النص المستعاد

طروادة بألف حصان
الاثنين 2024/01/01
عبد الكريم مجدل البيك

I

قبل الشعر وبعده/ قبل الفاجعة وبعدها

من أين يبدأ الحدث بالنسبة إلى الشعر والشاعر وكيف تكون استجابة الشاعر للحدث عندما يكون الحدثُ صارخاً في وضوحه، ثم ملتبساً وصاعقاً وأكثر إدهاشاً مما في وسع مخيلة صياغته من مغامرة في الحدس وأخرى في التوقع.

كيف يمكن للشاعر أن يكون صاحب قصيدة تنتمي إلى الحدث أو تستجيب إلى الحدث أو تعبّر عن الحدث أو تغامر فيه؟

***

ماذا تريد القصيدة أن تقول لصفوف من الأضاحي/ الشهداء في الأكفان، وصفوف من الأضاحي/ الشهداء وقوفاً في طوابير الحياة اليومية لعرب اللحظة الحاضرة؟

ماذا لدى القصيدة لتقول، ما لم يكن قد قيل، وقد انزاحت ستارة الخطاب ما بعد الاستعماري عن الاستعمار نفسه، وستارة الوطنية عن اللاوطني، والحداثي عن أنياب السفّاح، واستيقظ عرب الجهات كلها على حقيقة أن لورنس العرب مازال حياً، وأن أعمدة الحكمة الاستعمارية السبعة صارت 14. وأن الغزاة الذين كانوا يأتون من الخارج، باتوا يخرجون من تحت عباءة الحاكم، وأن حصان طروادة لم يجلب من الخارج وحسب، ولكنه كان هنا في الداخل أيضاً.

ماذا تقول القصيدة أكثر مما تقوله شاشة التلفزيون بينما هي تقطر دماً.. وما من دهشة أخرى غير دهشة الطفل الذي لم يتكلم بعد، الطفل المتروك لفيلم الكرتون. انتهى الفيلم وجاءت نشرة الأخبار، وظل مندهشاً.. لكن الشاعر، بعد الغداء، على الأريكة الأخرى يقرأ جحيم دانتي أو يتفحص بفضول عارفٍ تغطية مزورة لمهرجان ملوّن، أو خبراً في صحيفة عن أنطولوجيا شعرية بالفرنسية أو الألمانية لم يجد اسمه بين شعرائها. ها هو يغضب. الآن يمكن للشاعر أن يغضب، لأن انعدام النزاهة طاله هو أيضاً رغم مكانته القاطعة في المزرعة الثقافية العربية.

***

بأيّ غضب، إذن، سيذهب الشاعر العربي إلى أرض الحدث التلفزيوني العربي. وفي أيّ فضاء ستخفق أجنحة الشعر وقد احتلت فضائيات الوجوه والأقنعة، ثم الأقنعة والوجوه، ثم الوجوه التي هي أقنعة، الفضاء ومداراته.

***

ماذا ينتظر من الشاعر أن يقول في مشهد الأهوال وقد بات مشهدا عربيا يوميا، ماذا في وسع الشاعر أن يقول في وصف صورته الجديدة..؟

***

ثم ما الحدث بالنسبة إلى الشاعر عربياً كان أم باكستانياً؟ أهو حدث المواطن في أرض إلهية جمعت ثقافة الثقافات وأمة الأمم، أم حدث الإنسان في أرض الإنسان؟

عبد الكريم مجدل البيك
عبد الكريم مجدل البيك

ينزل الفتية في الأكفان وتنزلق الأكفان في الحفر، وبأجسادهم المبلولة بالأمل يوسع الفتية أعماق الأرض. وبعد الدفن تذهب الأم إلى وحشة أيامها المقبلة ويذهب الشاعر إلى قصيدته الطفيفة.

هو ذا حدث في المسافة القاتلة بين القصيدة والمصير.

كذب الصديق لا صديق لميت لو كان يصدق مات حين يموت.

حدث 1

للشهيد وجهان: صورة على حائط في منزل إخوته. ووجه غريب في القصيدة.

