الصخرة

الأربعاء 2020/11/18
لوحة للفنانة ريم يسوف

إن ركبتم السيارةَ في يوم من أيام كانون الثاني وانطلقتم باتّجاه “تشالوس”، وفي الطريق أمعنتم النظرَ جهة يمينكم، بالقرب من العرائش، عند واحد من تلك المنعطفات الكثيرة، سترون صخرة صغيرة كُتب على سطحِها الأملس الذي يميل نحوكم قليلاً “ماني وتَرانِه، مباركٌ زواجكما”، ولا تعرفون من هو ماني، ومن هي تَرانه، ولا إن كان هناك زواجٌ أم لم يكن، وإن كان مباركاً أم لا، وهل هما كتبا ذلك على الصخرة وذهبا أم آخرون كانوا يسوقون قبلهما، توقفوا لبرهة، وكتبوا ذلك مشاكسة أم مباركة لزواجهما لكي يرياه مستغربيْن حين يصلان، فيشعرا بالغبطة من أنّ سابقيهم باركوا زواجهما.

كما أنكم لا تعرفون إن كان وجود لآخرين أصلاً أم أن هذين الاثنين، اتّفقا على وعد بينهما بعيداً عن الأنظار ودون أن يُسجّل لهما زواج في مكان ما، وقرّرا أن يتّجها نحو تشالوس من أجل أن يكونا معاً، دون أن يهمّهما بأيّ وسيلة يذهبان، سيارة أم دراجة نارية أم حتى سيراً على الأقدام بحقيبتيْ ظهرٍ صغيرتين حشواهما بقليل من الأغراض، وانطلقا. كما لم يهمّهما إن يصلا أم لا. بل كانا يريدان أن يكونا معاً فقط، وأن يجوبا سويةً هذا الطريق وكلّ الطّرق، وكم كانا يتمنّيان ألا تنتهي الطّرقُ أبداً.

وربّما لم تكن هناك سيارةٌ أصلاً، وأحدهما – لا بدّ أنه الشابّ – كانت لديه دراجة نارية أو استعارها من صديقٍ حافظٍ لسرِّ حبّهما ليتذوّقا متعة السفر الذي كانا يحلمان به، ويجرّبانه في الواقع.

“ماني، تَرانِه”..

لا بدّ أن هذين الاسميْن لم يكونا اسميهما، بل خشيةَ مَن كانوا يسيرون خلفهم -كانوا أم لم يكونوا- كتبا اسمين مستعارين ليبقيا وحدهما يعرفان صاحبيهما، دون الآخرين. قال الشابّ مثلاً “ناصر”، فشخصت الفتاةُ ببصرها، وقالت لا، “ماني” أجمل. ثمّ أسمى الشابُّ الفتاةَ “تَرانِه”، فابتسمت.

وربّما لم يكن أيّ شخص أصلاً، بل عابرٌ من المحليّين أو مسافرٌ من بين كثير من المسافرين، كان قد توقّف في الطريق، وأقام في مطعم “آبي”، فكتب هذه العبارة على الصخرة جذَلاً وظرافة، وذهب.

ولكن إن كان الشابُّ والفتاةُ حقيقيّيْن، مثلنا، فعندما تكونون قد وصلتم إلى المنعطف الألف، يكون الشابُّ قد ركن الدراجة إلى جانبٍ، وفتح قدميه إلى الجانبين.. ثمّ نزلت الفتاة. رفع الشابُّ خوذة الأمان عن رأسه ووضعها على المقبض الأيمن للدراجة التي كانت مائلة نحو الأعلى على منحدر جانب الطريق. ثم مسك المقود بكلتا يديه وسحب سانِدَ الدراجة بطرف قدمه نحو الأسفل، وترجّل.

أما الفتاة فجلست على صخرة غطاها الثلجُ، وقرّبت ركبتيْها واحدة إلى الأخرى، وفتحت حقيبة ظهرها، لتخرج شطيرة جاهزة.

كان ذهب الشابُّ نحو الماء المتجمّد، والتقط حفنة من الثّلج. وكانت باردة. نادته الفتاةُ، فالتفت نحوها، ورأى أن يد الفتاة ممدودة إليه وهي تبتسم. ضغط الشابُّ على حفنة الثلج فنتأت شظايا الثلجِ من بين أصابعه. ثمّ تقدّم بهدوء ليأخذ الشطيرة، وجلس جنبها على منحدر جانب الطريق. وكأن المشهد ذاته الذي كانا قد رأياه مراراً في أحلامهما وأخيلتِهما.

