التناسل السّردي.. الكتابة على الكتابة

السبت 2018/12/01
لوحة: خالد تكريتي

عرفت الكتابة السردية العربية ظاهرة التناسل السردي منذ زمن بعيد، ربما تعود جذورها إلى كتاب “ألف ليلة وليلة” حيث تعتمد بنية الحكايات في الليالي على تناسل الحكايات، وتوالدها أو تراكمها، وهو ما أعطى الليالي طابع التشويق والإثارة. وقد فطن الكثير من الكُتّاب إلى تقنية الليالي، واستخدموها في كتاباتهم. وكان لطغيان هذه الظاهر العامل القوي لدى الناقد مورتيز كولدشتاين في عام 1906، لدراسة السرد داخل السرد في الليالي، وهو ما كان تدشينا لما عُرف بالقص الشارح (Métafiction) أو ما وراء القص الميتاسرد، أو قص القص. واللافت أن أوّل مَن استخدم المصطلح هي ليندا هتشيون ووصفته بأنه “سرد نارسيسي.. فهو عملية قص القص أو حكي الحكي أو رواية الرواية”. ووفقا لمعاجم المصطلحات فالقص الشارح أو القص الما ورائي أو ما وراء القص “هو نوع من الكتابة السردية، ذاتي الانعكاس، يتمثل في وجود تخييل فوق التخييل الأصلي، وتعليق النص على نفسه وطريقة سرده وهويته، أي أن النص يمتلك وعيّا ذاتيّا ويكسر الحاجز بين الواقع والخيال.

يتمظهر القصّ الما ورائي في أشكال مختلفة: عندما يقطع الكاتب حبكة النص ليشرح شيئا معيّنا، أو عندما يطلق أحكاما على النص أو طريقة صياغته أو التقنيات السردية الأدبية، بصفة عامة. في حالات أخرى، يتمظهر القص الما ورائي بلسان الشخصيات”. ظاهرة التناسل السّردي التي هي سمة الليالي، تجلت في الكتابة السردية، تحت مسمّى نزوع قصصي قصير داخل الرواية، وإن كانت ثمة استفادة أخرى تجلت في استثمار القصة القصيرة في بناء روائي، كما فعل الكثير من الكتاب في ستينات القرن الماضي. على نحو ما فعل يحيى الطاهر عبدالله من استثمار قصص “الشهر السادس من العام الثالث”، و”الموت في لوحات” من مجموعة الدف والصندوق، لتكون رواية “الطوق والأسورة”، وهي الظاهرة التي امتدت وانتشرت بكثافة في جيل التسعينات، كما فعلت مي التلمساني في “دنيا زاد” التي في الأصل هي قصة سلة ورد (وقد عالجنا هذا الموضوع في مقالة ضافية بعنوان “إعادة كتابة الأعمال الأدبية بين إثارة الدهشة ورفض القارئ” https://alarab.co.uk/).

المقصد الغربي لهذا المصطلح يدور حول الشروح والتوضحيات التي يُبديها الراوي/ أو المؤلف أثناء عملية خلق النصوص. وهو ما جعل رسول محمد رسول يترجم المصطلح إلى “السرد المفتون بذاته”، وإن كان هذا المعنى هنا غير مقصود بالمرة، وإن بدت ملامحه في بعض النصوص واضحة، لكن ما أقصده هنا من “القص الشارح” ما يتوازى مع مصطلح “الكتابة على الكتابة” حيث تكون “الرواية الجديدة بمثابة إحياء للنص القديم باستعادة أو إحياء شخصياته؛ ليجعلنا نراه في ضوء جديد، يكشف الإبهام الذي حاق بعضها، أو ملابسات الظروف التي أهملها السرد عن عمد في النص الأول” وفقا لمفهوم جابر عصفور للقص الشارح، وهو ما يقترب من آليات التناص، حيث يستعير النص الجديد (المتناص) من النص القديم “المتناص معه” أفكاره وكذلك شخصياته الرئيسية، بما أن حدود المتناص غير مستقرة، أين تبدأ، وأين تتوقف؟ لذا يأتي تعامل النص الجديد مع النص الأول عبر وسيلتين، الأولى بالتوازي كما في (ملعون دوستويفسكي، وأبناء الجبلاوي). والثانية بالتعارض (معارضة الغريب، والزوجة المكسيكية).

ما يجمع الأفغاني عتيق رحيمي والفرنسي من أصل جزائري كمال داود بالمصرييْن إبراهيم فرغلي وإيمان يحيى، هو نزوع سردياتهم إلى التناص مع سرديات أخرى، بالتوازي والمعارضة. فتكفي نظرة عابرة لعناوين: “ملعون دوستويفسكي”، و”ميرسو تحقيق مضاد”، أو “معارضة الغريب”، و”أبناء الجبلاوي”، باستثناء عنوان إيمان يحيى الملغز بعض الشيء “الزوجة المكسيكية”، لرأينا حضور أسماء لروائيين سابقين وأعمالهم، كالجريمة والعقاب وبطلها راسكولينكوف، وميرسو وقتله للعربي في رواية الغريب لألبير كامو، أو حضور شخصيات محفوظ وعلى الأخص في الحرافيش وإقامة حوار مع بطل الرواية. وفي نص الزوجة المكسيكية يظهر يوسف إدريس وعلاقته ببطل روايته البيضاء، بل إن تناصات ومقتطفات من البيضاء تطرد بكثرة داخل النص الجديد.

