طفل أشقر تحت تمثال القائد الخالد

تجربة رياض صطوف

الجديد  [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(130)]

يعتبر صطوف اليوم واحدا من أشهر رسامي الكوميكوس في العالم
يعتبر رياض صطوف (1978) السوري المقيم في فرنسا من أكثر فناني الكوميكس شهرة في فرنسا، إذ عمل لما يقارب من العشر سنوات في جريدة شارلي إيبدو الشهيرة، قبل أن ينتقل عام 2014 إلى مجلة l’Obs، إلا أن شهرته ذاعت في المنطقة العربيّة في العام نفسه، إثر صدور الجزء الأول من كتابه “عربي المستقبل-الطفولة في الشرق الأوسط 1978-1984″، يليه الجزء الثاني منه في العام التالي “عربي المستقبل 2 –طفولة في الشرق الأوسط 1984-1985″، والثالث عام 2016. ترجمت السلسلة إلى العديد من اللغات، ما عدا العربيّة، كما نال صطوف الجائزة الذهبية في مهرجان أنغلوم عام 2015، عن الجزء الثاني من السلسلة، ومن المتوقع أن تصدر منها عشرة أجزاء مستقبلا.

تحكي السلسلة عن طفولة صطوف في قرية تير معلة السوريّة القريبة من حمص، وتنقله مع أسرته بين سوريا وليبيا، مستعيدا طفولته بصريا، والصراعات التي واجهتها أسرته، ودهشته الدائمة من الهيمنة الكاملة للنظام الشموليّ في سوريا، وتبرز في رسومه خصوصا شخصية حافظ الأسد، الذي شكّلت صوره وتماثيله جزءا من طفولة صطوف.

في “عربي المستقبل” يتعرض صطوف ذو الأب السوري والأم الفرنسيّة للمضايقات من قبل أصدقائه في المدرسة في قرية والده، كونه الوحيد ذا الشعر الأشقر هناك، فوالده الذي أصر على أن يدرس ابنه مع أقربائه، يفاجأ بأن أقران رياض ينعتونه باليهودي بسبب شكله، ويصفونه بالعدو، مشككين دوما بانتمائه وهويته، هو الذي لا يعرف بعد طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، والهيمنة الأيديولوجية المرتبطة به.

شكل صطوف المختلف عن أقرانه (أصابع قدميه الأوروبيتين-شعره الأشقر) جعله عرضة للسخرية الدائمة، لكن إلى جانب النفحة الكوميدية التي يقدمها الكتاب عن طفولة صطوف، هناك واقع قاس يكشفه، كأساليب التربية والترهيب التي شهدها الأخير في مدرسته في القرية السورية، وجريمة الشرف التي طالت قريبته، وقد مرت دون عقاب تركت أثرا عميقا في ذاكرة صطوف، ليكون “عربي المستقبل” بحثا في ظلال الدكتاتورية حتى لو كانت بعض عناصره تقترب من أن تكون ذات لغة استشراقية في كيفية قراءتها لبنية القمع وتجلياته، وتكوين التخلف الاجتماعي، في فن لا ينهض على المفارقات وحدها وإنما على انطباعات طفولية قادرة على توليد الدهشة التي طالما استولت على خيال وعقل وأفكار الطفل صطوف بينما هو يواجه التناقضات والاختلافات الاجتماعية والدينية بين الشرق والغرب.

الرؤية البصرية التي يقدمها صطوف في “عربي المستقبل” قائمة على اختزال الشخوص وإبراز عيوبها، صحيح أن أغلب الأحداث التي مرّ بها صطوف قد تكون متخيّلة، إلا أنها تكثيف لذاكرة السوريين الذين تربّوا في ظل نظام القمع السوري. الملفت أن صورة الدكتاتور حاضرة دائما في ذاكرة الطفل الصغير، سواء أكانت لحافظ الأسد، أو لمعمّر القذافي كما في الجزء الأول، لتكون تعبيرا عن حضور “الأب القائد” المهيمن، وانتهاكه الصارخ للوعي الاجتماعي بما في ذلك وعي الأطفال.

