مدن حجرية

الاثنين 2017/05/01
لوحة: أحمد عبدالعال

في تلك الفترة حدث تغيير كبير في روحها وعقلها وبدأت في عدّ القرون ولي الرجال فقط. وكلما استمرت، كلما كان جسدها يغير شكلا ويأخذ آلاف الأشكال، حتى يصل إلى تكوين وحيد وفريد. ذلك التكوين الذي لم يكن له شكل ولا صورة، إذ أنه لم ينحت بعد على صخرة برية.

الرحلة إلى مصر لم تكن البداية الأولى. كان الدافع والمناسبة أيضا حدثا ثقافيا.

نظم وللمرة الأولى في الإسكندرية مؤتمر عن كفافيس وتمت دعوة جاك بشكل رسمي إلى المؤتمر من قبل أحد المفكرين اليونانيين كان آنذاك يعمل ملحقا ثقافيا ويبحث في الثقافة العربية. كانت ناتاشا تتابع الفاعليات جالسة في آخر مقعد في آخر صف في القاعة حتى يتسنّى لها أن تخرج بسهولة من المبنى، لكنها شعرت بالملل في لحظة حيث يتم عليك نفس الكلام منذ سنوات، أحيانا كان هذا في صالح الشاعر وأحيانا أخرى كان يضره، ثم خرجت إلى الشارع في صحبة رانيا كالعادة التي كان الأمر كله يشعرها بالضجر والملل.

قررت المرأتان أن تخاطرا وتخرجا للسير على كورنيش الشاطئ الضيق للمدينة، الرطوبة نخرت عظامهما، لكن ملابسهما المناسبة حمتهما جيدا، لم يكن الغروب ولا البحر الدافئ ولا عيون الرجال تعنيهما.

كانت أول مرة تتحدث فيها ناتاشا إلى رانيا بشكل اعترافي. قالت لها إنها ملت من الرحلات التي كان هدفها إشباع رغباتها الجسدية، تعبت من عدّ الرجال كما لو كانت مضطرة لدفع فاتورة ما. كان لديها إحساس أن وقت الرحلات في البحر المتوسط كان كافيا عند هذا الحد وأنه يجب أن تبدأ في السفر إلى هناك حيث بدأت جذورها في الاختفاء: نحو المصدر البعيد، نحو الجزيرة العربية.

كانت قد نذرت هذا لأمها ووعدتها؛ أبوها الذي لقي حتفه بطريقة غير عادلة على يد بشر، كان قد وهب حياته للحفريات والبحث في تاريخ مدن ميتة، حضارات مدفونة تحت الرمال، عوالم وثقافات اندثرت ضاعت آثارها للأبد.

كيف استطاع شخص له ديانة أخرى أن يحمل كل هذا الحماس في البحث في تلك الحضارات؟

« كان دائما يقول لي» قالت ناتاشا، وهي تشرب الشاي بالنعناع في ذلك المقهى المزدحم بالرجال، « إنه هو شخصياً لا يؤمن بأيّ ديانة، وأنه يحب أن ينتمي إلى بلاد لها حدود معروفة ومحددة. لكنه كان يتكئ على الجانب الشرقي من العالم، بينما كان يقنعني أن أقول إن جذوري عربية. كان يبحث في جذور وأصول أمّي بالضبط في نفس المكان الذي كان يستحيل فيه البحث وبالأخص في ظل هذه الظروف المعاصرة».

كانت رانيا تسمع وتبتسم. كانت هذه المرأة تدهشها كل مرة بمعرفتها الواسعة وبكمّ المعلومات التي تستطيع أن تستوعبها، بالمخاوف التي تتقاسمها مع الآخرين. لأن ناتاشا كانت تجيد السمع، بل تتلصص وتسترق عندما يظن الآخرون أنهم فقط يغمغمون.

كانت ناتاشا تشعر بالضجر في أوروبا، ملت من الرحلات المتكررة والسنوات التي قضتها مسافرة في تلك المدن مثل برلين ومدريد وروما وبالطبع أثينا. حتى في كاليفورنيا البعيدة عاشت هناك بضعة شهور مع والدها في الفترة التي كان يعمل فيها من أجل شركة أميركية للتنقيب عن الآثار.

