صِمامَة محمود وأغنيته الخالدة

الأحد 2020/11/01
لوحة لفؤاد حمدان

كنا مجندين في الجيش وفي أصعب الأوقات. سنوات طالت ما بين قتال شرس وتدريب قاس، سنوات صعبة ونحن في عمر الشباب، فكلنا ما بين العشرين والثلاثين عاما. وفي الأحوال الصعبة يكون الناس في أحوج ما يكون، لمن يمتلكون ظرفا وتفاؤلا فيخففون من قسوة الأيام. وفي كتيبتنا المقاتلة كان بيننا حوالي عشرة يمتلكون هذه الروح الطيبة التي تساعدنا على تحمل مرور الأيام البطيئة. ومن أشهر هؤلاء الظرفاء كان محمود السيد، ومن حسن حظي كنت مع محمود في نفس الفصيلة، أي قريبا منه طوال أيام التجنيد.

الجندي محمود.. ظريف الروح سماره خفيف بلون الدوم. ورغم بساطته وحسن معشره، فهو يمثل الصعيد المصري بعزمه وتشدده وقت اللزوم. مشهور هو ببندين يُضحكان طوب الأرض، أولهما عندما يتشبث بأمر ما، يصير حجريا لا يلين. يقول وهو ينظر إلى أعلى وعيناه كالمكوك تذهبان شمالا ويمينا.. أنا عندي صِمامة أني سأفعل كذا، أو عندي صمامة لن أفعل كيت. حينها نوقن بأنه يعود عن رأيه مهما كانت الأسباب. للعلم.. صِمامة محمود معناها التصميم.

البند الثاني بند يفرحنا ويدفعنا للضحك. محمود يعشق فريد الأطرش، لكن لا يعشق كل أغانيه، أو عددا من أغانيه، لا. محمود يعشق لفريد أغنيته “بقى عايز تنساني” فقط لا غير، ولا يطرب لأيّ أغنية أخرى مهما كان ومهما كانت. وليس له دخل بأيّ مطرب آخر، وكأن كل مطربي مصر والعرب لم يغنوا، بل لم يوجدوا من أصله! فلا تواجد إلا لفريد الأطرش، وكأن فريد الأطرش لم يغن في حياته سوى أغنية واحدة يتيمة هي بيضة الديك.. “بقى عايز تنساني”! ولا يعشق “بقى عايز تنساني” كمستمع فقط، لا. بل هو يغنيها في انسجام واندماج غريبين. أنا وزميلنا نصار أهم مشجعيه، وأهم من يقومان بعمل تجمعات للاستماع إليه، بعد تحضيره نفسيا ليكون المطرب العالمي الذي ليس له مثيل.

بعد مرور حوالي عام كامل، ونحن نستمع لأغنيته التي لا تتبدل، أقنعناه بأن حظه تعس، وإلا فكان يجب أن يكون مطربا عظيما في ربوع مصر، ومعشوقا للبنات والسيدات، لا يجاريه أيّ بحراوي قاهري كان أو سكندري ابن ستين في سبعين، أم لأنك مقيم في الصعيد البعيد كُتِب عليك أن تكون مغمورا؟ محمود يدّعي أنه صدقنا ويندمج في التمثيل، فيلعن الظروف التي وضعته في الصعيد المنسي، وأبعدته عن القاهرة حيث نصار، أو على الأقل في الإسكندرية حيث أتواجد أنا.

حوالي سنتين كان موقعنا الحربي على ضفة قناة السويس بالقرب من مدينة الإسماعيلية، ومجموعتنا كانت تحتل لسان التمساح الممتد طوليا، وعلى يمينه مياه القناة ثم صحراء سيناء، وعلى يساره مياه بحيرة التمساح وخلفها المدينة. بسبب أن عددا من السفن الضخمة المعطوبة ملقاه على جانب، فإن هذا الموقع وقت الاشتباكات، يصير في منتهى الخطورة. خطير لأنه قريب من العدوّ ويمكن التسلل إليه ليلا، وأيضا حين ضرب مدفعية العدو علينا، تصير السفن المقلوبة خطرا مضافا علينا، فالشظايا تضرب فيها وتتوزع علينا في صرخات متباينة، خطورتها لا يتصوّرها إلا من كان بالقرب منها وقت المعارك الشرسة. اللسان به مناطق زرعت فيها حقول ألغام غير مسورة، فنحن نعرف تلك الحقول تماما.