نرى أيضا في عمله الفني موضوعات تعكس صور القسوة في حياة الريف السوري، والتي تتجلى بصورة كوميدية، لنكون أمام كتاب يقدم وثيقة بصرية متخيّلة عما يمكن لحياة طفل أن تكون عليه في ظل نظام شمولي قمعي، من ذلك ما يتعرض له أقرانه التلاميذ من الضرب من قبل المدرسين، كما نرى شح المياه والطعام، إلى جانب الحضور الدائم للمخابرات والمخبرين في مدينة حمص، التي يزورها مع أسرته دوريا، ومعاناة والده الدائمة في تأمين لقمة العيش.

تحولت رسومات صطوف إلى أيثونات فرنسية ولها شهرة واسعة في أوساط الفرنسيين

في “عربي المستقبل” نرى العالم بعيني طفل يشهد على صراع ثقافي، هل ينصاع لرغبة والده الذكوري أم لصوت أمه الخافت المقهور؟، فما نراه ونقرأه يتجاوز كونه كتابا مصورا للتسلية، هو صيغة نقدية تفضح الذاكرة التي نمتلكها عن طفولتنا، ذاكرة العنف المرتبطة بالقمع وتجلياته التي قادت إلى أكبر مأساة إنسانية في العالم اليوم. على أن تضخيم العيوب أو الغروتيسك الذي يلجأ إليه صطوف هو تقنية مرتبطة بالكتب المصوّرة وآلية تعبيرها، إلا أن الجانب السياسي الذي يحمله الكتاب هو ما يجعل هذا التضخيم لا يبدو متخيلا دائما، بل هو حقيقي للكثيرين، وخصوصا للسوريين، كم مرة ضُربنا على أيدينا بقسوة في صفوف المدرسة؟ كم مرة شاهدنا أصدقاءنا يَضربون كلبا أو قطة حتى الموت؟، هذه الأحداث التي تبدو بعيني الطفل غريبة، لا تلبث أن تصبح أمرا اعتياديا، ليطرح التساؤل هنا عن مدى تأقلمنا مع العنف الذي شهدناه في الطفولة.

بالرغم من أن والد رياض دَرس في فرنسا وحاز شهادة عليا وتزوج فرنسية، إلا أنه أسير النزعة الوطنيّة، ويرفض العيش في أوروبا، كونه مؤمنا ببناء الوطن، نراه أحيانا يمتدح الدكتاتور، بوصفه مخلص البلاد من الجهل والاستغلال، وهنا تتضح لوثة الاستشراق التي تطال عمل صطوف، فهو يظهر فقط عيوب المنطقة العربية (سوريا-ليبيا)، ويعتمد على المتخيّل لا الواقعي، لكن هذا لا ينفي أن الكتاب يطرح تساؤلات نقديّة عن حلقات تكوين “المواطن السوري”، إذ يقتحم أشد الفضاءات حميميّة “الأسرة”، ثم المدرسة، والتي تعتبر بداية العلاقة مع العالم الخارجي، وأول خطوة داخل منظومة حزب البعث.

كثيرون من الكتاب والصحافيين وجهوا انتقادات لرياض صطوف، مفادها أنه لولا الثورة السوريّة لما تذكر أصوله وقام بالعمل على سلسلة “عربي المستقبل”، لكن صطوف لا يقدم نفسه كسوري بشكل كامل ولا كفرنسيّ، بل بوصفه هجينا بينهما، ولا يتبنى أيديولوجيا أو نزعة وطنيّة. وهو في أحاديثه وتصريحاته للإعلام يؤكد أنه لا يريد أن ينتهي محصورا في خانة فنان يكتب قصصا هزلية عن العالم العربيّ، وهو في أعماله الأخرى يتناول أحوال الشباب والمراهقة والحياة الجنسيّة كـ”دفاتر إيتسر” و”الحياة السريّة للشبان”.

عاش صطوف طفولته في سوريا وليبيا وهو اليوم يستلهمها من أبرز ملامحها كما انطبعت في نفسه