الانحياز للعدالة

كتاب
استحضار للشخصيات

حضور الروايات “المتناصة” السابقة لا يتمثّل في العناوين، وإنما عبر استدعاء الشخصيات وأيضا في استحضار الأفكار الأساسية. ففي رواية “ملعون دوستويفسكي” لعتيق رحيمي، بطل الرواية هو رسول، جامعي مثقف يعمل بمكتبة الجامعة إلا أنه معدم، أرسله أبوه إلى لينينغراد للدراسة إلا أنه قَدِمَ بعد أن قضى ثلاث سنوات هناك في دراسة القانون، وقد غرم بفتاة روسية، وبعد ستة أشهر لم يتحمل نظرة أبيه إليه فترك البيت وأقام في كابول. وأثناء عمله في مكتبة الجامعة التقى صوفيا عندما أخذت كتابا منه، فأخذت لحظتها قلبه. يستعيد الراوي عبر شخصية رسول أثناء قتله لـ”نانا عليا” ببلطة -في مخيلته، حيث لا دليل على أنه القاتل، فلا توجد جثة ولا دماء- وهي قوّادة عجوز، لم تكن مرابية بل كانت تشغل الفتيات ظاهريا لأجل العمل في المنزل، لكن في الواقع كانت تضعهم بين أذرع زبائنها، وقد استغلت خطيبته “صوفيا” الفتاة الفقيرة التي تعيل أمها وأخاها بعد موت والدها. وقدّمت خدمات “داعرة” لأمراء الحرب الجدد. تعيرهم الفتيات، وتقبض مجوهراتهم ثمنا؛ يستعيد شخصية راسكولينكوف المولع به، بطل رواية الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، حتى أن الراوي يقول في شبه حكم قطعي إن هذه القصة هي المحرض لجريمة القتل التي ارتكبها رسول “ربما هذه القصة المتوارية عميقا في داخله، هي من حرضه على القتل” (ص6). كما أن صوفيا تعترف بالمحاكاة، فتقول له “ليست روايتك أكثر من محاكاة لرواية الجريمة والعقاب التي حكيتها لها أكثر من مرة” (ص139). فالخيط السردي المتمثل في جريمة قتل البطل للمرابية، ودوافعها واحدة في الروايتين وإن اختلفت التفاصيل.

حضور شخصية راسكولينكوف الذي قام بقتل المرابية العجوز، لا يتأتى عبر وظيفتها السردية، كمحفز للبطل، أو حتى بتقليدها بارتكاب الجريمة، دفاعا عن حبيبته سونيا، وإنما أيضا يتأتى باقتفاء أثره، فرسول ما إن ارتكب جريمته وسمع صوتا يُنادي على “نانا عُليا” حتى قفز من النافذة إلى أحد السطوح القريبة وفرّ، دون أن يحظى بالمال. ثمّ يهرول عائدا إلى البيت على نحو ما فعل راسكولينكوف الذي بعد جريمته “عاد مباشرة إلى منزله وانهار بسرعة فوق أريكته” الفارق أن رسولا ليس لديه أريكة. ربما الاختلاف بين شخصية راسكولينكوف، وشخصية رسول أن هناك جريمة حدثت بالفعل قام بها الأول، أما الشخصية الروائية الثانية، فعلى حد دفاع محاميه عنه، عندما أصرّ على أنْ يُقدِّمَ نفسه للمحاكمة على الرغم من عدم وجود أدلة لارتكابه الجريمة، فلا دماء في مسرح الجريمة، ولا أثر للجثة أصلا، بأن جريمة رسول “مُتخيّلة، وإنه متأثر برواية الجريمة والعقاب لدويستويفسكي، وكان يتوق لأن يقتل المرابية لكنه لم يرتكب فعل القتل”.

تتقاطع رواية عتيق رحيمي “ملعون دوستويفسكي” مع رواية دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” في بطلها وجريمته الملعونة، وما أصابه من هذيان تأنيب النفس وصل ببطل دويستوفيسكي إلى الدخول في مرحلة هذيان، وفي بطل عتيق إلى حالة من تأنيب الضمير والتبليغ عن نفسه، وأيضا تتقاطع في أفكارها الأساسية، فمثلما كان راسكولينكوف باحثا عن تحقيق العدالة، حتى ولو كانت بالعقاب كما حدث في اقتصاصه من المرابية العجوز، فهنا بطل رحيم مَعنيٌّ بهذا إلى درجه تخيّله أنه قام بجريمة لم تحدث من أجل الانتصار لمبدأ العدالة المتمثل في العقاب. تتسرب فكرة العدالة لوالد صوفيا الذي التقاه في مقهى للحشيش، بعد أن اختفت دون أن يدري إلى أين، فجالس والدها، الذي كان يتحدث عن “المدير الكلب” كما وصفه، الذي كان في نظره خائنا يستلزم العقاب، فعلى حد تعبير والد صوفيا “لم أستطع انتظار تغيير النظام كي نقوم بمحاكمته”، كما أن رسولا يُبرِّر وهو يتحدث لوالد صوفيا كتابة بعد أن اختفى صوته بسبب أزمة جسدية كما فسرها له الطبيب، موقف راسكولينكوف من جريمة القتل، أن “المرابية حيوان مؤذٍ يسرق المال من البؤساء، وقتلها ليس إلا عدالة”. الغريب أن مؤسسات الدولة لا تعترف بهذه العدالة وفقا للكاتب في وزارة العدل، حيث يرى أن “قتل قوّاد لا يمحي وجود الشر على الأرض”.

