تكنيك‭ ‬الكتابة

الاثنين 2016/02/01
لوحة إسماعيل الرفاعي

كانت القصة القصيرة وما تزال فن تكنيك الكتابة بامتياز، إذ سرعان ما تظهر فيها عيوب الكتابة القصصية، وتكشف قلة خبرة كاتبها إن لم يكن متمكنا من أدواته، لهذا لا يتألق فيها إلا قلّة من الكتاب المميّزين، ونتيجة لذلك فمكانتها في الوطن العربي وفي العالم لا يمكن إلا أن تبقى راسخة خاصة لدى تلك القلّة من القراء النموذجيين، الذين تستهويهم القصة القصيرة بفنيّتها الإبداعية العالية، والتي قد عرفت كيف تجدد نفسها عبر الزمن القصصي، انطلاقا من الرواد تشيخوف وموباسان وإدغار ألان بو، الذين أرسوا قواعدها المعروفة من بداية ووسط وعقدة ونهاية، والتي بدت معهم أكثر واقعية وعقلانية، ومرورا بكتاب مبدعين جعلوها تنفتح على الحلم والفنطاستيك والغرائبي، وانتهاء بموجة إبداعية استثمرت في كتابتها ما يسمّى بـ”الميتا قصة” أي أنّ القصة تتأمل نفسها وهي تنكتب، كما أنها أوغلت في الاختزال لدى كتّاب بعينهم، فنتج عنها جنس أدبي جديد وهو “القصة القصيرة جدا”، الذي مازال هناك من يعتبره امتدادا للقصة القصيرة وليس منفصلا عنها‭.‬

كما أن هناك مبدعين اهتموا بلغة القصة القصيرة فلم يكتفوا بالإبداع بها فحسب بل راهنوا كذلك على الإبداع فيها، من خلال توظيف لغة تنفتح على أفق الشعر باستثمارها للمجاز بشكل مكثّف، حتى كادت القصة تفقد هويّتها، بل هناك من ذهب نتيجة لذلك إلى الدعوة إلى كتابة عبر نوعية، لا تعترف بالحدود ما بين الأجناس الأدبية، بيد أن تلك الموجة سرعان ما أفلست بعد أن وعى الكتاب بأن في استمرارها إفقارا للأدب بصفة عامة‭.‬

ونظرا لانتماء القصة القصيرة والرواية إلى شجرة السرد الكبرى فإن المقارنة بينهما دائما واردة، وغالبا ما يذهب المتتبعون إلى اعتبار عصرنا هذا عصر الرواية، نظرا للحظوة التي تنالها الرواية من قبل المؤسسات الثقافية الكبرى، وخاصة في ما يتعلق بالجوائز، لكن هذا الكلام يبقى دائما عاما وغير دقيق، فالإصدارات الجديدة مثلا في جنس القصة القصيرة تتفوّق دوما على عدد الإصدارات في الرواية، وهذا أمر دال بذاته، فقط تحتاج القصة القصيرة إلى قليل من الاهتمام، فلم لا تستحدث مثلا جائزة بوكر عربية للقصة القصيرة، خاصة وأنها جنس أدبي جميل، وتعرف انتشارا واسعا -عكس ما هو رائج- فيكفي أن تفتح أيّ مجلة لتجد بين دفتها عددا محترما من القصص القصيرة‭.‬

وقد عبّرت القصة القصيرة عبر تاريخها على هموم الأمة الاجتماعية والسياسية والقومية، ففي مرحلة ما من تاريخها التصقت بهموم المواطن البسيط لتنقل معاناته مع ظروف العيش الصعبة، وانتقلت في مرحلة معينة لتعكس لنا كثيرا من أوجه الصراع العربي الإسرائيلي خاصة لدى كتّابها من فلسطين، كما أن ميدانها الأكبر عربيا هو نقل الهموم الذاتية للفرد المنسحق في جماعة لا تعترف بفردانيّته وحريته ولا تصغي لذبذبات انشغالاته الوجودية والنفسية والفلسفية‭.‬

أما بخصوص مستقبل القصة القصيرة، فأراه انسجاما مع منطق العصر الذي ينحو نحو الاختزال والقصر والسرعة في كل شيء، فهي كذلك سيغلب عليها المزيد من الدقة والاختزال، وبعبارة أوضح فمستقبل القصة القصيرة سيتجسد في جنس القصة القصيرة جدا‭.‬ هذا الجنس الأدبي الذي يكسب كل يوم مساحات جديدة من النشر ومن اهتمام الكتاب والقراء على حد سواء.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.