الغرب: إلى اليمين دُرْ!

الأحد 2023/01/01

منذ أعوام واليمين يحقق النصر تلو النصر على يسار فقد بوصلته وما عاد خطابه يجد صدى لدى المقترعين، ولاسيما الطبقات الضعيفة التي باتت تثق في وعود اليمين بمستقبل أفضل، في ظروف شهدت أزمات بطالة لا محالة، ولكنها شهدت أيضًا هزّات عنيفة جعلتهم يرتابون من كل ما هو أجبنيّ. ولئن عزت عالمة الاجتماع إيفا اللوز ذلك إلى انفعالات أوّلها الخوف، الخوف من المهاجرين الذين قد يضيّقون عليهم فرص الشغل ويغيّرون مقوّمات بلادهم الثقافية والعقائدية، ولاسيما القادمين من بلدان أفريقية وإسلامية، فإنّ آخرين، مثل مؤرخ الأفكار فرنسوا كوسّي، يعتقدون أنّ المسألة أعمق من ذلك، وأن لها جذورا تاريخية.

في كتابه “تيامن العالم”، يوكّد كوسّي أنّ نصف القرن الأخير عاش سلسلة من الثورات المضادّة مثّلت نوعًا من الارتداد، فبعد السلسلة التقدمية التي ظهرت في أواسط القرن العشرين، وتميزت بزوال الاستعمار في ثلثي كوكب الأرض، وبروز ثقافة شبابيّة، واحتجاجات طلاّبية وعمّالية، وقيام ما عرف بالدولة الراعية…، حدثت ردّة بداية من السّبعينات، حيث أصبحت الرأسمالية العائلية، والقومية، والحمائية تقوم أساسا على المضاربة والإسهام الماليّ والعولمة، وبات اقتصاد الإنتاج هو نفسه ماليّا يقوم على المضاربة، وبذلك أصبح الاستهلاك هو وحده الذي يحدّد الوجود الفردي والجماعي… وكان انهيار المعسكر الشرقي منفذا تسللت منه الرأسمالية لغزو فضاءات جديدة، فتسبّبت في انتكاسات سياسات التحرر والتقدم في تلك البلدان. في الفترة نفسها، شهدت دول الجنوب نهضة على المستويين الثقافي والاقتصادي، دون تغيير يذكر على المستوى السياسي. كما شهد الكون كله بداية كارثة أيكولوجية بسبب جشع الشركات العالمية العملاقة. ثم تلت ذلك الثورةُ الرقمية التي تعتبر في الوقت نفسه تحولا اقتصاديا وثورة وجودية جعلت حياة البشر كليانيّة، افتراضية، متصلة بغيرها وفردانية في الآن ذاته. أضف إلى ذلك المسائل الهووية الجديدة، ولئن كانت نظرية “صدام الحضارات” دعاية يقف وراءها المحافظون الجدد، فإن ذلك لا يمنع من وجود توترات دينية وإثنية… كلّ ذلك يسير في اتّجاه واحد، هو اليمين، معتدلا أو متطرفا، ليس على المستوى السياسي وحده، وإنما أيضا على مستوى القيم وأنماط العيش ورؤية العالم، وحتى على مستوى الممارسات اليومية. وجميعُها أبعد عن الأشكال الاجتماعية التقدمية للقرن العشرين.

على اليسار، حدثت هوة بين يسار الحكم والتصرف “الفعّال”، إذ كان أكثر تقشّفا وأَمنيّة من الثالوث كلينتون وبلير وشرودر، وبين اليسار النضالي الذي وجد نفسه ممزّقًا بين الإغراء الانتخابي الموهوم كحنين إلى لحظة النصر، وتجند قوى أخرى معارضة لا يساندها ولا يلتقي معها في دوافعها ومراميها، مثل “الوقوف ليلا” و”احتلّوا وول ستريت” و”السترات الصفراء”… أمّا على اليمين، فقد شكل خطّان متناقضان تاريخيا تحالفا إستراتيجيّا: يمين الأسواق والتبادل الحر الرّاديكالي وكراهية الدولة وإلغاء كل حدود العولمة الاقتصادية من جهة، ويمين القيم التراثية والمسيحية والهووية.

كما ذكّر كوسّي بأنّ المذهب النيوليبرالي الذي تم وضعه بعد الحرب العالمية الثانية كان يكنّ كراهية مطلقة للدولة، ولكن الفاعلين الاقتصاديين صاروا أفضل أصدقائها لكونها أنقذت المنظومة النيوليبرالية خلال أزمة الرهن العقاري عام 2008، وتحولت من دولة تقشفية إلى دولة أمنية تقمع التحركات الاجتماعية بدعوى حالة الطوارئ. فبعد أن كانت الدولة عبر التاريخ تحمي وتعوّض وتعلّم وتسعى إلى تحقيق المساواة بين مواطنيها ولو جزئيا، باتت تقدّم للأسواق إدارة تخلت عن وظائفها الاجتماعية بدعوى ترشيد التصرف والحد من التبذير، واعتمدت وظيفة دبلوماسية سياسية في خدمة مصالح المؤسسات المالية والاقتصادية، ووظيفة عسكرية تتراوح مهمتها بين التدخل العسكري في شتى أصقاع الأرض، بدعوى مكافحة الإرهاب، ووظيفة بوليسية من مهامّها الأولى مراقبة عامة للأفراد حيثما كانوا.