حدث 2

يموت الفلسطيني في فلسطين ويموت الفلسطيني في سوريا حيث يموت السوري في سوريا، وبين موت وموت يُصطاد الأطفال المشردون في العالم بواسطة الشباك، ويقتلون ويرمون في القمامة، ويقيدون في دفتر العالم بصفتهم هالكين لا وجوه لهم. هؤلاء الأطفال هم شهداء القصيدة اللاجئة.

***

ليس في الحدث هنا ولا في الحدث هناك على أرض الإنسان. رثائية أخرى يضيفها الشاعر على مراثي العصر، ولا نفخة صدر في القصيدة يودعها عند مصور ويدّخرها لمنبر، ومن ثم هناك على الطرف الآخر من صور الشاعر، ليس يصلح تشوّفٌ جنسيٌّ تكون القصيدة الوسيط الشعري والرسالة المبلّغ، ولا عجمة المفجوع بأمّته وفي قصيدته شكل الاغتراب في أمّة أخرى قرّ فيها التحضّر، وتدبَّرته الأشكال الحديثة، وفي وهم شاعر حَدَثٍ أو حداثيّ أن الخفّة هي كل ما تبقى للكائن. ولكنها أيضاً خفّةٌ مترجمةٌ.

وفي مواجهة كل هؤلاء تلوح لنا عصمة المعتصم براسخٍ، ولا عاصم، فالمخلخَل مما رأى الشاعر في وهمه وظنه بعض الرواسي شعراؤه الأولُ أولى بهذا الشعر.. وهم أهل العمود.

عندما تسود الضعة في الأحداث عار على الشاعر أن يتواضع. على الشاعر أن يجأر بأرواح البشر كلها، وليس بروح مفردة، بروح الإنسان، الشاعر مؤتمن على تلك الروح الكليّة التي تحمي روحه المفردة.

***

بشراسة غير مسبوقة سيكتب الشاعر قصيدته، في الأزمنة السوداء، بفأس، أو بلطة مفجوعة يكتب الشاعر قصيدته، أو يسكت.

***

وإذ يستبد الحدث المروّع بالكائنات أليس مما يسرُّ الإنسان أن يتلفت فيجد خلاصاً ما روحياً وله سحره في الناس، وله ناره الكاوية، ونوره المشع في ظلام ما يحدث.

ليس ضرباً من البلاغة، ولا هو ضرب من اكتشاف البلوغ.. ما أقصد، بل إشارة تعوزني إلى بأس الروح إذ يشتعل في ما لا يوصف من صنيع الشاعر وعمل الكلام، شعر لا يفسِّر حدثاً ليصير تاريخاً ولا يصفه حدثُ فيبطل فيه اللغز، لغز الوجود الحي، ونار الأمل في الإنسان.

***

في الخمسينات غاص التموزيون في الرموز، وفي الستينات أورق أمل طفيف، وفي السبعينات هاج الشعراءَ تفجّعٌ، وفي الثمانينات والتسعينات انقلبوا على أنفسهم، وتفجّروا كالشظايا، في الجغرافيا وفي النص، وتوزعوا السنةَ قصائد يوم ويوميات وأيام. وها هم بعد وقت لم يطل، ما أخاله طال، يقفون في القرن الجديد على أرض الشك في كل شيء، أرض الحيرة من كل شيء: من القديم ومن الحديث، من الغالب المتزن، ومن الخفيف المرح المشاكس، من المتشظي عن بنيته ومعه جمالياته (المشكوك بها)، ومن المتماسك في بنية (مشكوكاً به)… وقائمة أطول من الأفعال والصفات طال اقتتالها، عن وهم، وهي في العصب من حاجة الشعر إلى التناقض، فهو سداته ولحمته، شعر، وفي وهم الشعراء أنه خارج القراءة، وفي بصائر النقاد مساحات أدركتها القراءة وحارت هي الأخرى بها!

وما أظن هذا إلا حدثاً رائعاً فهو حدث في برزخ بين عوالم، دراما واعدة، ومنقلب يحمل المفاجآت.

