مجدي الشافعي.. 'مترو' الرواية الرائدة

في شباط/فبراير من العام 2008 صدرت أول رواية مصورة مصرية “مترو” لفنان الكوميكس مجدي الشافعي والتي كانت تدور قصتها حول “شهاب” مهندس الإلكترونيات، الشاب الحانق على النظام الاجتماعي والفساد المنتشر في مصر، والذي يقترب بالبلاد من الإفلاس بسبب المنافسة التي يسحق فيها أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة سواهم. يحاول المهندس الشاب الاعتراض على تلك الأوضاع بأسلوب عنيف وهو سرقة أحد البنوك. وفي 6 نيسان/أبريل من العام نفسه الذي كان يوم اعتصام واحتجاج ومظاهرات في القاهرة ومدن أخرى مصرية، تم القبض على ناشر الرواية ومصادرتها، وفي اليوم التالي استدعي المؤلف إلى نيابة أمن الدولة العليا للتحقيق معه، وحول يومها إلى المحكمة لتبدأ إجراءات محاكمته، وقد ألصقت به تهمة مخالفة الآداب العامة، ونشر مواد غير أخلاقية وغير لائقة. حوكم الشافعي وأدين وغُرم مبلغا قدره خمسة آلاف جنيه، وظلت الرواية مصادرة حتى قيام ثورة يناير 2011.

الجديد  محمد الحمامصي [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(110)]

صفحة من رواية مجدي الشافعي بريشته وقلمه
الشافعي صيدلاني، لكن موهبته الفذة في الرسم غيرت مسار حياته، والرسم الكاريكاتيري تحديدا حيث ألف عددا من كتب الرسوم الهزلية التي نشرت مسلسلة في مجلات مصرية وحققت شعبية كبيرة بين الكبار والمراهقين.

اللقاء مع الشافعي يجعلنا نتعرف على تجربته ورؤيته لأهمية هذا الفن وضرورة تعريف الجمهور المصري بجمالياته وتحقيق تواصل مع الفنانين الغربيين.

حول البدايات يحكي الشافعي “بدأت فى عام 2003 في نشر مسلسل للأطفال على صفحات مجلة ‘علاء الدين’ وقصة نشر سلسلة “ياسمين وأمينة” في ذاتها مثيرة كأي قصة مصورة، ففي ليلة صيف رائقة ملنا بظهر كراسينا أنا ووائل سعد على حائط عمارة قديمة في قهوة زهرة البستان بوسط القاهرة، أعتقد أن السماء كانت صافية زيادة في هذا المساء وكانت أفكارنا معها صافية وشفافة وبلا حدود، وجاءت فكرة سلسلة “ياسمين وأمينة”، لم تنشر لي سلسلة كوميكس من قبل، وكنت أرى أنني لا أعرف سوى الرسم الـsemi-life وأنني أميل للكوميكس للكبار.

وائل كانت له تجربة ناجحة مع أحمد اللباد في “علاء الدين”، وقام بتقديمي له، قدمت له معالجات كارتونية للشخصيات ولم تعجبه جميعا، وأمسك بصفحة من كوميكس لم تنشر مرسومة بأسلوب غير معتاد في مصر، كنت فيها متأثرا بالطريقة الفرنسية وأميل إلى الواقعية أكثر من الكارتونية، ولدهشتي فقد انبهر بها، وطلب أن نقدم “ياسمين وأمينة” بنفس الأسلوب.

بعد ثلاثة أسابيع قدمت له نسخة أولية من الحلقة الأولى ففاجأنا بأنها ستنزل الأسبوع القادم “بس الحلقة الثانية لسه ما اتعملتش”، “نحن في موسم الصيف والمبيعات في ذروتها، إذا كنت حتقدر تعملها في المدة دي ننزل الحلقة الأولى وإلا قل لي الآن…”، هكذا رد اللباد، والعرض كان مثيرا إثارة المغامرات نفسها، والتزمت بذلك وكانت تلك السلسلة التي أعتز بها كثيرا، أشكر اللباد ولا أنسى فضله ولا عقليته الإدارية الهائلة و ثقافته الواسعة.

ولكنني كنت دوما أطمح في تقديم قصة مصورة للكبار، ولذلك في عام 2005 بدأت بالعمل كذلك في جريدة الدستور وطور إبراهيم عيسى من عقليتي كثيرا، وكنا قد أرسلنا قصة مصورة، أنا ووائل سعد أيضا، عن العنصرية في بلادنا والرغبة في الهجرة إلى أناس “أحسن مننا!”، وكانت المفاجأة أن اتصلت بنا إدارة من اليونسكو فرع الأفرومتوسطى لتعلمنا أنها ستنشر مع أفضل قصص مصورة لعام 2006 وحصلنا على تقدير اليونسكو حينها.