الشيء الثاني الذي تتقاطع معه الرواية، هو بؤس الواقع الذي يجعل النساء تخرج للاستجداء في الشوارع، لأن لديهن أطفالا، فالمرأة التي التقاها رسول تعترف بأنها “لا تعرف كيف تعولهم”. وهو الأمر الذي أجاد عتيق تصويره، عبر سرد ينقل المآسي التي تتعرض لها أفغانستان، والانقسامات إلى معسكرات ترفع السلاح ضدّ بعضها، بعد أن صارت الحرب ليست للحرية، وإنما للانتقام فـ”صمتت المدينة بأسرها، نسيت شكل الحياة، الصداقة، والحب” حتى صارت بلدا للشهداء. وخصصت وزارة للشهداء من كثرة تساقطهم. بل تساوى الموت والحياة “في هذا البلد ولم تعد للحياة أي قيمة، كما لم تعد أيضا للانتحار قيمة” (ص132). حضور رواية الجريمة والعقاب في رواية عتيق يتجاوز حضور الشخصية الرئيسية وانتصافها لمبدأ العدالة، وإنما يتجاوز هذا أيضا إلى تضمين الرواية لمقاطع من رواية دويستوفسكي، فيستعيد رسول بعض المشاهد التي تعضده بعدما أصابه من قلق بعد توهمه قتل “نانا عليا”. ومن ثم تتداخل الخطابات، خطاب النص المتناص مع المتناص معه.

التابع ينهض

يعيد الكاتب كمال داود في “معارضة الغريب” تفاصيل مقتل العربي التي وردت مبتورة في حادثة لم يولها القاتل ميرسو بطل رواية “الغريب” لألبير كامو، أي اهتمام، بل كان يشير إليها بالعربي كنوع من التحقير والتقليل من الجريمة التي ارتكبها في حقه. ومن ثم سعى هارون إلى الانتصار لفكرة الرد بالكتابة كما هي عند بيل أشكروفت، فالتابع يواجه المستعمر، ومن ثم لا يسعى لاستعادة تفاصيل القتل بل غرضه استعادة هوّية العربي، والثأر من المستعمر، فيلح إلحاحا غريبا على إعطائه اسم “موسى” وتاريخا دقيقا لعائلته. حتى لو كان هذا التاريخ يظهر محنة العائلة بعد مقتله، والأزمات التي واجهتها أثناء دفنه، وعدم عثورها على جثته، والمعركة التي خاضتها الأم لتحظى بلقب أم شهيد. إضافة إلى تمريره لخطاب لغوي يقوّض حالة الاستعلاء التي كانت بادية في خطاب المستعمر، ومن ثم نرى الراوي يسعى لتفكيك خطابه ودحض نظرته الاستعلائية، فيقول “عربي. هل تعلم لم أحسّ يوما أنني عربي؟ إنها صفة تشبه وضع الزنوجة التي لا وجود لها إلا في نظر الرجل الأبيض؟ نحن في الحي، في عالمنا، كنا مسلمين. لنا أسماؤنا ووجوهنا، وعادتنا وكفى. هم الغرباء، الرميون الذين أرسلهم الله لكي يمتحننا، لكن في أي حال كانت ساعتهم معدودة سيرحلون في يوم من الأيام، بالتأكيد. لذا لم نرد عليهم” (ص86).

كتاب

حضور رواية الغريب لا يتأتى فقط باستدعاء شخصياتها، ميرسو الذي يصفه بالغريب تارة والرومي تارة ثانية أو العربي الذي يكتسب هويته هنا باسم موسى، وإنما يتأتى أيضا الحضور باعتباره محفزا للكتابة، فكما يقول هارون لمخاطبه في الحانة “صار القاتل معروفا وقصته المكتوبة ببراعة هي التي حفزتني على تقليده، بل قُل معارضته. كتب الكاتب بلغته. ولذلك قررتُ أن أحذو حذو الناس في هذا البلد بعد استقلاله: أعني استعادة حجارة منازل المستوطنين سابقا لأبني بها منزلا لي. لغة لي”. (معارضة الغريب: ص9) كما يشير إلى أنه قرأ الرواية قائلا “أنا بدوري، قرأت روايته للأحداث مثلك، ومثل ملايين الآخرين. ومن البداية يفهم كل شيء. فهو حمل اسم رجل وأخي اسم حادث”. ثم بعد فترة يُفصح عن السبب وراء كتابته هذه “أنا أروي لكما (؟) ما لم يتسنَّ قط لموسى أن يرويه” (ص12) إلى أن يصل ” أنني أريد إحقاق العدالة. قد يبدو هذا سخيفا مني في عمري هذا.. لكنني أقسم لك إنها الحقيقة. وما أعنيه بذلك ‘عدالة التوازنات’ لا عدالة المحاكم”.