بعد أن أكَلا الشطيرة، قال الشابّ: لنذهبْ، فقد يصلون الآن.

ربّما كان يقصد الآتون خلفهما. ولكن، ماذا إن كان أولئك يسيرون أمامهم وليس خلفهم؟ لا بدّ أنهم كانوا في سيارة، وقد لمح أحدُهم الدراجةَ، وخطرت بباله فكرةٌ ما، فباح بها للآخرين مشاكساً، وضحك الجميع. ركنوا السيارةَ إلى جانب، وترجّلوا جميعهم، ليركضوا نحو نقطة قريبة من الصخرة. بحث أحدهم حوالى المكان ليعثر على شيء يمكن الكتابة به على الصخرة. ولم يجد. لم يكن يوجد هناك. حوالى الصخرة لا يمكن أن يوجد إلا الثلج والحصى والنباتات اليابسة. ولكن سائقهم، ربما، كان قد ذهب إلى صندوق السيارة وأتى بعلبة صباغة كانت بحوزته من قبل، وبمجرّد رؤيتها هتف الآخرون مبتهجين. وفي النهاية كتبوا على الصخرة “ماني وتَرانِه، مباركٌ زواجكما”.

لا بدّ أن علبة الصباغة كانت بخاخة، ذات لون أسود، لأن نهاية الكاف في “مبارك” قد تسرّبت قليلاً نحو الأسفل.

وحين وصل الاثنان بعد أولئك، ليس الشابُّ، بل الفتاة، رأت الصخرةَ، وقالت: هل رأيتَ الصخرةَ تلك؟ فردّ الشاب: أي صخرة؟ ثمّ تقدّم ليدورَ قليلاً، بعد إلحاح الفتاة.

“ماني وتَرانِه، مباركٌ زواجكما”.

وربّما كانوا قد كتبوا الجملة بقطعة خشب نصف محترقة. ولكن، إن كان فحماً، كان لابدّ أن يكون قد امّحى حتى الآن. المطر والثلج يغسلان الفحمَ الأسود، والسّوادُ يتسرّب إلى الحافة السفلى للصخرة، ولا يبقى منه سوى بقع سوداء هنا وهناك.

أو في السير المستعجل، وقعت عين الشابّ فجأة على الصخرة، فقال: كم كانت جميلة! ولم ترها الفتاة. ثمّ قال الشابّ: نكتب ذكرى؟ فابتسمت الفتاةُ وقالت: أين؟ بماذا؟ وردّ الشابّ: لا أعرف. ليتنا كنا نستطيع أن نكتب ذكرى!

وربمّا أخرجت الفتاةُ أحمرَ الشفاه ضاحكةً، وقالت: ما رأيك بهذا؟

حينها دقّق الشابّ بعينيه وقال: زهري؟

ويبدو أن الفتاة كان لديها واحدٌ أدكن من الأول. وأيٌّ منهما كان الكاتب أم الكاتبة، لم يكن خطّ يده أو يدها جيداً، فقد وضع النقط صغيرة وكبيرة؛ مثلاً نقطة الزاء كبيرة مقارنة بقوسها.

إن كان عابراً أو مسافراً من المسافرين المعتادين، ربما كان يأتي كلّ عام ويمكث ساعة في فندق “آبي”، ويجلس دائماً خلف الطاولة الموضوعة جنب النافذة؛ ظهره إلى الطريق، ووجهه أمام الوادي ومشهده المغطى بالثلوج البيضاء، ويحدّق في الخارج حيث يهطل الثلجُ، أو لا يهطل.

نادل فندق “آبي” أصبح يعرفه. يأتي بثيابه البيضاء، ودون أيّ حديث، يضع أمامه فنجان شاي ساخن، ويذهب. ثمّ ينظر إليه من خلف المنضدة، ولابدّ أنه يستحضر مرةً أتى لهما بالشاي. حين يشغل الموسيقى، يدور صوت أغنية قديمة في فضاء المطعم الأزرق، فيغطس المسافرُ في الكرسيّ، محدّقاً بالبياض الخارجي.

إذن، لا بدّ أن فتاة ما كانت في حياته، ولا وجود لها الآن. وهو يأتي كلّ عام، ومحتوم عليه أن يأتي لوحده، ويجوب لوحده هذا الطريقَ الطويل الذي يمتدّ بعد كلّ منعطف ومنعطف؛ إلى المنعطف الألف!