ليلة صيف والقمر ساهر يلقي بضوئه اللجيني على لسان التمساح. هذه الليلة كانت موعد رجوع دفعة الإجازات ومنهم محمود. وقتها كانت هدنة ولا معارك تنشب. محمود قبل أن يصل إلى موقعنا، مر على قرية صغيرة، وعلى الطريق عشة خشبية صاحبها يبيع الشاي والقوة للمارين، وأيضا يبيع أشياء أخرى في السر. محمود عرج على الكشك وطلب كوب شاي ثقيل، ووجد ثلاثة من الفلاحين يشربون الجوزة بالحشيش. عزماه فشرب معهما وانسجم. فتح الحقيبة التي معه، وفيها زواد طعام أتت به أمه له ولزملائه. دجاجة ثمينة محمرة مع بطاطس محمرة. محمود والثلاثة قضوا ساعة مزاج، أكل الدجاجة والبطاطس وشرب الشاي والجوزة بالحشيش تدور عليهم دون توقف. وعرفنا بعدها إنه لم يحرمهم من أغنيته الخالدة “بقى عايز تنساني” وأكد أنهم أحبوا الأغنية أكثر مما يسمعونها من فريد الأطرش ذات نفسه، وأنهم لم يضحكوا ويسخروا منه مثلما نفعل نحن، لأنهم ناس محترمة ونحن لا.

محمود آتي إلى اللسان في هذا الليلة البدرية. الهواء العليل تداخل مع الحشيش الذي يملأ صدره واختلط بدمه ففعل أفاعيل في رأسه. “بقى عايز تنساني. وتزود حرماني، طب إنسى وأنا حنسى. أنا مش حرجع لك تاني. تاااا. ترلالالالا تاا” يمشي متبخترا ويغني في رقة وبصوت منخفض غاية في النعومة، فهو مسطول. ولانسطاله دخل في حقل ألغام. جندي الخدمة الليلية سمع دندنته، فأسرع إليه ووقف عند حدود الحقل المميت، وزعق فيه بأنه داخل حقل الألغام. محمود ينظر إليه ولم يستوعب بلوته إلا عندما كرر له الجندي مقولته لثالث مرة. هنا انتبه محمود وطار دخان الحشيش من رأسه. أتينا له عدوا. شبحه داخل حقل الألغام أرعبنا وبالطبع هو أكثر رعبا منا. صرنا نهدئ أعصابه التي على وشك الاشتعال. نصار أقربنا إليه، صار يرشده كيف يخرج من الحقل، عليه أن يتلفت في حرص، ثم يعود وفي كل خطوه، عليه أن يضع قدمه تماما في المكان الذي وضع فيه قدمه وهو يدخل. عليه أن ينظر في الرمال بتمعن حتى لا يحيد. يعود محمود خطوة خطوة وفي كل خطوة الأعصاب تتوتر، ونحن خارج الحقل مستعدين للانبطاح أرضا في حال انفجر لغم حتى لا تنالنا شظايا اللغم، أما محمود إن داس على اللغم، فسيتحول إلى أشلاء صعب تجميعها. بسلامة الله خرج محمود من حقل الألغام ونال شظايا الضرب منّا غضبا وفرحا بنجاته، فهو حبيبنا أولا، وثانيا هو مطربنا المفضل وأحد باعثي المرح في الغُلب الذي نعيشه.

لوحة للفنان فؤاد حمدان
لوحة للفنان فؤاد حمدان

في الصباح التالي اعترف لنا كيف أنه دخن الحشيش مع ثلاثة من أهالي المنطقة، وأنه بدلا من يأتي لنا بالدجاجة المحمرة والبطاطس المقلية، أخرجها من الحقيبة وأكلها مع الثلاثة هنيئا مريئا، لأنهم أفضل منا خلقا وأحسن منا استحسانا لغنائه، وعلى من يغضب منا من هذه الحقيقة، عليه أن يضرب رأسه في الجدار الحديدي لأيّ من السفن المقلوبة.