يبدأ كمال داود مرويته بتناص التعارض مع رواية كامو “الغريب” منذ الاستهلال السردي القصير بقوله “أمي اليوم مازالت على قيد الحياة. صامتة، لا تنبس ببنت شفة” في حين بدأ كامو روايته بهذا الاستهلال الشهير “اليوم ماتت أمي، أو لعلّها ماتت أمس..”. يشير العنوان الأصلي “ميرسو تحقيق مضاد” أو المترجم “معارضة الغريب” إلى وضع بطل كامو في بؤرة المساءلة والندية، في إشارة إلى أن التابع ينهض، فعندما يصف الراوي (هارون) القاتل يُجرِّده من هويته على نحو ما فعل من قبل ميرسو بوصفه للمقتول بالعربي، فيصفه دوما بالقاتل، ويشير إليه بأنه “لم نعرف عنه أي شيء، سوى رومي، غريب”.

لكن هذا الغريب الذي تعرّف عليه عبر صورته التي عرضها الجيران له في الصحيفة، يمثّل وجها للاستعمار والإمبريالية التي حكمت الجزائر، ومن ثم يأتي هنا لا لكونه قاتلا فقط لأخيه الذي كان يمثل للعائلة “المارد الخفي المناضل بجسده العاري ضد الغاوري الرومي، الفرنسي السمين نهّاب عرق الجبين والأرض” (ص27) وإنما كي “يُمثّل كل المستوطنين الذين سمِنوا بعد الكثير من المواسم المسلوبة”. حالة العبث التي عاشها ميرسو وهو يستقبل خبر وفاة أمه وذهابه للعزاء، والأهم صمته عن الحديث عن الأم التي لم يتذكّرها إلا عندما جاءت برقية إعلان وفاتها، في المقابل يُكرِّر هارون حضور الأم دوما “لا تزال أمي اليوم على قيد الحياة”، ثم يسترسل في الحديث عن أمه الحيّة وأعمالها التي كانت تقوم بها فيحكي أنها ترمّلت مرتين، وأجبرت على العمل عند الأجانب، كي تؤمِّن عيشها “لقد راقها دور الضحية”. حتى أنه يتعمّد صناعة حكاية عنها، وهي تبحث عن جثة ابنها، وعذاباتها فيقدم مأساة لأم زوجها “ذهب مع الريح، وابن أخذته الأمواج”. التعارض كامن في حالة الفخر التي يبدو عليها هارون مقارنة بميرسو بطل كامبو، فميرسو انقطعت علاقته بعائلته بوفاته أمه، أم هارون فيفتخر بالتناسل حتى “باتت الأم تشبه أمها، أو ربما جدة أمها أو جدة جدتها” (ص42).

التجهيل الذي تعمّده كامو لشخصية القتيل، ووصفه بالعربي، يجابهه كمال داود بأكثر من وسيلة، كحيلة لممارسة دور الإقصاء والتهميش الذي مارسه كامو على العربي. فهنا تتم الاستعانة باللغة كأداة للإقصاء فلا يُعلن عن اسمه أبدا وإنما يصفه بالغريب تارة وبالرومي تارة أخرى. وتارة ثالثة يعمد إلى المبالغة في ترديد اسم أخيه كانتصاف للتهميش السابق فيكرر اسمه كثيرا هكذا “موسى، موسى، موسى.. أحب أحيانا أن أكرر هذا الاسم كي لا يختفي من الأبجديات”. بل يَطْلُبُ مِن مخاطبه في الحانة أن يحذو حذوه قائلا “أن تكتبه بالخط العريض. ها أن رجلا استرد أخيرا اسمه الأول بعد خمسين عاما من موته وولادته. أُصرُّ على ذلك”. (ص23) وتارة يشير إلى أن “هذه الحكاية هي حكاية أخي القتيل موسى”. بل يصل به هذا الهوس إلى أن يوزع اسمه على كل الناس، فالنادل دعاه موسى، والآخر الذي يجلس في أقصى الحانة، يقول عنه “سميته هو أيضا موسى” (ص39).