***

وبعد تظهير الصورة كم سيبقى منا نحن الشعراء الذين ملأنا صحف الأحداث الجسام بصورنا وقصائدنا وكلماتنا في الشعر، ولم يأخذ كتاب لنا طريقه إلى مكتبة البيت العربي الكبير. كم سيبقى وكم سيختفي من كل هذا الضجيج؟ سؤال في فراغ ما قبل رؤية الصورة: هل نحن أبناء المغامرة، أم نحن انقلابيون، هل نحن جزء من انقلاب فاشل في تاريخ الشعر، أم جزء من سلطة المعرفة بطبائع الأشياء؟

سنّة الأشياء، عمل الطبيعة بنسلها والروح بآفاقها المجهولة، فهل كنا مغامرين أبرياء، أم مقامرين طارئين يلهون بالمعلوم.

***

صور كثيرة جرحت عيني هذا الأسبوع، صور لوقائع دامية نشرت الموت والخراب في بلاد الشام، من حلب إلى غزة، ومن دمشق إلى الموصل، ومن ثم من بغداد إلى طرابلس الغرب. صور طيّرتها وكالات الأنباء، وعبرت التلفزة والفضاء الإلكتروني، وتصدرت الصفحات الأولى من صحف العالم خلال العيد.

عبد الكريم مجدل البيك
عبد الكريم مجدل البيك

أولاً، صورة الجنين وقد طالته شظايا البراميل المتفجرة وهو في رحم أمه، فماتت الأم، وخرج الجنين إلى النور ممزقاً، فولدً نسياً منسياً، حتى من قبل أن يفتح عينه ويبصر النور. من العتمة إلى العتمة. لكأن نور الحياة ونور الحرّية، قدر يقرره الطغاة لا منحة من الخالق.

بعين مفتوحة وأخرى راحت تغمض رغماً عنها، تابعت مقطع الفيديو الذي حمل لي صورة الرضيع الممزق وقد بات دمه خليط دم أمه. ومزق جسده بعضاً من مزق جسدها.

تنفيذ الوصية

” اذهب واضرب العماليق (الفلسطينيين) ولا تقف عنهم بل اقتل نساءهم ورجالهم وأطفالهم ورضيعهم والأبقار والغنم والجمال والحمير ، ولا تبقِ شيئاً حياً”.

(من نص وصية الرب لشاؤول-العهد القديم).

توقفت طويلاً عند هذه الوصية الدموية، بينما عيناي تتابعان صورة حفنة من الدواب التي طحنتها قنابل الإسرائيليين المقذوفة على مربع غزة، الأشبه بمعتقل جماعي، لا فرار فيه لهارب من الموت المسلط عليه من فوهة تلك الصفحة في العهد القديم، وقد باتت محرقة العصر الحديث.

وبين هاتين الصورتين، صور شتى من مَقاتلَ ومذابح تمتد من بساتين الشام إلى دجلة والفرات في أرض السواد، وقد باتت الأرض كلها أرضاً محروقة، لا نجاة فيها لطالب نجاة، ولا خلاص لباحث عن خلاص. فالزمر الحاكمة نكرات تقود عصابات تأتمر بأمر الجوار الإيراني، وقد سنحت له الفرصة لضرب حسابات التاريخ في حسابات الحاضر، وخلط زمنها بالزمن الإسرائيلي، واقتطاع حصتها الممكنة من جسد الرجل المريض وقد بات هذه المرة العرب الممزقين.

***

دعونا، لا نتحدث في الأخلاق، فهذه باتت أسيرة بيد اللاعبين بأقدار البشر، كباراً وصغاراً عملة باطلة. لنتكلم بالعقل وحده. حالما ينجلي غبار المعركة الأجد، في غزة المغدورة، ستتكشف، لمن لم تكن له عينان ليرى الخيوط التي نسجت فخ المذبحة. سيكتشف العرب أيّ مصالح إسرائيلية وإيرانية تلاقت على دم الفلسطينيين، وكيف حصل أن تفجّر الوضع فجأة في القطاع السجين، بحيث يعاد خلط الأوراق على الرقعة التي تجري عليها المذبحة الإيرانية الكبرى في شعبي العراق وسوريا. على العينين أن تكونا مفتوحتين على أوسعهما، حتى لا تنطلي لا على الفلسطينيين ولا على العرب لعبة اللاعبين بدم أهل الشام والعراق.