بدأوا لأول مرة التنقيب في الأردن، عادوا إلى هناك بعد سنوات عندما أصبحت ناتاشا فتاة كبيرة. وقعت ناتاشا في أسر الصحراء تماما، وفي الفترة التي قابلت أمها أنجلو وأخذها هو تحت حمايته.

في فترة الهروب نحو الغرب كانت على وشك أن تنخدع بطريقة الحياة الغربية اليومية، وفتنة الثراء واللهاث خلف الوقت، وهيستيرية الموضة. عندما انتهت من الدراسة في أثينا، درست تاريخ الفن في برلين، بجوار عمها قسطنطين، عندما عاد والدها لعمله في الحفريات معبأ بالأفكار: كان يحاول أن يربط بين الحضارة اليونانية القديمة والعالم العربي قبل النبوة وربما بعدها بقليل.. وأن يتتبع أثارها ما بعد ذلك في الحضارة الإسلامية..

*

«وبالطبع، إن الشعب الذي يمثل جسرا بين هاتين الحضارتين الكبيرتين، هم النبطيون!».

قفزت ناتاشا واقفة. « جئتيني قارئة ومطلعة يا جميلتي…».

« لقد أجبرتني بعد كل هذه الأيام أن أبحث في المكتبات والإنترنت…».

« كيف بدأت؟».

« بدأت من اسمك، اسمك المستعار أعني، عندما سمعت رانيا تناديك العزّى!».

«أنت مذهلة. لكن رانيا أيضاً سُحرت مما مررنا به في الفترات الأخيرة…».

« العزى مع إلهين آخرين يشكلون ثالوثا إلهيا في التاريخ المبكر للعرب قبل الإسلام. أي في شبة الجزيرة الوثنية…».

قامت ناتاشا بارتياح من على مقعدها وفكرت في أنه لا بد أن يحتفلا بمناسبة الوجهة الجديدة التي اتخذتها علاقتهما. شعرت أنها تخلصت من حمل ثقيل من الأسرار وأن علاقتها بماريانا من الآن فصاعدا ستقوم على أساس جديد. قالت وأكدت أنها كانت باحتياج لهذا التأكيد لأن الحكي من الآن لن يكون عن العشق والرجال، ولكن سيكون محاولة مستمرة لإحياء كل عناصر تلك الحضارة التي اختفت مع رسالة النبي وانتشار الإسلام.

«أنا لست مسلمة، كما فهمتِ. لقد عمدوني في بيروت في كنيسة أرثوذكسية، وهذا كان كل شيء. الآن لا أعتنق أيّ ديانة. الديانات الكبرى لم تجلب سوى الخراب والدمار. ولا أعتقد أو أعتنق أيّ ديانة لآلهة قديمة، أنا لست مع أحد. لكن كان أنجلو يقول لي، بعد هيراكليتو كان يجب أن نتخلص من كل الأشكال الإلهية المتعددة والمشخصنة. لم أصدقه في البداية… كان يجب عليّ أن أسافر كثيرا حتى أتقبل الفكرة. لكن الآن أنا مع العرب، مع بشر الصحراء، مع كل الشعوب التي دمرت وفتتت، مع هؤلاء الذين سلبت منهم هويتهم وتراثهم. أنا مع كل هؤلاء الذين شردوا وأبيدوا، مع كل هؤلاء الذين انسجموا مع صحراء وقلاع الشرق لآلاف السنين ».

«النبطيون كانوا أكثر الحالات غموضا بينهم».

«ليس هم فقط يا ماريانا.. ثلاثة قرون بعد الميلاد اختفت لهجتهم. مثل لهجة تدمر ولهجات أقوام رحل كثيرين…».

« حسنا في الإسكندرية، ما الذي حدث بالضبط في الإسكندرية؟».

فكرت ناتاشا قليلا في صمت. قامت من مكانها وراحت تنظر إلى زجاج المكتبة الذي انعكست عليه صورتها. فتحت إحدى النوافذ وأخرجت كتابا نادرا كان عنوانه الجامع لأقاليم البلاد، وشرحت أن من كتبه هو فارذيسانيس أقدم كاتب مسيحي سوري، الذي تأثر كثيرا باليونانيين.

«كان يتحاور معهم بأسلوب خاص، هكذا قال لي والدي. يتحاور… يا لها من كلمة جميلة…».