قرب نهاية الفصل الأول من رواية “الغريب” لكامو، يبدأ ظهور الوجود العربي، وينتهي الفصل بمقتل العربي بخمس رصاصات صوّبها ميرسو إلى العربي “أتلفت الصمت الاستثنائي الذي كان ينعم به شاطئ” (ص72، الغريب). ومع الفصل الثاني تبدأ المحاكمة التي تنتهي نهاية عبثية ليست أقل عبثية من حالة ميرسو نفسه وهو يستقبل خبر وفاة أمه، فالمحكمة تدينه لا لأنه قتل العربي، وإنما لأنه “لم يحسن دفن أمه؛ ولأنه تكلم عنها بالكثير من اللامبالاة”. لكن في رواية معارضة الغريب، يحضر الرومي/الغريب منذ الاستهلال الضدي لاستهلال الرواية. وكأن الرواية أشبه بتساؤلات عن القاتل ولماذا أفرج عنه بعدما حكم عليه بالإعدام؟ وعن مكان المقتول؟ وعن الإدانة العبثية له من قبل المحكمة. ورغم إدانته لنفسه بعملية القتل عكس ميرسو، إلا أن الأحلام تضغط عليه (يرد على الاتهام الذي وجهه القاضي لميرسو، فهو لم يعاقبه لفعل القتل وإنما لعدم مبالاته عند وفاته أمه، وعدم رعايتها من قبل)، وفي حلم المحاكمة يدافع أخو موسى على نفسه عندما جاء الجميع ليواسوه قائلا “فبمَ يمكنهم اتهامي، أنا الذي خدمت والدتي حتى بعد مماتها، ودفنت نفسي حيّا أمام ناظريها، لكي تعيش بالأمل؟”. بل يوجه سخرية إلى ميرسو، فعندما يتّهم بأنه لم يبك عندما قتل جوزيف، بأنني ذهبت إلى السينما بعدما زرعت رصاصتين في جسده؟ في إشارة ساخرة إلى موقف ميرسو بعد وفاة أمه بأن دفنها ثم تناول الطعام في مطعمه واصطحب ماري إلى السينما وقضاء ليلة معها.

أبناء الجبلاوي

أوّل ما يستدعي عنوان رواية إبراهيم فرغلي “أبناء الجبلاوي: سيرة رواية”، عنوان ترجمة رواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” حيث ترجمت بذات العنوان إلى اللغة الإنكليزية. الغريب في الأمر أن لعنة المنع التي حاقت بأولاد حارتنا زمن صدورها، عندما تربصت بها الأيدي العابثة وخفافيش الظلام، حلت على هذه الرواية، فأصابها أيضا المنع ومصادرة الأجهزة الرقابية لها عند صدورها باعتبار أن “هذه الرواية تكرّس لرواية نجيب محفوظ “أولاد حارتنا” وهي “رواية مثيرة للجدل” على حد تعبير ناشرة الرواية فاطمة البودي. حضور نجيب محفوظ لا يتأتى في هذا العنوان وكذلك في حضور روايته “أولاد حارتنا” بما شهدته هذه الرواية من مصادرة ومنع وصل إلى حد التربص بالرجل والتحريض على قتله. وهو ما يجعل من احتمالية أن الرواية ستكون بمثابة رواية متناصة مع أحداثها بالتوازي، وفقا للعنوان الفرعي الذي ذيّل به فرغلي روايته هكذا “سيرة رواية”. لكن حضور نجيب محفوظ وروايته لا يتوقف عند عتبة العنوان أو حتى الإيهام الذي يخلقه العنوان الفرعي من أفق انتظار عند القارئ، لكن ما إن يدلف القارئ من العتبة الرئيسية إلى المتن حتى يصطدم بفهرس المحتويات الذي ينقسم إلى أربعة أجزاء.

في الأقسام الأربعة يحضر نجيب محفوظ بأسماء أعماله التي تأخذ صيغة الأقسام، ومن هذه: (صدى النسيان، الشيطان يعظ، أبناء الجبلاوي). والجزء الرابع يعنونه بـ”حكاية بلا بداية ولا نهاية”. وأسماء أعمال محفوظ لا تتأتى كحلية وإنما هو اختيار عن عمد يكشف به عن حالة التماهي بين السخرية التي تقدمها هذه الأعمال لواقعها، والسخرية التي يقوم عليها هذا المتن الجديد وتعد القضية الأساسية التي تناقشها الرواية، وهي سخرية تصل إلى حد إدانة الواقع الثقافي واتهامه بالعشوائية. ثم يواصل الكاتب استدعاء محفوظ وهذه المرة باقتطاف جزء من رواية “أولاد حارتنا” ويضعه كتمهيد. ثم يبدأ القسم الأوّل من الجزء الأوّل بحضور فنتازي لنجيب محفوظ من خلال هذه الخبر الذي أذاعه التلفزيون بأن “أعمال نجيب محفوظ اختفت من البلد”، وهو ما شكّل “لغزا لا حلّ له، وأصبح مصير تراثه مماثلا لمصير الحضارات التي تعرضت للغرق فأصبحت نسيّا منسيا” (ص131).

كتاب

اختفاء الأعمال يكتشفه كبرياء مصادفة، عندما يطلب منه رفيق فهمي المسن والمقيم في دار المسنين، أثناء تردده عليه لكتابة مذكراته، يطلب منه ذات مرة أن يحضر له رواية الحرافيش لنجيب محفوظ، ولكن ما إن يصل إلى دار الشروق، حتى يجد الرف الذي عليه الرواية فارغا، يتكرّر الأمر في كل المكتبات التي يذهب إليها بحثا عن الكتاب، لكن المفاجأة الحقيقية تتمثّل عندما ذهب إلى بيته ومكتبته الخاصة وجد أن المساحة التي يضع فيها كتب محفوظ “خالية. مساحة لا تقل عن متر كانت تضم عددا من أعماله” (ص37) فأصبح سؤال “أين ذهبت كتب نجيب محفوظ؟ حديث الساعة”. وهي النقطة التي يستغلها الكاتب ليمارس لعبة كتابية تبادلية، ففي الوقت الذي تختفي فيه أعمال محفوظ من المكتبات التي تقوم ببيعها، وأيضا المكتبات الشخصية كمكتبة كبرياء وجاسر، نجد حضورا واقعيا لشخصيات الأعمال، نراها تظهر بوجودها تتحدث مع كبرياء تتابع هي الأخرى حالة الاختفاء، كما أن كبرياء يجري حوارا مع بعضها. ومن ثم تتحوّل الشخصيات الخيالية إلى شخصيات واقعية، بعد اختفاء الدليل الوحيد على كونها شخصيات تنتمي فقط إلى المخيلة.