لا مناص، من أن نربط ، أقلّه، بين ما يجري، في كل من فلسطين وسوريا والعراق ولبنان، وحتى اليمن. على السوريين والفلسطينيين والعراقيين واللبنانيين وحتى  أهل اليمن أن يبدوا حصافة كبيرة في فهم آليات الترابط بين ما يجري في الجغرافيات الأربع، وفي مقدم ذلك دور إيران كقوة احتلال مزقت الجغرافيتين السورية والعراقية، وتسببت عن طريق مباشر، وكذا بواسطة عصاباتها المبرمجة طائفيا ومذهبيا، في ما آل إليه حال البلدين الكبيرين اللذين انطلقت من عاصمتيهما دولتان عربيتان إسلاميتان شكلتا الجناح الأقوى للإمبراطورية التي خلفت الفرس والروم.

حسابات الحاضر، غير منفصلة عن تراكمات الماضي، وهو ما يملي على إيران دورها في لعبة خلط الأوراق لتحقيق ما تصبو إليه إقليمياً ودولياً عن طريق تحطيم الانتفاضة الأكثر جذرية في بلاد العرب، وإبقاء سوريا المتوسطية رهينة في يدها وورقة مساومة مع القوى الكبرى، وفي هذا السياق يمكن قراءة دور النظام الثيوقراطي الإيراني ومعه نظام الأسد في اجتراح معجزة توليد خليفة للمسلمين على هيئة مسخ دموي، يستنفر في كل من يراه رغبة خفية في وأد الانتفاضة السورية ومعها المظلومية الشعبية المستجدة في العراق. من جهة أخرى إيران منتفعة تماماً مما يجري في غزة، وهذا مفصل يطول الحديث فيه.

إن أي عزل لما يجري في سوريا عمّا يجري في فلسطين وما يجري في العراق هو ضرب من القصور الفكري إن لم يكن ضرباً من الهرطقة.

***

ولو عبرنا شطر مذبحة غزة، فلا مناص أيضاً، من القول إن تاريخ ثورات الحرية كتب بالدم والدموع والآلام، ولم يكتب بالحبر. أقدار الشعوب استحقاقات لا دافع لها، شعوبنا استسلمت طويلاً لجلاديها، تركت نفسها بكل ما تزخر به من طاقات وإمكانات بشرية ومادية نهبا للصوص أنذال ومجرمين عتاة.

تحكم المستبدون بمصائرها حتى قادوها إلى التهلكة. وكان حريا بهذه الشعوب أن تنتفض وتصنع أقدارها، قبل أن تستفحل بها استنامتها إلى العبودية، واسترخاؤها في الذل والفساد، وتنكرها للشرفاء، الذين واجهوا المستبدين مفردين، على مدار نصف قرن من الصراع الاجتماعي/ السياسي، فاستفرد بهم وطحن أعمارهم تحت أبصار كسلى، لم تدرك في حينه أن المصائر المأساوية لهؤلاء الشجعان سوف تدفع أثمانها باهظةً مروعةً شعوب بأكملها.

***

وعلى هذا المنقلب، فإننا في غزة الشام كما في دمشق وحمص وحلب وغيرها من مدن الشام الغارقة في دمها، عشنا ونعيش الخذلان والتخلي من قبل القريب قبل البعيد. فباتت فاتورة الدم من أعمار فتيتنا باهظة حد التراجيديا التاريخية. تركنا الشقيق لقدره الشخصي، ولم ننتبه أن الدم دمنا. معركة المجتمعات العربية لأجل حريتها للتو بدأت، هل نذكر مرة أخرى بالسنوات العشر التي عاشتها الثورة الفرنسية، حتى أمكنها أن تثبت مبادئها، وتجعلها دستوراً اجتماعياً سياسياً وهادياً لدولة المستقبل؟ هل نذكّر بالسنوات المئة من الحروب الأوروبية لفصل الدين عن الدولة؟ على الأرجح أننا نحن ذاهبون إلى معركة مع الاستبداد والاحتلال وجهي عملة الجريمة ضد الإنسانية، أطول وأشد إيلاماً. ولا خيار أمامنا من خوض المعركة المتأخرة لأجل الحرية، بتحرير الإنسان والأرض معا، بل الإنسان قبل الأرض. حتى يمكننا، مستقبلا، أن نتحدث عن شيء اسمه الكرامة.