والدها، أنجلوس يانوبولوس، كان لديه اهتمام خاص بعلم الفلك وكان يدرس الأجناس العربية البدوية وسكان مدينة حرّان. كان هناك معبد لعبادة القمر. فارذيسانيس درس أيضا اللغة الكلدانية ولكن مع دراسته لعلم الفلك والنجوم قرأه باللغة اليونانية.

«هذا الكتاب الذي ورثته كان كتابا نادرا وثمينا. مليء بالمعرفة المجهولة الضائعة. لكن هذا ليس كتابا…».

جذبت ناتاشا كتابا من الجلد، اتضح فيما بعد أنه مجرد غلاف.

أخرجت منه قطعة حلي من حجر اليشب ووضعتها في ورع على راحة يدها.

*

«بكم تبيعه؟» سأل الرجل العجوز المحني تحت مظلة محتميا من شدة الشمس. زخم من الناس متعدد الألوان، طاولات مليئة بالخيرات، أكواخ آيلة للسقوط، سوق يبدو وكأنه مهرجان للتسوق.

رفع العجوز رأسه ونظر إليها بعين نصف مفتوحة. كان يتكلم بصعوبة، «هذه القطعة من الحلي ليست لامرأة عادية».

قال العجوز فإذا بالمرأة تخطف قطعة الحلي وتنظر إلى شكل المرأة المنقوش ببراعة على قطعة الحجر. رانيا شردت داخل الكوخ وركزت تماما في مشهد المساومة السخيف. فتحت قميصها من شدة الحرارة حيث بدا صدرها الثري. ثلاثة رجال في الجوار راحوا يراقبوا المرأتين، الحرية التي كن يتحركن بها كانت تذكرهم بنساء منطقتهم لكن في النفس الوقت لم يبدين أيّ تحفظ مثل النساء المحليات.

«العزّى!» صاحت ناتاشا عندما خرجت وهي تعلق قطعة الحلي في يدها.

كان العجوز مازال يعد كومة من الأوراق النقدية التي وضعتها بين كفيه هذه المرأة الغريبة، مال كثير، وعندما أخفى المال جيدا داخل جلابيته، تسطح لينام خلف بضاعته فوق حصيرة من الخوص. حاول أن ينذرها وهي تغادر من القوة التي تخفيها قطعة الحلي الثمينة لكنها رفضت أن تشتبك في حوارات أخرى.

«أبي!» راحت ناتاشا تناجي نفسها «خسارة أنه ليس على قيد الحياة ليسعد بما وجدته.. الآن فقط أعرف ما هو هدف رحلتي وإلى أين يجب أن أتوجه وإلى ماذا يجب أن أكرسه…».

« ولماذا لا تحمليه؟» قالت رانيا.

«لأن الإلهة لا بد أن تعود إلى أرضها ولا يجب أن تكون خلف زجاج المتاحف، كان أبي يقول أن ليس هناك أيّ أيقونة لهذه الإلهة، إلا في معبد في الصحراء. لكن هاهنا قد وجدت واحدة. هل تعرفين ما هو الاسم المقابل للعزّى باليونانية؟ أفروديتي!»

«اللات ومناة؛ كانا أكثر غموضا».

« والأخرتان؟»

« اللات ومناة؛ هذه كانت أكثر غموضا»

« بمعنى؟»

«رغم أن هناك شواهد على عبادتها، لم يكن هناك أيّ دليل أو أثر لها. ولا تنظري لهذه القطعة مربعة الشكل، هذا لأنها صناعة رومانية. بالتأكيد الذي صنعها فنان ونشر فنه هذا عندما تفرق النبطيون في أنحاء حوض المتوسط.

وجدت قطعة مماثلة في جزيرة ذيلوس. العرب كانوا يعطون أشكالاً لأوثانهم لكن دون صورة للوجه. كانت الأوثان عبارة عن حجارة وشكلها يشبه التكوين الهرمي…».

« تماما يا إلهتي… لنذهب الآن إلى الفندق فأنا أشعر بالدوار من الجوع والحر».