ثمة تقنية أخرى اعتمدها إبراهيم فرغلي في استحضار النص المحفوظي، تتمثل في استعادة أوصاف لشخصياته الروائية من شخصيات روايات نجيب محفوظ، حتى أنه يستعير أوصاف نجيب محفوظ لشخصيات السيد أحمد عبدالجواد، وعاشور الناجي، وزينب ديات وغيرهم. ومن هذا ما يتبعه عندما يقترب عاشور الناجي من كبرياء فيصفه هكذا “طوله فارع، عرضه منبسط، ساعده حجر من أحجار السوق العتيق، ساقه جذع شجرة توت، رأسه ضخم نبيل، قسامته وافية التقطيع غليظة مترعة بماء الحياة” (الحرافيش، ص14). التماهي مع نص محفوظ يتجاوز هذا التناص إلى التماهي في الخطاب السردي المحفوظي، فعاشور الناجي وهو لقيط مثل كبرياء، عندما يأتي إلى الحارة، يتبادل مع كبرياء حوارا عن استدعائه للحارة، فيستعير عاشور ذات الخطاب اللغوي الذي صاغه محفوظ من قبل وإن كان مفارقا لسياقه القديم، فما إن يهل عاشور يخاطب كبرياء قائلا “لا تخشى شيئا أنت هنا في أمان”. ويأتي الرد من قبل عاشور الناجي على هيئة اقتباس من رواية الحرافيش هكذا “لماذا دعوتموني إلى هنا؟”.

وأثناء بحث كبرياء عن أقرب الشخصيات المحفوظية لناجي، يبدأ المُفاضلة بين شخصيات روايات محفوظ، ويقدم كل شخصية ودورها في عمل محفوظ، فبهية أبعد عن حميدة وبالمثل عايدة عشيقة كمال، وزهرة معشوقة روّاد ميرامار. ويوازي بين اختفاء عاشور الناجي الذي كان السبب وراء رحلة الحرافيش لتأسيس العدل في الحارة كما أسسها هو، ومن ثم يتساءل كبرياء هل يكون اختفاؤه (أي أعماله) له معنى مشابه؟ التماهي يصل إلى درجة الحوارية مع شخصيات محفوظ فيصحب كبرياء رادوبيس في نزهة في النيل، ويلتقي في القبو بالكثير من شخصيات محفوظ ويحادثها، فكان يلتقي أحمد عاكف وقضى معه وقتا يتحدثان في شؤون الدنيا والحياة، لكن كبرياء لم يشعر تجاهه بجاذبية، فقد بدا له متحفظا وأقرب ما يكون للموظف التقليدي، ومن الشخصيات النسائية زنوبة في الثلاثية وزينات في الحرافيش، ثم التقى زينب دياب بطلة الكرنك، فما إن يأتي اسمها يستدعي معلوماته عنها من الرواية وفقا لخطاب محفوظ عنها “أبوها بياع لحمة رأس وأمها في الأصل غسالة، ثم صارت دلالة بعد كفاح طويل..” (الكرنك، ص319) بل حتى أنهما يتحاوران عن دورها كمخبرة بعد أن خرجت من المعتقل، فيقول على لسانها وهي متوجها بخطابها إلى كبرياء “خرجت من المعتقل وأنا اعتبر نفسي عاهرة، وأصبحت مخبرة سرّية، لأنهم هددوني إذا لم أستجب لهم، وقد اعترفت في الرواية، وقلت إنني أحتقر نفسي لأنني أصحبت جاسوسة وعاهرة” (ص322). كما ترد مقاطع شبه كاملة من الحرافيش وأصداء السيرة الذاتية، وبداية ونهاية وميرامار، علاوة على حضور الحرافيش أبناء الجبلاوي وأحاديثهم مع كبرياء في القبو.

ظل البيضاء

ما فعله إيمان يحيى في مروية “الزوجة المكسيكية”، التي هي بمثابة كتابة على كتابة لرواية البيضاء، أي إحياء بالكتابة لنص قديم. فالحكاية الإطار التي دارت حولها الرواية تدور في فلك الرواية المتناصة معها، وكأنها تستعيد وقائعها وشخصياتها من خلال رؤية أشخاص آخرين. ومن ثم تمتثل الرواية لمفهوم الراوية الشارحة، أو القص الشارح بامتياز، فعبر سرد يتوازى مع رواية البيضاء التي نشرها يوسف إدريس في حلقات بجريدة الجمهورية عام 1959، عبر بطلي الرواية: سانتي ويحيى طه تارة وتارة بالمقتطفات التي يضعها الراوي كاستهلال لفصول الرواية التي تبلغ 23 فصلا، والتي تأخذ وظيفة جديدة في النص، حيث تتراسل مع أحداث الوحدات السردية، وتكاد تكون إضاءة للوحدة السردية التالية، وكاشفة لطبيعة العلاقة الشائكة التي يرويها الطرفان يوسف وروث بالتبادل عن اللقاء والزواج وصولا إلى الانفصال.