إنها عاصفة دموية تشمل الإقليم كله، وفلسطين في قلب العاصفة. أما الحديث عن مصائر العرب جميعا في مجتمعاتهم ودولهم، فله مقام آخر.

إنه لضرب من الجنون أن نستغفل أنفسنا إذ نحاول أن نتفادى فكرة أننا نواجه اليوم، في إقليم الشام والعراق، الحصاد المر لغيبوبتنا الجماعية بعيداً عن الحقيقة، ولتخلّينا الجماعي عن حق الفرد باختيار مصيره، وعن واجبات الفرد بإزاء الجماعة الإنسانية. تركنا بعضنا يواجه قدره مفرداً أمام آلة الطغيان، فإذا بقدره المأساوي يصبح قدرنا الشخصي. وإذا بدمه المراق يصبح دمنا المراق.

***

ولنعد إلى جرح غزة المفتوح، مهما بدت الموازين مطففة لصالح الإسرائيليين نازيي العصر، سرّاق الأرض، ستنكسر هذه الحملة الدموية على شعبنا الفلسطيني، كما ستنكسر حملة إيران وعصاباتها على الشعب السوري، علينا أن نؤمن بإمكان تحقيق هذا الهدف، وأن نعمل لأجله، كل بطريقته. لا أبرّئ معبد الجريمة في قم، وقد ساعدت إيران إسرائيل على إقامة هذه المقتلة، ولسوف تتكشف ولو بعد حين للغافلين منا، أبعاد دور إيران وعمق مصالحها المشتركة مع الإسرائيليين. لم نؤمن بالانتفاضة السورية إلا لأنها حق جماعي للسوريين، ولأننا آمنا، من قبل، بالثورة الفلسطينية وبالحرية والحق والكرامة مطالب مشروعة لبني البشر. ولمن يطالب الفلسطينيين بإلقاء سلاحهم عليه أن يعرفوا أن بندقية الضحية المكافحة لأجل حقها لا يمكن أن تنتزع من يدها إلا إذا همدت تلك اليد، كل ما يملكه الثائر اليتيم لأجل حقه وحريته، هو ثورته ومعها رصيده الأخلاقي.

المعركة ما تزال طويلة، وستبقى البندقية الفلسطينية في يد الفلسطيني حتى استعادة الأرض والحرية والكرامة الإنسانية. هذا منطق التاريخ. البندقية الفلسطينية ليست ترفا، لكن وحدة الصف والموقف الوطني الفلسطيني ضرورة ملازمة، وعلى جميع الفلسطينيين أن يعملوا لأجلها، بعيداً عن منطق الأحزاب والفصائل والجماعات المتناحرة، وإلا فإن العواقب ستكون أكثر من وخيمة.

كأشخاص يمكننا أن نيأس وهذا من حقنا، لكن الشعوب عندما تخوض معارك كبرى لا تعود تعرف شيئا اسمه اليأس. شخصيا بتّ أشعر أن يأس الفرد ضرب من الترف النفسي الذي يستبطن أنانية شخصية لا تكترث بآلام الآخرين.

II

سؤال في الحقيقة الأخلاقية

لم يعد قتلاً منسوباً إلى الفظاعات التي أنزلتها الأقدار في بشر، ولا ثأر التاريخ من أمّة، ولا هزء الزمن من قوم. لم يعد قتلاً، لم يعد مجرد قتل أعمى يرتكبه بشرٌ ظلمةٌ نحو بشرٍ مظلومين، أو كثرةٌ متفاخرةٌ نحو قلة مهيضة الجناح، أو قلّةٌ مأفونةٌ نحو كثرة أسيرة؛ هذا الذي يحدث في أرض العرب.

هذا الذي حلّ في أرض الرافدين وزحف على الشام، فأتى على الطفل قبل أن يكون له ذنب، وعلى المرأة وهي تصنع الحياة، وعلى الشابة والشاب وهما يرسمان بالألوان، وعلى الرجل والشيخ والعجوز التي في سرير أيامها الأخيرة، وأخذ في طريقه الحيوان والحجر، وحتى الهواء، هذا الذي خيّم على العراق والشام، وألغى الحدود بين العقل والجنون، مختطفاً إلى جحيمه المهول جغرافيتين هما مهد في الحضارة وهما في أزمنتنا الحديثة أرض الفكرة العربية.