رواية مصورة

أما روايته “مترو” التي لفتت أنظار غير المهتمين بفن الكوميكس، فتعد أول رواية مصورة مصرية، وذاع خبرها بعد أن صادرها أمن دولة مبارك بدعوى أنها تخدش الحياء العام، لكن في حقيقة الأمر كانت تكشف الفساد والبطالة والفقر، يقول الشافعي “لطالما حلمت بأن أقرأ رواية مصورة في أجواء مصرية أو عربية عموما، إلى أن تحول صديق لي اسمه محمد جبران من صيدلي طموح ورجل صوفي إلى طريد للعدالة، وانتهى به المآل إلى سجين في إحدى زنازين المملكة العربية السعودية.. وجاءت وزارة عاطف عبيد بفسادها الفج وانتصار برلمان كمال الشاذلي ليقضي على أي إرداة مخلصة للإصلاح، واضطر الكثيرون ممن يحلمون بصناعات صغيرة إلى الهروب بعد أن ابتلع الكبار كل شيء، ولكن لهم شركاء في أماكن عديدة…”، كانت حادثة أطلقت شرارتي.

جاءت الرواية متزامنة مع ثورة الرواية المصورة، قدم إدوار سعيد لكتاب القصة المصورة “فلسطين” لجو ساكو، وانطلقت في عنان النجاح “عالم الأشباح” لدانيال كلاوس و”بيرسيبوليس″ لمارجان ساترابي، وكلها أعمال تصل إلى الذروات الأدبية والفنية، كانت شحنتي كبيرة وبعد تقديرية اليونسكو استضافني العملاق محي الدين اللباد ليتعرف على أعمالي، دون أي تعال.. الكبير، كبير، وتصفح أعمالي وتوقف عند صفحات “مترو” الأولى، فسألني عنها، فحدثته عن رغبتي في عمل رواية بالقصص المصورة، فقال “سيب اللي ف إيدك كله وأكمل هذه الرواية”، وقد كان وساعدت المظاهرات ضد التوريث وظهور كتابات المدونين على تصعيد الأحداث وطلاقة الحوار وكانت “مترو”.

ويضيف الشافعي “أعتقد، ومازلت، أن تطور قيم العدالة واستقلالية مؤسسة العدالة هما الحل الأكبر لخروج هذه البلاد من مأزقها، نحن في حالة ظلم اجتماعي وسياسي وظلم في توزيع الثروات والعلوم والحقوق، ومن هنا كانت ‘مترو’، كان المشهد كله يضغط عليّ ولا أستطيع أن أرى بارقة أمل. و’مترو’ كانت متنفسي الوحيد”.

إدانة “مترو”

يعتقد الشافعي أن “الحكم على ‘مترو’ كان بمثابة إدانة للقضاء، بضيق أفقه وعمله كمحلل لنزوات النظام واستخدامه كعصا فى يد الحاكم الدكتاتور، وهزيمة ضميره”. كانت “مترو” تفضح الفساد المستشري والصراع السياسي وتحذر من الفتنة الطائفية، وقد حملت إرهاصات ثورة 25 يناير وتنبأت بجملة النهاية “ما تيجي نطلع بره النفق” بوقوعها.

وهنا يشير الشافعي إلى أن “الرواية لم تفعل شيئا يذكر في تحريك الوعي المصري، على ما أعتقد، بقدر ما حركته مصادرتها واحتجازي.عندها تقول لنفسك: لم تكن ‘مترو’ لتحقق تلك الروح المتمردة أكثر مما حققته مصادرتها. إذن، الأمر يستحق. عندما ترى كل هذا الدعم من الشباب والمدونين.. فالأمر يستحق. عندما يحضر صنع الله إبراهيم إلى قاعة المحكمة طواعية ليشهد في صالحك.. فالأمر يستحق. عندما يكتب عنك جابر عصفور عمودا كاملا في الأهرام بينما تحجب الأهرام أن يظهر اسمي في أي لقاء فالأمر يستحق. عندما يتبنى الناشر محمد هاشم ويصيح بالقاصي والداني ليدعموها.. فالأمر يستحق”.

أن تكون محظوظا

ويرى أن “الكوميكس يمكن أن يبدأ من أول شريط بسيط ضاحك لاذع على صفحات الجرائد، إلى قصص مثل سوبرمان أو ميكي.. ويتطور الأمر حتى يصبح الكوميكس كتابا روائيا.. بدأت أنبهر بهذا الشكل، الرواية المصورة. ‘في تعني فينديتا’ و’سين سيتى’ و’بيرسيبوليس′ و’طريق الشمس′.. ‘كيميائي ببذلة معدنية كاملة’.. وغيرها أعمال رائعة عشت فيها معنى الفن الأصيل. وتمنيت أن أقرأ رواية مصورة بالعربية بها أسماء مثل أسمائنا وشوارع غرائبية لكنها موجودة مثل شوارعنا و.. و.. ولما طال انتظاري ولم يقدم لي أحد رواية مصورة أقرأها، قررت أن أعمل واحدة”.

