بقايا شهيق

الجديد  أزراج عمر [نُشر في 01/02/2017، العدد: 25، ص(126)]

لوحة: دارين أحمد
I – اعترافات نيوتن:

لو لم تسقط تلك التفاحة من رحم الشجره

أو ظلت تائهة في الريح مبعثرة نزقه

لرأينا العشب طيورا على غيمة

في أذيالها أكمه

لكن حبّها للأرض وللحجلة الشبقه

أوحى لأناملها لحن الانفصال

عن النقطة الميته

فاستيقظ في الأرض الحدس

وترجلت الشمس

فوق الظل

فاختفى الليل

في البراري، وفاض الزمان ودوّى الصهيل

فاستدارت إلى القرويات الينابيع النادمه

في لمح الهنيهة استيقظ عرس الحلم

وتفتّح في نجمة الرؤيا قوس المعرفه.

بريطانيا 2007

II – ميلوتش ينفخ النهر:

قرب نهر الشيخوخة أدركه الماضي

فتشهّى بحيرات العيون

قال لي ولزوجته بعض اللمسات

وقبض الظنون

حينما هسهست أفعى الرغبة القصوى فينا

ارتدى صمت الزقاق

وألقى عصاه على الذكرى.

وكعادته نفخ النهر، ثم

استدار قليلا وأبعد عنه الضفاف

قال لي: تغريني القوافل وهي تجوب الأصداء

ولها قال: كم يغريني جبل الماء

والغريب الذي يؤنس مرآة الشجره.

انحنى ميلوتش على ظله بغتة وتدلت من كفّه تذكارات

لفَ ريح الحزن حوالي شاربه ورمى شيئا دافنا خلفه

ثمَ صاح: لماذا تنبت أعمارنا في المكان وتنأى

في الزمان؟

ولماذا يرحل الحاضر عنَا قبل الأوان؟

ولماذا يتعب إسفلت الطرقات من الراحلين إلى الحلم؟

قرَب تمثال الرماد ، بكى فقر الكلمات وللنورس السرمدي لوَّح، ولذيل الريح غنى:

آه كم يأسرني برق الخلخال ورقص القرى.

حينما حاصر الشيب اللغات

ألقى قرب نهر الشيخوخة أيَامه

وخطا باتجاه الصقيع.

بريطانيا 2007

III – عادات الغراب:

تخطيط: حسين جمعان

أطلق الصياد رياحا فنأى النسر

وأسراب الحجل

نفخ البرق فضاء فارتجف الوعل.

وتبدد غيم خلف الظلال وحيدا.

فجأة حام في الأفق الرمادي غراب

فانحنى، ثم استدار وقرَّب منقاره من قيد السحاب.

نفخ الصياد شِبَاكًا وظل الغراب

ثابتا مثل نداء الحجر

في الهواء وعلى ظل القباب.

نفخ الصياد رياح الطلقات

فإذا الأرض حزام حول أقفال القفص

وإذا الأفق يغيب.

بهدوء انحنى الصياد وألقى بريش الغراب

في دهاليز الجراب

ومضى يروي للناس حكايا الدنيا العجاب:

سادتي يا سادتي ويا نسوة البدر ويا زهر الشباب

«هكذا، لم يكن يومي أوهام سراب».

بريطانيا 2007

IV- سوق النساء

في «ثيزي رشيد» بيوت من ماء

لا يدخلها جنّ أو خيل هواء

في «ثيزي رشيد» يسير على الأرض الرعد

حافي القدمين ومبلول الشعر

في حواريها رأيت الشاعر يوقد شطَان السحر

قال لي: اتبعني كي نقطف الوعد

فأطعت وسارت معي خيمة النوم

ورأيت غيوما تلبس منحدرًا، ورأيت العدم

يستيقظ من موته.

قال لي: اتبعني، فالصعود يجدّد ذكرى

الوليّ ويدني سعديَة الحلم

في الطريق إليها ينبت ريش للوهم

فأطعت وباركت

حين صرنا أقرب من نبتة الخشخاش

قال لي: كن صديق الكناية واخلع أثواب الحس

دق الطبل كي يرقص في الساحات

الغيم وثعبان الحدس

فأطعت مزاميره وأوى جسدي حجر

يتكلم عشب القروي.