متى وفي أيّ عام كانا قد أتيا، وبأيّ وسيلة؟ هذا أمرٌ مجهول. لا يُعلَم إن كان ذلك بسيارة أم بدراجة نارية، بحافلة أم سيراً على الأقدام. وما الفرق؟

ربّما كانوا برفقة أشخاص آخرين. وفي المرة الأولى، لم يتجرّأ الشابّ على قول تلك العبارة أبداً، ولم يستطع إلا أن يصوغها استعارة ويكتبها. وكتبها. خرج بذريعة، وسار حافياً في الثلج، ثمّ عاد. والفتاةُ وحدها رأت يديه مسودّتين. وحين خرجا، التقطت الفتاةُ حفنة من الثلج وأعطتها له. وحين مدّ الشابّ يدَه، رأت السّواد. حين تدعكون الثلجَ البارد على راحة اليد، يزول أثرُ السّواد كلّه. لكنه بارد. وستشعرون بالبرد إثر ذلك.

إن كان مسافراً وحيداً، ربّما كان يريد بهذه الجملة أن يتوهّم أنهما اثنان؛ فتاة وشابّ. والسبب لا يُعرف. لا يمكن أن يُعرف.

وربّما كان ماني وتَرانه الحقيقيان في السيارة. جالسيْن جنباً إلى جنب. يحدّقان في الخارج، وسارحيْن بأفكارهما، أو حزينين من وضعهما، فمرّا من جانب الصخرة دون أن يرياها.

ولكن، ماذا إن كان الشابُّ والفتاةُ متزوجين حقيقة؟ عريساً وعروساً! أو لا، هاربيْن اثنين، تركا كلّ شيء وراءهما. فكان ينبغي أن يسرعا في السير. انطلقا مسرعين إلى هنا. بالدراجة النارية مثلاً. كتبا ذلك، وذهبا. مالا في المنعطفات كلّها، وبسرعة. وحين تجاوزا بعضَ المسافة، عند منعطفٍ أسود، واجهتهما شاحنة من الأمام. تشبّثت الفتاةُ بظهر الشابّ، ولصقت وجهها بكتفه بعينين مغمضتين. بينما الشابّ كان غارقاً في خياله، ولم يرَ ما كان يحدث.

وقع كلّ منهما إلى جهة. سقطا نحو قاع الوادي. اعترض سقوطَ الشابّ جذعُ شجرة يابس. أما الفتاة، فاختفت في بياض الثلج.

“ماني وتَرانِه، مباركٌ زواجكما”.

لا يُستحسن التشاؤم. لابدّ أنه كان ثمة زواج، بهيج، ومبارك؛ بعيداً عن الكوارث والحوادث. كان هناك رقص ودبكات. حلوى وقماش أبيض شفّاف. كانا قد ذهبا في شهر العسل إلى تشالوس، حيث الفيلا العائلية لهما. بسلام وأمان. ولا هم يحزنون. هكذا أفضل! دون ذلك الأسى الكبير الذي يكمن عادة خلف أي مكتوب؛ سواءً على الورق أم على الصخور. وما الفرق؟

 وقد تظنّون أنه لم يكن وجود لأيّ صخرة أصلاً. لكنني رأيت تلك الصخرة! بالقرب من العرائش، قبل المنعطف الألف.

-----

* يُعتبر حسين مُرتضائيان آبكِنار من الأسماء البارزة في حقل الأدب القصصي المعاصر في إيران. ولد عام 1967 في طهران، ودرس الفنون المسرحية في جامعة طهران. أصدر رواية تحت عنوان “العقرب على درج سكة الحديد لأَنْديمِشْك” (2006)، وقد حازت على إحدى الجوائز المرموقة للرواية في إيران عام 2007، وكان قد صدر له من قبل مجموعتان قصصيتان؛ “حفلة الآلات الممنوعة” (1999)، و”العطر الفرنسي” (2003). وقد اختيرت هذه القصة من المجموعة الأخيرة.

درّس آبْكنار كتابة القصة في جامعة طهران، أقام لسنوات ورشة لكتابة القصة خرج منها الكثير من الكتّاب الشباب. حاز عام 2013 على منحة من جامعة هارفارد، ويقيم حالياً في أميركا.

ترجمة: مريم حيدري

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.