ومن مظاهر الانزياح نحو اليمين ما أسماه ميشيل فوكو “البيوسياسي”، وهو مصطلح يلخّص علاقة أشكال السلطة السياسية بأشكال الحياة العضوية والوجودية والأخلاقية والمعيارية، حيث نحت الرأسمالية نحو اتجاهين في الوقت نفسه: المضاربة التي تهز أركان الاقتصاد، وتهمّش العمل، وتضحّي بالإنتاج؛ والعضوي الحميم، من الروح إلى الجنس مرورا بمردودية الوقت المتوافر.

ويَخلص كوسّي إلى القول إنّ ثمّة في الواقع ثلاثة مجالات أساسية انتقلت من اليسار إلى اليمين. أولا، الأمة بوصفها ابتكارًا جاءت به شعوب اليسار وثورات القرن التاسع عشر. ثانيا، الحيوية، التي كانت تجري على اليسار، وبيوسياسة الدولة التقدمية في القرن التاسع عشر (ولو أنّها كانت في الوقت نفسه كولونيالية) تلك التي صارت الآن على اليمين حيث ينبغي أن تكون الحياة مربحة. وأخيرًا، الثقافة: مرحلة ما بعد الحرب، الطليعية، التي لا تنفصل عن التغيير الاجتماعي وزعزعة استقرار القوى القائمة، أعقبها امتداد الثقافة إلى جميع جوانب الحياة، حيث أصبحت الصناعة محرك الاقتصاد العالمي مع توفير فسح من أوقات الفراغ لنسيان توازن القوى.

الباحثة ستيفاني روزا ترى أن اليسار كان ضحية نجاحه، فقد ابتكر أفكارا تبنّاها الجميع. ولئن التقى مع اليمين في الدفاع عن العلمانية والدولة الراعية وتحرير الآداب الأخلاقية، فإنه كسب معركة الأفكار في مجال الليبرالية السياسية، غير أنه تراجع في المسائل الاجتماعية. وفي رأيها أن هزيمة اليسار أيديولوجية بالأساس حيث حاد الفكر النقدي اليساري عن مجراه حين أعلن الحرب على إرث الأنوار دون أن يأتي ببديل. أما المحللة السياسية ليتيسيا ستروش بونار فقد اعتبرت أن اليسار حرص دوما على مكافحة الظلم والتفاوت وعمل على تحرير الأذهان، ولكنه عندما وصل إلى الحكم خذل أنصاره، ولم يحقق ما وعد به، بل خضع للقوى الرأسمالية وصار تقريبا ينفّذ ما ترغب فيه، ولما ترك السلطة ظلت يقاوم لاسترجاع صدقيته المفقودة، فخسر معركة الأفكار حين انتزع منه اليمين مشعل الهيمنة الثقافية.

ومن عجب أن يستلهم اليمين من اليسار أفكاره، فمثقفو اليمين واليمين المتطرف استوحوا من قاموس الشيوعي أنطونيو غرامشي مصطلح “الهيمنة” للفوز بمعركة الأفكار، وهو ما يدل على أن المعركة الأيديولوجية أساسية لدحض هيمنة اليسار وكسب تحالفات جديدة. رغم أن اليمين كان هو المهيمن تاريخيّا إذ استطاع أن يفرض أفكاره على المجتمع في أغلب الأوقات بفضل ما له من قوى رأسمالية ووسائل إنتاج وإعلام، وكان التحدي بالنسبة إليه، منذ إقرار النظام الديمقراطي في فرنسا، أن يقنع ما وراء زبائنه الطبيعيين.