كان الرجلان اللذان يرتديان الجلاليب الفضفاضة يتبعانهما تقريبا حتى مدخل فندق « سيسل ». فلم يستطيعا الدخول هناك. كانا قد شاهدا مشهد السوق ودفع المال وكذلك جمال الفتاتين ولم يرحلا. أكثرهم مكرا اقترب منهما وعرض عليهما أن يأخذهما لمكان قديم وساحر في المساء، مكان أقدم من المدينة. ابتسمت له ناتاشا فردّ لها الابتسامة فكشف عن أسنانه ناصعة البياض التي برقت تحت الشمس القاسية، تغيب عن أسنانه سنة ولكن لا تغيب عنه الشجاعة.

*

«هل ستبقين هنا لنأكل سويا؟» سألتها ناتاشا. كانت تستعد للاستحمام، كان الحمام مبنيا على شكل قبة يُذكّر بالحمام التركي.

«كانت في أثينا حمامات عمومية تركية كما كان يقول لي أبي، لكن لم يبق شيء من هذا العصر. فعلوا كل ما يستطيعون حتى يمحوا كل أثر شرقي حلّ على البلاد، وانظري إلى قبح المدن هذه الأيام. هل رأيت جمال إسبانيا، أنقذوا بعضها، لأنهم بعد فترة ما، كانوا يخافون هذا الإرث العربي. هل تعلمين أن هناك أوجه شبه بين أثينا ودمشق، لهذا فما زلت أحتملها.. جو أثينا يذهب بي دوما إلى فوضى المدن الشرقية في حوض المتوسط. الماضي ينتقم يا ماريانا….».

«هل لهذا ياناتاشا تحاولين أن تعوضي أو تسددي شيئا من هذا الماضي؟».

«لو تحليتِ بشيء من الصبر، ستعلمين. صدقيني، ليس في نيتي أن أضايقك. قولي لي بصراحة، هل مازلت تتحملينني؟».

ابتسمت ماريانا. دخل حكم مبتسما هو الآخر. « شكرا ياناتاشا» قال وهو يسير بمرح.

طلبت منه أن يقترب ودلكت قدمه من الناحية التي كان يعرج منها. «كيف الحال الآن؟».

« على ما يرام ياناتاشا، شكرا. الحمام جاهز».

لاحظت ماريانا أن الشاب الفلسطيني بالفعل يسير بشكل أفضل، لقد أوفت ناتاشا بوعدها. العلاج الطبيعي بالإضافة إلى القدم الخشبية جعلته يسير بلا أيّ مضايقات أو أصوات.

«حكم، أحضر مناشف للمعلمة أيضا. ستدخلين الحمام معي».

لم تستطع الرفض. تبعتها نحو الحمام، مكان واسع يبرز فيه حوض دائري رخامي. القبة كانت مفتوحة على شكل نوافذ زجاجية مربعة ليدخل الضوء خافتا. قطع من السماء الصافية. بعد قليل سيغطي البخار الزجاج والمكان كله بينما ستقفز المرأتان في حوض الماء الساخن الذي سيفيض منه الماء للخارج. كان أشبه بجاكوزي عصري، بهذا الاسم فقط كان يمكن أن تسميه ماريانا، لكن فيمَ يهم هذا…

بعد قليل فُتح الباب ودخل أحمد بمنشفة كبيرة على وسطه. أخذ قطعة من الإسفنج واقترب من الحوض وبدأ يدلك ناتاشا ثم ماريانا التي استرخت فيما بعد تماما. جعل المرأتين تطفوان على سطح الماء حتى يتسنى له أن يدلكهما بسهولة في نفس الوقت وعلى التبادل. كان يبدو مكتمل الرجولة، كان يخفي تحت الملابس الفضفاضة جسدا رياضيا جميلا شكلته الحياة والمتاعب، خطوط أجساد مثل هذه لا تكون في صالات الجيم الفاخرة.

للحظة يداه الماهرتان غاصتا في الماء الساخن فلم تستطيعا أن تكتما تنهيداتهما. أحمد كان جاهزا غاص في الماء هو الآخر وسبح فوق جسديهما. في البداية شعرت ماريانا به يطفو على الماء ثم شعرت بثقل مضاعف فوق جسدها. حبس أنفاسه بصعوبة وغاص بين قدمي ناتاشا. كان يحرص أن ينظم أنفاسه حتى يدلك المرأتين. راحت ناتاشا لا شعوريا تمسح حول ثديها المنتشي. بعد ذلك شعرت وكأن قطيعا من الأسماك يمر عبر جسدها.