وأيضا عبر بحث الطالبة الأميركية سامنثا الذي كلّفها به الدكتور سامي جميل، أستاذها في الجامعة الأميركية، إلا أنها تفتح أمام الأستاذ الباب على مصراعيه، على أسرار قصة حب يوسف إدريس، ثم تفسح المجال ليوسف إدريس نفسه ليحكي عن طفولته ودراسته وعلاقته بالمنظمات السياسية واليسار المصري. ومن ثم تزاوج الرواية بين الواقعي والخيالي لدرجة أنها تبدو وفق كلام الراوي/الدكتور سامي جميل في مستهل الرواية وهو يتحدث عن رواية البيضاء “رواية عجيبة وفريدة.. الخيالُ فيها واقع حقيقيٌ، والواقعُ فيها غارِقٌ في الخيالِ.

يمحِى الحد الفاصل بينهما، فلا تعود تعرف أيّهما هذا وأيّهما ذاك”. ومن ثم تأتي الرواية الجديدة لتكشف عن حقيقة العلاقة بين سانتي ويحيى طه، التي كانت مبهمة في البيضاء، بل تعمل على ردّ الأسماء إلى مرجعيتها، عبر حكاية يوسف إدريس بروث إليفيرا ابنة التشكيلي العالمي دييجو ريـفيرا من أشهر فنّاني الجداريات في العالم، والتي التقاها يوسف إدريس حقيقة في مؤتمر أنصار السلام بفيينا. وكان الوفد المصري يضم عبدالرحمن الشرقاوي وعبدالرحمن الخميسي وكامل البنداري إضافة إلى السيدتين سيزا نبراوي وإنجي أفلاطون في ديسمبر 1952، أما هي فكانت بصحبة أبيها.

في الأصل استقى مؤلف الرواية الدكتور إيمان يحيى هذه المعلومة التي كانت المهاد الحقيقي للرواية، من كتاب الباحثة الروسية فالريا كربيتشنكو “يوسف إدريس: خفايا الإبداع″، وهو البحث الذي كانت تعده عن أعمال يوسف إدريس، وقد أشار إيمان يحيى إليها في مقالة بعنوان “قصة الحب الأول في حياة صاحب الحرام”. وقد أشارت كربيتشنكو في الفصل السادس من الكتاب وقد عنونته “البيضاء رواية الاعتراف” إلى هذه العلاقة التي حدثت بين إدريس وروث فتقول “البيضاء رواية خاصة للغاية، تعكس تجربة حياة وطبيعة نفس كاتبها. يشبه يحيى يوسف إدريس.

إن قصة حياتهما في جوهرها واحدة. لقد ولد يحيى وشبّ في بيئة فلاحية، وتعلّم في كلية الطب، وعمل طبيبا في ورش السكّك الحديدية، وانجذب إلى النشاط الأدبي. بل وحتى علاقة يحيى بوالدته تذكرنا بحالة عائلة إدريس. ربما كانت حكاية حب اليونانية سانتي مستوحاة بشكل مباشر من ذكريات إدريس عن زواجه الأول القصير من روث بنت فنان الجداريات المكسيكي الشهير دييحو ريفييرا، التي قابلها في فيينا في عام 1953″. (يوسف إدريس: خفايا الإبداع، ص108). والراوي الدكتور سامي جميل يشير إلى سعيه خلف ظل البيضاء “بحثت عن حقيقة حب يحيى وسانتي. رأيت بأم عيني ظل البيضاء. ذلك الظل المخاتل الذي كلما اقتربت منه، ابتعد عني وهرب. ظل فيه الضوء أكثر مما فيه من عتمة” (الزوجة المكسيكية، ص14).

الإشارة التي أشارت إليها فالريا كربيتشنكو، يستعين بها الدكتور سامي جميل في مستهل روايته، عندما يشير إلى رواية البيضاء وتأثير مؤلفها عليها، وإن كان الدكتور سامي يعمد إلى رد شخصيات الرواية إلى واقعها وفقا لما صرحت به فاليريا، فيشير إلى يوسف إدريس بيحيى طه، بطل رواية البيضاء، فكما يقول “بالتأكيد، كان يحيى، لغالبية أبناء جيلي، كاتبنا المفضل. تفتحت عيوننا في البرزخ الفاصل بين الطفولة والمراهقة على بريق نجوميته، وإبداعاته المبهرة. طوال فترة شبابنا، كنا نتابع بشغف قصصه ورواياته ومسرحياته. لهثنا وراء أفكاره التي يبثها في مقالاته الأسبوعية.