هذا الذي يحدث في المشرق العربي جعل العرب كلهم في مصيدة الأمم. إنه لأمر دُبِّر بليل.

***

بيد المستبد الصغير المأجور عند أمم أخرى اختطف الاستبدادُ، الفكرة العربية وأفسدها. أما وقد تصدعت دولة الطغيان، وتشقق كرسي الطاغية وتهدّمت جدران قلعته عن حريق ودمار يحيطان بها كسوار، فهل نترك الفكرة التي طالما كانت عروتنا الوثقى، وحلماً وهّج خيال الأجيال المتطلعة إلى مكان تحت الشمس لأمّة لم تكن مهملة، ولكنها كانت صانعة حضارة. هل نستعيد الفكرة العربية ولا نتركها مخطوفة، أم نتنكر لها نحن أيضا، ونعمل فيها تحطيماً، ونكون شركاء لمن طالما كان ديدنهم تحطيمها وتفكيك عرى الثقافة العربية والاجتماع العربي، إما لثأر قومي قديم، لبس اليوم لبوس العمامة السوداء، ونادى أشباح التاريخ لتكون صاحبة الثأر من نسلنا الحاضر، أو تحصينا لمشروع لصوصي أقام هيكلا أسطورياً على أنقاض حياة واقعية، ثم رفع بينه وبين العالم جدارا يحميه من قوة الحقيقة.

عبد الكريم مجدل البيك

ها نحن، إذن، شعوب يفترسها غزاةٌ وطغاة وأمّة تنهبها أمم. ولا خلاص من دون اعتراف نسلنا بقوة الحقيقة.

***

وما كان للغزاة أن يبلغوا عتبة البيت ويطأوا بساط الأهل، ويُعملوا السكاكين والبلطات في أعناق الفتية والأطفال، لولا أن الاستبداد أدخل حصانه الخشبي إلى ساحة المدينة وصرنا نتلهى على كراسي المقاهي في حلّ أحجية الحصان وأحجية الاستبداد، فمنّا من سمّاه المستبد العادل، ومنّا من امتدح بدعته الغريبة، ومنّا من نافق وهو عليم، ومنّا من حملته صرخته العزلاء إلى أقبية العذاب والموت.

***

أما وبات الأعداء بين ظهرانينا، وصاروا الحكام الآمرين، يديرون الحرب ضد الناس، ويُنْطِقون الدمية التي أدخلت الحصان إلى البيت، بوصفها صاحبة الأمر، إن في دمشق أو في صنعاء أو بيروت أو العراق، فإنّ زمنا “عربياً” مزيفاً يقدّم لنا نفسه، الآن، ويطالبنا بأن نحني رؤوسنا للغزاة ونرضخ لما حدث، أو فالمصير المشؤوم.

الاثنين 7 سبتمبر 2015

III

طروادة بألف حصان

هل بقيت هناك فرصة لكتابة مقال جديد في التراجيديا الإنسانية؟ مقال يقول جديداً؟ هل بقيت في القاموس كلمات لم يبللها الدم؟ كلمات العقل وكلمات الوجدان، كلمات البيت، وكلمات الطريق، كلمات القاتل والمقتول والمتفرج، ومعها دموع القاموس، كلها غسلت، مراراً، بالدم، ولم تتوقف المذبحة، لتعيدنا كلماتنا وأوهامنا وحقائقنا إلى هاوية التاريخ، وأساطير الغروب. مصعوقين بفكرة الزمن الذي لا يتحرك، الزمن الذي، إن تحرك، فإنما هو يتقهقر بنا إلى الوراء، حيث يربض حجر الإثم الذي كسر به الإنسان رأس الإنسان ليكتب أمثولة الدم.

كأننا في قدر أعمى!

ولا خلاص من هذا الشرك الدموي.

هل بقيت هناك فرصة لإنقاذ ما تبقى؟ هل بقي ما يمكن إنقاذه من روح الفكرة وجسد الإنسان، وقد أطبقت السماء على الأرض، وأظلم الوجود؟ فلا فكر يضيء، ولا أمل يلوح.