قال لي: كلّم الشمس والروح الناهضه

فأطعت وباركت الريح والربوة الراحله.

حين طوقتني الأضواء وهبّ الماء على الليل

استدرت إليه فرأيت على قبره عشبا يحرس الخيل

وحدائق تسكنها قبَّة تتحاور فيها

النار مع الأقمار الكوفية والنبع البدوي

ومزمار الساحرة الخضراء.

بغتة خرج الينبوع من ثوبه

أشعل الماء

وأدار حوالي البيوت زرافات الغناء

ووراء الغياب رمى بحر الضياء

ثمَ نادى عليَّ وردَت صداه الضفاف: اتبعني.. الجبال، الوحوش، السماء معي، البراري، وخلخال البحر وقيثارة النجم المضيء وعشب الطباق، وضيف اللغات، وقبض الرمال، وجغرافيا البرق القديم معي، اتبعني واخلع عنك سراب قصور الحكم وذل الشعراء وسجن الوظيفة، سر مثلما النهر لمنبعه لا يعود، لتبن لجيل زمانك عاصمة الدهشة، قل للشهداء الذين يخانون مرارا في القبر وفي البرِّ وعلى مرأى حبَّة القمح البريئة، قدَّام مسجد كتشاوة، خلف الستائر، في ثقب الظلام وفي سوق الحرَاش وحنجرة الطير..

اتبعوني فهذا سوق نساء

لا يحضر فيه سوى الله

فأطعت وأبصرت زيتونة تمسح الظلمة عن الطير وتوقظ أغصانها.

بريطانيا – الجزائر 2007

V – عادات سي مولود:

تخطيط: حسين جمعان

اعتاد صديقي أن يوقظ الفجر

ويخيط الروابي مزارًا لليل

اعتاد صديقي أن يدني حلمه نحو النّهر

فجأة نبتت لحبيبته أجنحه

وتوارت تاركة خلفها شمسا خائفه

فبكى حتى سار دربه خلفه وبكى الصفصاف على ركبته

خصلة كانت بيتا

وحقولا للطير.

بريطانيا 2007

VI – عادات السيدة سارة:

تبيع الخيول لكي يتبقّى لديها رنين الصهيل

تبيع الستائر لكي يرتديها الفراغ

وفي الليل ألقت بإبرتها في الظلام.

لسارا مرايا كثيره

وفي ذروة الحلم تخدشها كي يصيب العمى

شرفات الضجر

ومن ثم تهذي كقطتها المرتبكه

وتجمع شمل الشظايا

وتلقي بضفيرتها بين أيدي الرياح

وتبكي طويلاً

طفولتها المكتئبه

وفي الفجر يوقظها شبقها الأبدي

وكالأيل تمشي أمام خطاها

وللعابرين أشارت بأناملها النادمه

وتنأى لكي لا ترى في ثنايا الزوايا

بقايا شهيق الذي اختطف العمر منها

وعلّقه فوق ظل الرمال

وحين تراءت لها زهرة في الرماد

دنت قاب قوسين من عتبات السهاد

وجاءت طيور إليها ونامت.

هيستينغز – بريطانيا 2007

VII – حديقة سي مولود:

مرة في الأسبوع

يشرب الحرّ خمرًا حين يجوع

هكذا اعتاد صديقي مولود أن يلوي عنق النكته

ويداوي جراح الضجر

في الصباح الباكر يدعو الطيور إلى المغفره

ويسمّي ظلا تحرسه المزرعه

عبلة، ويقص له ما رواه الجد القديم عن امرأة

العرش الفاتنه

شعرها مرخي على ضفة مائله

وذراعاها ترتفعان إلى السحب الراحله

حينما يغزوه الملل

يدعو الربوه

كي تقاسمه الجلسه

ورغيف الندم

وبقايا رذاذ الحلم

حين تدرك أيامه صحراء الذكرى

يرتدي زبد الخلوه

وينام على ركبة النهر.

مرت عشرون جبالاً علينا فلما التقينا أراني

قربته الناشفه

واحتمى برماد يدي الحافيه

ثم سار وحيدًا.

الجزائر 2008.