شعرت ماريانا بعد أن خرجت من الحمام أن قدميها قد ذابتا، لكن في نفس الوقت كانت تشعر بخفة شديدة لم تشعر بها إلا بلمسات يد صابات، قد مرت أسابيع منذ آخر مرة شعرت فيها بانتشاء كامل. لكنها قد شعرت بالانتشاء على أيّ حال دون أن تكون في حالة جماع كامل. لكن إذا فكرنا في ما تحمله من إفرازات في ظل وجودها في هذا البيت مع هذا الكم من الرجال…

نظرت إلى نفسها في المرآة وهي تجفف شعرها وتساءلت إلى متى ستعيش في هذه الأسطورة. ولكن مع الأسف، تعبأت المرآة بغيوم البخار قبل أن تصلها الإجابة.

ارتدت فستانا وجدته معلقا على مشجب في خزانة ملابس غرفتها، فستان أنيق قديم التصميم ومحتفظ برونقه تماما. كانت ماريانا قد قالت لها أن تختار ما يعجبها. الغرفة كانت ذات طابع قديم يعود ربما للحرب العالمية، كل الأشياء فيها تقول هذا، السجاد، الستائر التي أعطت روح عصر قديم.

سُمعت أصوات من الصالون. كانت ناتاشا تعتاد أن تدعو أشخاصا ليس لهم سابق معرفة ببعضهم، كانت تقوم هي بالتعارف ثم يصبحون بعد ذلك أصدقاء.

على الطاولة كان بالفعل يجلس تيتو مع صديقين له في الثلاثينات. جاك ورفيق يجلسان بجوارهم. وصابات… بين المدعوين! وكان أحمد يشرف على شابين يحملان الأطباق. راحت ناتاشا تشرف على المطبخ، فكل ما تم طهيه كان تحت إشرافها وإمرتها.

من البداية كان الحديث يدور حول مكان المعرض في الربيع وترتيباته، وكذلك طريقة عرض الأعمال. فاسيليس سيكون مستعدا، غاب اليوم عن المأدبة لأنه كان لا بد أن يذهب على عجل لزيارة أمه المريضة في ثيسالونيكي.

صديقا تيتو الأجنبيان وصلا صباح اليوم وسيمكثان ليلتين فقط في أثينا، ألمانيا هي محطتهما النهائية حيث سيشاركان في معرض كبير للوثائق. رغم هذا استطاعا أن يستثمرا الوقت وتحدثا مع تيتو عن بعض التفاصيل بالمعرض. تحدث إليهما تيتو عن أعمال فاسيليس وشرح لهما الطريقة التي سيعرض بها «الجحيم»، بينما بدا عليهما الانبهار من الطريقة التي وظف بها فاسيليس الموديلات البشرية.

ربيع درس المسرح في الجامعة اللبنانية في بيروت، بلال كان يلعب بعض الأدوار في المسرحيات التي كان ينفذها على فترات. كان يكتب في مجلة ثقافية أسبوعية تسمى «الملحق» حيث كان عضوا بأسرة التحرير.

أحضرا فيديو لأحد عروضهما القديمة التي عرضت في بيروت ثم بعد ذلك في مهرجانات مختلفة في القاهرة وباريس وفيينا وعمان وتونس أيضا.

«يمكن أن نريكم فيديو كنموذج» قال بلال. كانا يتحدثان الفرنسية والعربية عندما يوجهان الكلام إلى ناتاشا وتيتو.

تم سحب أطباق السلاطات العميقة من على الطاولة. أحضروا أطباقا جديدة، فلافل وسلاطات رطبة بالنعناع والبرغل. لحم مشوي وطبق الحلو كان جيلي شيكولاتة بالنعناع والذي لقي الكثير من الثناء مما جعل ناتاشا تفتخر لأنها صنعته بنفسها. لكن حكم ساعد كثيرا في الطهي.. أكدت ناتاشا، وقالت إن الصغير تعلم الطهي حيث كان يرتجل بمقادير بسيطة في البداية.