وتمضي سنوات وننتقل إلى منطقة صحراوية لإجراء مناورات منهكة. الحر نار، خاصة أننا في قلب الصيف وقلب الصحراء. فصيلتنا خيامها على ربوة صغيرة. في الصباح الباكر نذهب للتدريبات، ونترك أحدنا ليكون حارسا على خيامنا. الحارس يفرح فرحا عظيما لأن بقاءه معناه راحة نهار يوم كامل. وجاء الدور على محمود السيد. في مناوبته كان الحر أشد من المعتاد. حكى لنا محمود الحادثة التي جرت. بقي طويلا بالملابس الداخلية. فانلة حمالات واللباس الداخلي. وفي الظهيرة عليه أن يؤدي شيئا خارج الخيام، الشمس جبارة، فعنّ له أن يرتدي السترة، وهي القطعة العلوية من الأفرول الميداني. رفعه من الأرض وارتداه، وبحظه العاثر، كان عقربان صغيران رابضان داخل السترة. فأخذا في لسعة أحدهما في الظهر والثاني في الصدر. صرخ وخلع السترة وألقاها أرضا وصار يدوس السترة بقدمة الحافية حتى دهس العقربين دهسا، وفورا أخذ في العدو السريع هابطا من الربوة متجها لمركز الكتيبة، يعدو باللباس والفانلة الداخليين عاري الرأس حافي القدمين. المسافة حوالي كيلومتر. العدو على الرمال صعب. وصل للمركز منهكا وفانلته ولباسه مبللان من العرق. أخذ يصرخ.. عقربان عقربان. أخذوه لخيمة الإسعاف ولحقوه بالعلاج وأرقدوه على سرير وهو في تعب شديد.

عدنا في الغروب من التدريب مرهقين تماما. مررنا على المركز. وهناك سمعنا بما حدث فأسرعنا داخل خيمة الإسعاف. محمود على سرير مستلق على ظهره ووجه لم يعد أسمر بلون الدوم، بل أصفر قريبا من لون الكركم. طمأننا الطبيب عليه وتأكدنا أنه لن يموت. هنا بدأنا في سبه سباب المزاح، ومنا من ادّعى غضبا من الحظ الذي تركه حيا، وكان يجب أن يموت لنرتاح منه ومن أغنيته “بقى عايز تنساني”. محمود وهو مستلق يضحك سعيدا بما يناله من سباب ودعوات بالموت. وأخيرا قبل أن نتركه ليقضي ليلته في خيمة الإسعاف، طلبنا منه أن يغني لنا، لكن عليه أن يغني أغنية لأم كلثوم! رفض بإصرار، لكننا ألححنا عليه وتوسلناه، وحلفناه بتربة أمه وأبيه اللذين لم يموتا بعد، حتى رضي أن يغني لنا أغنية لأم كلثوم. اعتمد على كوعيه ورفع جذعه قليلا، نظر إلى أعلى وعيناه صارتا تسرعان للجانبين وغنى لنا.. بقى عايز تنساني.

عبرنا القناة وانتصرنا وانتهت الحرب وجاء موعد تسريحنا من الجيش. كنا في فرح عميق، وفي نفس الوقت في أسى.. فقد فقدنا عدد من زملائنا الذين استشهدوا، واثنين مصابين. لا، لم نكن زملاء، بل أصدقاء، ففترة التجنيد التي طالت، والمواقف العصيبة التي مرت بنا، عمقت فينا صداقة لا تنسى.

لحظات الفراق. كلنا في تشكيلة ساخنة من المشاعر. فرح عارم وحزن عميق وتوتر لا يهدأ. نحتضن بعضنا مودّعين. لا نعلم هل سنلتقي بعد ذلك؟ لا نعلم. بعضنا يحبس الدموع في عينيه، ونصار أفلتت منه دمعتان، أما الذي بكى بكاء هائلا وهو يودعنا، فكان الصعيدي صاحب الصمامة، بكى بكاء مرّا. وافترقنا.. وأنا لم أنسه وموقن أن كل أصدقائنا لن ينسوه، ولن ينسوا “بقى عايز تنساني”. ترى يا محمود السيد، هل تزوجت وأنجبت؟ في الغالب. هل أنت حي أم انتهت أيامك؟ لا أعلم.. إذن، رحمك الله حيا وميتا يا من أبهجتنا حيث كنا في أشد الاحتياج لمساحات من البهجة.

كاتب من النوبة مقيم في الإسكندرية

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.