ها هي الخارطة، من طرفها في الشرق إلى طرفها في الشرق، تحترق، والبشر، مرة أخرى، يلوذون بالجبال، ومن ورائهم الطوفان. لا ينفلق الصخر ليفتح طريق النجاة لهارب، ولا ترحب الأسطورة بالأقدام المرتجفة فتؤويها إلى كهف، لا كهف يعصم هاربا من الطوفان، في هذا المضارع الدموي، وما من مصير آخر أدنى من الهلاك.

من حلب إلى غزة ومن بغداد إلى دمشق، الزلزالُ يشقِّق الجسد، فيخرج العدوّ من جسد العدوّ، ويخرج العدوّ من جسد الشقيق، فلا تبقى في كتاب الشرق صفحة إلا ومزّقتها أختها، ولا يبقى في أديم الأرض ملمح إلا وفيه قبر لجماعةٍ دفنتها جماعةٌ، وأثر صار أثراً بعد عين.

ينشق الجسد عن نفسه وينهال على نفسه ببلطة الوجود. طوفان من الدم يحمل المقتولين والقتلة إلى هاوية واحدة. دم الإثم يخالط دمَ الحرية، ودمُ البراءة دمَ الجريمة. ومن وراء أقنعة الزمن المضارع، ها هي الكاليغولات والنيرونات تتطاول بأشباحها ومناجلها، كلاب جهنم وأبالسة الجحيم تملأ هذا الشرق، وهولاكو الذي نام في كتاب البيت يرسل أنياب التاريخ في بدن الحاضر.

ماذا يكتب الكاتب، وقد صارت كل كتابة محواً؟

كيف يكتب الزمن الجديد نفسه، وقد بات شرق الأرض بمدنه التي عمّرت التاريخ وأورثت البشر اللغة والمعبد وحبوب القمح حطاما يكتب حطاماً؟

أهي ظلمة العقل أم لعنة الجغرافيا؟

من فلسطين المتروكة في الحطام إلى سوريا المتروكة في الحطام، لا تسمع الأرض سوى أنين الأشلاء، ونحيب الشآميات. أهي لمعة سيف العدو ووجه الغريم بلا شبهة، أم هي طروادة بألف حصان؟

لا تشاؤم العقل ينفع، ولا تفاؤل الإرادة، لا جفاف النظرية ولا اخضرار الشجرة. ها قد استهلك القتلة والمقتولون الأمثولات كلها، وأفلسوا بمصارعهم نظريات العالم.

قاتل يقتل ليفوز بالغنيمة، وقاتل يقتل ليفوز بالعدم. أهكذا يكتب الشرق نفسه، ولا يملّ من التكرار؟

عصبيات وشيع وجماعات، نحلل وملل، وأقوام تتزيّى كلها بأزياء الشرق، وتقرأ كتابه، ولا تشتمُّ في قصصه وحكمه وأمثولاته سوى رائحة الدم.

وعلى شاشة عملاقة لمستشرق عبقري: عرب وفرس وكرد وحطام يهود، آل بيت وساكنو خيام، آشوريون وإيزيديون. شرق تهبّ عليه رياح السموم، وسفينة تطفو على سطح دمها.

وبين حجري الرحى: خطبة الرب لشاؤول قاتل العماليق، ووصية الخميني لنسله الفارسي، تطحن المقتلة أعداءها، الأغيار، هادمي هيكل سليمان وإيوان كسرى. هو، إذن، ثأر الماضي من الحاضر، وانتقام الاشباح من الأحياء. هكذا تبدو الحكاية مرة، ومرات براميل من الدم لقاء براميل من النفط، وقطعة من كتف المدين ثمنا لدين الدائن. والخلاصة: شرق تغرب الشمس في خاصرته الرخوة، لتشرق، أبدا، من وراء البحر على غرب يحصي خسائره وأرباحه بالبراميل. صفَّ الكراسي وجلس يتفرج على حريق اسمه الشرق.

ماذا يكتب الكاتب بعد هذا عن الأمل الذي لا بد منه؟

9  آب 2014

ما سلف هو ما نشر قبل عقد من الزمن، والسؤال الآن: أهو جموح الوعي، أم جمود الزمن ما يجعل اللغة تسبق التاريخ  وتنطق بما سيحدث؟

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.