرنسية «باربا بابا» يذوب في الفم كالثلج لكنه ورديٌّ، حلو ودافئ وأحببته.

برفقة أبي شعرت دائما بطمأنينة جيم هوكينز بالقرب من لونغ جون سيلفر، قبل أن يعود لتمرّد القراصنة، لكننا معا لم نستلم الجائزة. لم تكن موجودة أو كما قال أبي «سرقوها لكنني سأستعيدها».

اللّصوص والقراصنة في هذا البلد مختلفون بأشكالهم وأزيائهم عن زملائهم في القصص والرسوم المتحركة إنهم لا يضعون أشرطة سوداء مثقوبة على عيونهم أو جلدات تكشف تاريخهم الحقيقي، لا يلبسون أقمصة مخططة ويحملون أكياسا مليئة بالقطع النقدية ويلتفتون يمنة ويسرة، إنهم حسب والدي كثيرون بوزرات بيضاء أو بذلات رسمية، بربطات عنق أو قبعات من المفروض أن توحي بخدمة الوطن والمواطن.

أعادني للبيت وانطلق هو، بعد يومين أو ثلاثة عاد بالجائزة، لم يقتنع بالخطأ أو أيّ عبث آخر سمعه في الإدارات التي زارها. طفلةٌ أخرى ما استلمت في ذلك اليوم جائزتي من أجل صورة عائلية مشرفة لوالدها المسؤول، من أجل بريستيج أحدهم كان على والدي أن يقطع أشواطًا تتطلب أعصابا معدنية. كلّ الجائزة كتب العام الدراسيّ القادم ومثيلاتها في حوزتي لأنّها تركة أخي الذي يسبقني بعام.

«هناك أطفال يعملون صيفًا من أجل شراء كتبهم المدرسية، سنتصدق بها أو بالكتب القديمة ونوفر على طفل ما بعض مصاريف الدخول المدرسي» ذلك ما قاله والدي وذلك ما كان.

عن أزهار الجيرانيوم كتب الشاعر الهولندي هانس فْلِكْ عام 1947 في قصيدة له «جيرانيوم، زهرة رائعة ليست جميلة/نبيذ البقال ودجاجة بين الطيور، حِلْيَة كلّ ما هو فقير ورخيص» وبطبع جمالها وجمال أشجار الميموزا أختم «الألفة والاستمرار في العطاء رهان جماليٌّ آخر. هناك كائنات تعمّر مع المكان وأهله وتصير أهلاً، كائنات يُشهد لها بالحضور الجميل على طريقتها المقنعة. «

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.