ذلك أن الحقل السياسي حسب المؤرخ جيرار نوارييل ينبني على معسكرين: يمين قومي أمني مقابل يسار اجتماعي إنساني. والصعوبة التي واجهت اليسار أن الاجتماعي يتحدد على الدوام بالقومي، حيث تستند السياسة إلى قاعدة وطنية قومية، وأن إخفاقات الحركة العمّالية طيلة قرنين كان مدارها هذا الرهان. فقد لاحظ أن “العالمية الاشتراكية الثانية” تصدّعت عام 1914 حين تخلى اليسار عن طموحاته العالمية، حيث صارت الحركة العمالية جزءا من الدولة/الأمة تحت تأثير تأميم المجتمعات. وهو ما جعل من الصعب تجنّبُ أولوية الـ”نحن الفرنسيين”، ووضعُ اليسار، بصرف النظر عن أخطائه الإستراتيجية، في موضع ضعف بسبب ذلك العامل الهيكلي، فاليسار لم يفرض هيمنته إلا حينما وفّق في الجمع بين النضالات الاجتماعية والتزاماته بمقاومة مختلف أشكال العنصرية. فعندما وصل فرنسوا ميتران إلى سدة الحكم عام 1981، مثّل فوزه صورة جلية لإستراتيجية الهيمنة بالمعنى الذي ذهب إليه غرامشي، حيث حقق فوز اليسار تطلعات حركة مايو 68 ومطالبات الطبقة العمالية. ولكن الإكراهات، المالية بخاصة، عند الرضوخ للمنطق النيوليبرالي الذي تزعّمه رونالد ريغن ومارغريت ثاتشر، جعلت حكومة اليسار تقبل منعرج الصرامة عام 1983، فكانت العواقب وخيمة. ولتعويض تخليه عن الطبقات الشعبية، ركز اليسار على المسائل الهووية، وعلى سياسة ثقافية طموحة. ولكن التوازن الذي سمح له ببسط هيمنته اهتزّ، ثمّ زال تماما حين انفصل عن حركات النضال ضد الحيف الاقتصادي والاجتماعي، وانضم إلى مطالب اليمين القومية الأمنية عقب قضية النقاب ثم إثر الأعمال الإرهابية الإسلامية، مع التركيز على ثيمات وافدة من الولايات المتحدة كمقاومة العنصرية وأولوية البيض، وبات يستعمل قاموسا عرقيا لتسمية مشاكل اجتماعية. وهذا من آثار ما أسماه بيير بورديو “العنف الرمزي” حيث يساهم التمييز والعنصرية في تشكيل هوية الأفراد. ذلك أن قوة المهيمِنين تكمن في فرض اللغة التي يثور بها المهيمَن عليهم، فترسّخ في الأذهان والانفعالات بصرف النظر عن معتقداتهم. فكيف يمكن إقناع مجتمع لا تتعدى فيه نسبة السود ثلاثة في المئة إذا تمحور النضال حول عنصرية البيض البنيوية، هذا فضلا عن أن عددا كبيرا من السود لا يقبلون أن يتم تحديد هويتهم انطلاقا من لون بشرتهم!

بوكس

وفي رأيه أن اليسار مدعوّ، في مواجهة هيمنة اليمين، إلى اقتراح تصوّر هوويّ جديد، والفكرة، كما يقول، استوحاها من الفيلسوف البراغماتي الأميركي رتشارد رورتي، الذي أكّد أنه أمام هوس الـ”نحن” ضدّ الـ”هُمْ” لا يمكن الاكتفاء بالحجج والبراهين والبنى العقلانية، بل ينبغي ملامسة الناس بإثارة مشاعرهم، وذلك يمرّ عبر السرديات، أي ابتكار سردية بديلة عن الـ”نحن”، سردية قومية بعيدة عن الرؤية الهووية، تجمع ولا تفرّق، وتقدّم صورة عن فرنسا يقبلها الجميع.

ولكنها أمنية بعيدة المنال في رأينا، لاسيما أن اليمين المتطرف نفسه صار يلقى القبول لدى شرائح عريضة من المجتمع الفرنسي، حيث أظهرت آخر استطلاعات الرأي أنّ قرابة أربعين في المئة من الفرنسيين لا يعتبرون التجمّع الوطني حزبا متطرّفًا، بل إن أكثر من نصفهم يعتقدون أن زعيمته مارين لوبان جديرة بأن تتولى السلطة، على غرار الفاشية الإيطالية جورجا ميلوني. يحصل هذا بعد أن تحرر الخطاب العنصري من عقاله، ولم يعد دعاته يجدون حرجا في الصدع بمواقفهم المعادية للأجانب. وآخر ما تناقلته وسائل الإعلام حوار جمع الكاتب اليميني الرجعي ميشيل هويلبيك بالمفكر ميشيل أونفري في مجلته الإلكترونية “جبهة وطنية”، أكّد فيه هويلبيك أن “الاستبدال الكبير” جارٍ على قدم وساق، ودعا صراحة إلى يمين قومي شعبوي، يطرد كافة المهاجرين والأجانب، الذين لا ينبغي لهم التمتع بالحقوق الاجتماعية ولا الرعاية الصحية، لأنّ فرنسا في رأيه لا تسع إلا شعبا واحدًا يتألف من القوميين وحدهم، أي الفرنسيين البيض. وأضاف في معرض حديثه أن ثمة اليوم من يجهّز نفسه لتحقيق هذا الغرض، عن طريق القيام بما أسماه “باتاكلان” (الملهى الذي هاجمه الإرهابيون الإسلاميون عام 2015) مضادّا يستهدف فيه العنصريون البيض المساجد والمقاهي التي يرتادها العرب والمسلمون.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.