بدا صابات كالمعاقب بجوار ناتاشا وأمام ماريانا التي كان يتحاشى النظر إليها. بالتأكيد قد عرف عمَّا حدث في الحمام، فدخل في نفس اللعبة هو الآخر، قد صارت البداية، على أيّ حال الآن لم يعد هو الوحيد الذي لمسها. لكن هل سيقتنع أو يقبل أن ماريانا لم تنم مع أيّ رجل حتى الآن في هذا المنزل؟

كان واضحا على صابات أيضا أنه غير معنيّ بما يحدث حوله، كان ملتفتا أكثر لطاقم العمل في البيت أكثر من اهتمامه بكونه يجلس معهم رأسا برأس على نفس الطاولة كأحد المدعوين. لكن لماذا وضعته ناتاشا بينهم؟ لماذا تجعله يجلس مع أصدقائها من المثقفين؟

ليكير، روزيه، نبيذ وقهوة. والوقت يمر. توسلت ناتاشا إلى رفيق أن يقرأ قصيدة والتقطت بسرعة كتابا صغيرا، من ضمن كتب أخرى موضوعة على خزانة الأطباق اتضح فيما بعد أن أغلبها كتب زينة.

«إنه يلقي بشكل رائع…» قال جاك ناظرا إليهم بإيماءة.

بدا أن الجميع يعرف الشاعر السوري كمال أبو ديب ومرثاته « في بابل الأصوات».

في لحظة ما سُمعت أصوات عالية بلغات كثيرة وحينها أجبرت ناتاشا كل مدعو أن يكرر اللازمة بلغته…

وهكذا، وبهذا الشكل سُمعت كل اللغات الموجودة، اليونانية والفارسية والتركية بالإضافة إلى الإنكليزية والفرنسية.

عندما انتهت القراءة، كان لجاج بعض الاعتراضات على الوزن إذ أن لغته كانت تسمع غريبة ونشازا، واتفق الجميع على أن الأمر يختلف عندما يتحول الشعر الشرقي إلى لغة غربية. المزاج الشرقي لليلة والمناهض للغربي استمر مع السجائر والسيجار والسجائر الملفوفة بأنواعها.

«أنا أيّ لغة أتحدث الآن؟» هواجس ماريانا المستمرة ظهرت بينما كانت في طريقها إلى المطبخ لتملأ إبريق الماء. شعرت بذنب عابر تطور إلى صرخات مؤلمة: أبناء عموماتها في كونيكتكت، أصابهم الرعب عندما سمعوا عن جنسية الرجال الذين تتعامل معهم مؤخرا. سمعت صرخات عمتها دوريتاس وهي تقول إنها كانت على وشك أن تذهب إلى مكان الضربة الإرهابية لولا أن شعرت بألم في أسنانها في هذا اليوم المصيري..

ربما أصابها الدوار من النبيذ، إذا أنهم شربوا ثلاث زجاجات حتى الآن. في المطبخ كان أحمد وحكم يشربان شيئا يخصهما، غير مشاركين في الاحتفالية الجارية في الخارج.

تطوع حكم لمساعدتها. كان طيبا ومتواضعا طويل الشعر ممسدا بالجيل، ولد لم تسعفه الحياة أن يعيش طفولته، لكنها أسعفته أن يدوس الأرض الخطأ.

«غدا سأذهب إلى بيتي » قال. سأتكلم مع صديق، سيأتي صديق آخر، قالت ناتاشا…

«ليأخذ مكان من؟ ألا تريد أن تبقى هنا يا حكم؟» سألته ماريانا وهي تقترب منه بشكل وديع. يمكن القول إنها كانت تتحدث مع حكم أكثر حتى تتخطّى ارتباكها من رؤية ووجود أحمد بهذه السرعة وعلى هذه المقربة منها، وكي تتخطى ضوضاء اضطراب مشهد الحمام في ذهنها.

«أنا؟ لا أدري. أنا أريد أوراق، باسبور، أريد عملا، لا اختباء…» حاول أن يشرح لها ليذهب إلى الصالون كي يأتي بأطباق أخرى.