ويذكر الشافعي أنه محظوظ “محظوظ في العالم الثالث أن يكون لك والدان مثل أمي وأبي، أن تتاح لي مجلات ميكي وتان تان.. محظوظ أن تقع في يدي، صغيرا، ترجمات للإيطالي العظيم هيجو برات، فأكتشف أن الكوميكس ليس عن الهزل فقط، بل هو فن عظيم من الممكن أن يكون البطل فيه شخصا مثلنا يكذب لينجو بحياته.. أحيانا يكون جبانا وأحيانا شجاعا. ومن ثم توالى اهتمامي بالفن، حيث شجعني أهلي على صقل موهبة الرسم بالمراجع والأدوات الفنية القيمة”.

خوض المغامرة

وحول عدم نشر الروايات المصورة في مصر؛ هل ذلك بسبب كون القارئ لم يستطع بعد التعامل معها، أم بسبب أنها تتطلب إلى جانب فنية الكتابة فنية الرسم؟ يأخذ الشافعي بالتجارب التى مر بها كمثال، ويقول “مترو كتبتها ورسمتها، كل مساء بعد عملي وأحيانا أثناءه، لكن لم يكن هناك ناشر مستعد لأن يدفع جنيها واحدا لي لكي أتفرغ وأنهيها، بعدها أصدرنا ‘الدشمة’ مجلة كوميكس حرة وقوية. لم نستطع الاستمرار. ولا مركز هشام مبارك المنتج المتطوع ولا أنا، حيث أنني لست محررا بالأساس″.

ويوضح “أولا النشر: لا وجود لجمهور جديد ولا حلول خلاقة ولا صناعة احترافية متكاملة حتى والقارئ موجود، ثانيا الحرية: القصص المصورة تتطلب جدية إبداع وحرية صناعة والاثنان كانا بها”.

ويرى الشافعي أن فنان الكوميكس لا تكتمل تجربته إلا بنشر أعماله، ومعرفة رد فعل الناس تجاهها.. هو مثل فنان المسرح تماما يقضي أربعة أشهر أو خمسة أو أكثر في البروفات ولا يسعد إلا بالوقوف على خشبة المسرح حتى ولو لليلة واحدة. من هنا أصر دائما أن يكون أسبوع الكوميكس الذي نقيمه هنا بالقاهرة أكبر من مجرد ورشة. الأهم، أن يكون أسبوعا منتجا من التفاعل المشترك بين فنانينا وفنانين من فرنسا ينتهجون مدرسة جديدة في سرد القصة المصورة وهي “أو ـ با ـ بو” وفنانتين رائعتين من ألمانيا.

نهج الـ”أوـ با- بو”

ويوضح نهج الـ”أوـ با- بو” مؤكدا أنه تجربة فريدة تقوم على فرضية أننا إذا تم تقييد حركتنا يكون من الغريزي أن نبتكر مخرجا خلاقا لكي نتحرك. في الكوميكس يضع الفنان على نفسه هذا القيد، فيصدر كوميكس دون كلمات تارة أو يتتبع شعاعا من الضوء يمر بكل الأحداث تارة أخرى كما يفعل مارك انطوان ماتيو بعظمة شديدة، وذلك لكي نسرد قصصنا المصورة بعد أن نضع قيدا يخرجها بشكل أكثر إبداعا وأصالة.

هناك رموز لهذا الفن في مصر من بينهم مثلا معلوف وفواز اللذان تؤكد أعمالهما أن الكوميكس المصري ليس وليد اليوم، وأن له جذورا، حتى لو تقطعت جيلا وراء جيل، وأغلب الأجانب يعتقدون أن روايتي “مترو” هي بداية لهذا الفن في مصر. ولكن تكريمنا في أسبوع الكوميكس لمعلوف وفواز مع وجود مواهب ساطعة الآن مثل محمد صلاح وهجرس ووهبة، ألقى الضوء على حجم المواهب وحيوية حركة فن الكوميكس لدينا.

ويلفت الشافعي إلى أن هناك جيلا جديدا من كتاب وفناني القصة المصورة في مصر ولبنان على مستوى من الوعي والإدراك الكاملين بهذا الفن وتقنياته وأدواته، وأعتقد أن الأمر واعد عندنا، لكن مشاكل النشر تحول دون الحضور اللائق بهذا الفن.


كاتب من مصر