ولعله بكل ثقة الأكثر إبداعا وموهبة بين كتابنا وأدبائنا. طاقته الإبداعية متدفقة، لكنها لا تتسرّب إلى الصفحات بهدوء. هو أشبه بقنبلة انشطارية، لا تعرف وقتا لانفجاراتها المتسلسلة. يفاجئ بتصرفاته قراءه والمحيطين به، بين حين وآخر خارج  نطاق التحكم.. يقترب من السُّلطة، ويظهر في الصفوف الأولى كطاووس منفوش الريش، ثم يبتعد عنها وتجده في مقدمة المعارضين كفارس مشاكس، يبحث عن الأضواء ويطرب لسماع اعتراف الآخرين بعبقريته” ثم يتخلص من هذا التأثير مُدعيّا إن لم يكن يعرف “أن تجربة عاطفة مثيرة تنتظرني وأنا في العقد الخامس من عمري” وما إن يتقدم السّرد قليلا حتى نتعرّف على علاقة الدكتور سامي الذي ترك التدريس في الجامعة مُفضلا الانتداب للعمل في الجامعة الأميركية، بعد أن انتابه الملل من التدريس لطلاب ذوي مجاميع متدنية.

كتاب

لكن علاقته بسمانثا الطالبة الأميركية التي جاءت تدرس الأدب العربي، تعيده مرة ثانية إلى ظل البيضاء، فعندما يختصها بكتابة بحث عن رواية البيضاء، تأتي إليه ذات يوم باكتشاف مَن هي سانتي الحقيقية التي عناها إدريس في روايته البيضاء، وبعد أن يصدها للمرة الثانية يطلب منها أن تخبره عمن الشخصية الحقيقة للسيدة سانتي؟ وبعد أن تلتقط أنفاسها فتقول “من الواضح أنها مكسيكية” وتستكمل “لقد وجدت المؤلف يصارح مستشرقة بأن سانتي في رواية البيضاء، شخصية مستوحاة من قصة وزواج أول له من فتاة مكسيكية” (ص17).

وما بين الحقائق التي تكشفها سامنثا والخيال عبر شخصية الدكتور سامي جميل وطالبته، تتكشف أحداث وأجواء البيضاء، وكأنها شارحة للظروف السياسية التي نشأت فيها الرواية، ومن ثمّ تأتي وكأنها تقدم المبررات على ما فعله يحيى طه والتغيرات التي حلت بشخصيته. لذا يعتبرها الدكتور جابر عصفور “رواية حداثية، تمضي بنا من نقطة الإمكان أو الاحتمال التي تَحدَّث عنها أرسطو لتمضي بها إلى آفاقٍ لا يعرفها سوى خيال الكاتب الذي يؤمن بنقيض ما يراه أستاذه الدكتور ‘سعيد شرابي’ الذي ظل يؤمن بأن كل ما فعله تلميذه الدكتور ‘سامي جميل’ إنما هو خارج النقد الأدبي، وأنه قد يصلح مادة لرواية يكتبها تلميذه ‘سامي جميل’، وهو ما يُنهِي المناقشة بينهما قُرب نهاية الرواية، فيقول له بِحسمِ الأستاذ: “اسمعْ، ما قمتَ به ليس بحثا ولا نقدا، قد يصلح للرواية، اكتُبْها وخلصنا من شَطَطِكَ. اطلقْ عليها ‘ظل البيضاء’.

ولكن ضمير الكاتب الحداثي ووعيه بشخصية ‘سامي جميل’ يدفعانه إلى النقيض، فيخلو إلى نفسه ويبدأ في الكتابة واعدا القارئ بأنه سوف يقول له كل شيء على نحو ما تخيله عن قصة حب يوسف إدريس الأولى، وذلك على نحو يضعنا في عالم من التخييل الذي يسمح لنا بالدخول إليه على شريطة ألا نسأل هل هذا حَدَثَ أم لم يحدث؟ فليس ذلك هو المهم. فالأهم هو السؤال عن إمكان أن تكون رواية ‘الزوجة المكسيكية’ رواية من الروايات الشارحة لرواية غيرها”.

لا شك أن الكُتَّاب المُتناصة نصوصهم مع مرويات سابقة، وقعوا في أسر هذه الروايات. بل كانت هي المُحفِّزة كما أقرّ رسول بطل ملعون دوستويفسكي، وهارون بطل معارضة الغريب، وبالمثل وقع إيمان يحيى مفتونا بالبيضاء وصاحب البيضاء، لأنها كانت رواية جيل. أما إبراهيم فرغلي فيهدي العمل إلى روح نجيب محفوظ “وفاء لمعلم كبير”. ومع هذه التناصية التي لا تغفلها عين، إلا أنهم قَدّمُوا نصوصا جديدة، كشفت أوّل ما كشفت قدراتهم الإبداعية التي جعلتهم يخرجون بحكايات لا تقلّ أهمية عن الحكايات المتناصين معها، والأهم ما أظهروه من حيل تقنية في المزج بين الخطابين القديم والحديث، وتقديم خطاب جديد بامتياز يتماشى مع ظروف العصر الراهن ويتبنى قضاياه التي لا تقل خطورة عن تلك التي حملتها الأعمال السابقة.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.