كان أحمد غارقا في التفكير يدخّن. كان وسيما بالفعل وواثقا من نفسه تماما، لكن هذا هو كل شيء. ماذا يمكن أن يكون؟

ضحك لها بمرارة. كما لو كان كومبارس في قصة بالكاد تعنيه. ماريانا التي كانت تفهم الرجال -على الأقل الذين عرفتهم- حتى من طريقتهم في قص أظافرهم، كانت تشعر أنها مسلوبة الأسلحة أمام هؤلاء «الأجانب». حتى لو كانت محملة بكل الحيل والشفرات، كانت كلها تفقد مفعولها. لهذا آثرت الصمت، صمت مرير، تماما مثلما تسمع نكتة بلغة أجنبية ولا تستطيع أن تشارك الآخرين في الضحك. كلما أدركت وتأكدت من هذه المسافة، كلما أصابها الخوف الذي يكاد يتحول إلى رعب، مثل الأزمة الوجودية التي أصابتها في جنازة أمها. لم يكن سوى رفيق من كل الحاضرين الذي استطاع أن يلاحظ هذا الخوف، لكنه تعامل بهدوء شديد، كما لو أن الشأن لا يخصه.

From: antonios@yahoo.in

To: marian@helnet.gr

Subject: Gods Navatean

أختي الصغيرة الحبيبة، جميل أن تذكريني من وقت لآخر. ماذا أصابك؟ وتبحثين عن النبطيين المنسيين وآلهتهم؟ كانت هناك حضارة هامة في جنوب سيناء في 600 قبل الميلاد تقريبا. كانوا رعاة غنم رحّل وتجار قوافل، كانوا يكسبون من التجارة في غذاء الخيل. سكنوا في مكان غنيّ كان حتى وقتها غير مأهول بالسكان بالقرب من البطرة «مدينة حمراء كالوردة، قديمة قدم الزمن».

في عصر المسيح كان للنبطيين مملكة مستقلة، وصل نفوذهم حتى دمشق. رغم العداء والعلاقات الحادة مع الرومان، استمروا في كونهم قوة عربية مؤثرة حتى جاء النبي محمد.

«اللاتو» عند السومريين، تعني الإلهة، وهو لقب لإيرسكيجال، إلهة العالم السفلي. الـهي أداة تعريف مثلما في كلمة « الله» بفتح الألف أو بكسرها وهي كلمة تعني الرب أو الإله، اللات « الإلهة» تضاهي كينونات إلهية عديدة، فاللات بالفعل هي حالة تتطابق والإلهتين أثينا وأفروديتي معا.

يقال إن ربة النبطيين (بنى نبط) كانت العزّى «القوية»، وأنها ظهرت أو نتجت عن كينونة إلهية أخرى خارقة القوى لحضارة كانت تنتشر بشكل مستمر. يوجد نقش لها في جزيرة كو في اليونان. توجد أيضا العزّى في مدينة حرّان. كان هناك اعتقاد بقدراتها.

العزّى كانت ربة ينابيع المياه والخصوبة، أيقوناتها منقوشة في معبد في البطرة. كما أنه يشار إليها في نقش في البصرة على أنها كانت إلهة المدينة، وأن عبادتها استمرت في مكة إلى أن جاء الإسلام. لكن هناك دلائل لعبادة إيزيس وجدت على نقوش النبطيين في مصر. وهذا يدل إلى أين كان يصل النبطيون التجار برحلاتهم وكيف أن عناصر من الإلهة إيزيس قد نقلت إلى إلهتهم العزّى.

ماذا أيضا؟ كانت إلهة الخصوبة والأرض والعالم السفلي. تظهر في دائرة الأبراج الفلكية للنبطيين، تظهر كربة السماء في مخطوطات أثرية كثيرة. في البطرة يوجد عدد هام من الآثار التي توضح أهميتها كإلهة وأهمية عبادتها. بعض هذه الآثار عبارة عن: خاتم ــ ختم منقوش عليه الإلهة عارية، إلهة ترتدي التاج تمثل الأنوثة فوق دلفين، دلافين منقوشة على أفاريز، أصداف منقوشة مهداة إلى أفروديتي.

عموما، كان النساء يلعبن دورا هاما في مجتمع النبطيين. كانت لهن ثروات وكانت شجرة العائلة تنسب لهن.

هل تريدين معلومات أخرى؟ خبريني عمّ تبحثين بالضبط؟ هل مازلت وحيدة؟ ميشيل ترسل إليك قبلات وتتساءل متى ستأتين. تعالي. ألم تملِّي من القطر اليوناني الصغير؟

قبلات،

أنتوني.

ترجمه عن اليونانية

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.