فارس الذهبي: إنقاذ المسرح

السبت 2020/04/25
البحث عن مسرح جديد في زمن الوباء

يستثمر قرّاء مسرح فارس الذهبي، الكثير من وقتهم أثناء تقليب أوراق مسرحياته الكثيرة، لديه 11 مسرحية، فهو يكتب مسرحاً غير تقليدي بالمرّة، يمسك بك منذ اللحظة الأولى، ضمن بنية غير تقليدية ربّما هي أقرب إلى الروائية أو القصصية، ذلك العالم الذي أتى منه بداية، حيث يختصر الحوار في أدنى درجاته، ويرتفع المونولوج والسرد ليصلا أقصى حدود الفعل على خشبة المسرح، هنالك هوامش بسيطة في مسرحيات فارس الذهبي بين الروي الروائي والروي المسرحي، حتى أن القارئ سيسائل نفسه كيف يمكن لهذا أن يكون يوماً على الخشبة أمام الجمهور، هل يمكننا نقل المسرح إلى تلك الحالة الشعورية، أو إلى تلك اللحظة السينمائية، حيث تتخذ الصورة جلّ المشهد، بينما يتراجع الحوار المسرحي إلى الخلف.

فارس الذّهبي، خرّيج المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، عمل في المسرح منذ 2002، أخرج مسرحيات كثيرة مثل: “حالة محاضرة”، “شيزوفرينيا”، “ريح”، “الساعد الأيسر”، وقدّمت له نصوص كثيرة على المسرح مثل: “ليلى والذئب” 2008 جائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة، “مولانا” التي تعد أشهر نص مسرحي له، والتي قدمت في بغداد ولندن وعمان ومؤخراً في فرنسا حيث قامت فرقة لا سين منصة بجولة أوروبية مع العرض استمر منذ 2018 حتى 2020، من إخراج نوار بلبل كان من ضمنها عروض مهرجان أفينيون 2019.

طبعت مسرحياته في بيروت ودمشق والقاهرة، كان آخرها “زفرة السوري الأخيرة” و”صهيل الحصان العالي”.

إنه مسرح جديد، فعلاً، فيما يلي حوار مع فارس الذهبي أحد أقوى أصوات المسرح السوري المعاصر، وجولة مركزة مع مسرحه وكتابته المسرحية.

أفق جديد

الجديد: هل تعتقد أن طريقتك في الكتابة للمسرح من الممكن أن تندرج تحت التصنيف الأكثر شيوعاً للمسرح أصلاً؟ ولنا في مسرحيتي “صهيل الحصان العالي” و”مولانا” نماذج عن عملك؟

فارس الذهبي: أعتقد أننا نعيش في عصر تتداخل فيه الفنون بشكل كبير جداً، وإلى حدّ بات السؤال عن نقاء العرق الفنّي، مشابهاً للسؤال عن نقاء العرق البشري، ما معنى رواية دون تقنيات سينمائية أو مسرحية، وما معنى الشعر دون استخدام المسرح السردي، السينمائي وما معنى القصة القصيرة دون استخدام المونتاج البصري، الفنون باتت تتداخل بشكل كبير جداً وصار من المستحيل جذب الجمهور إلى الصالات أو إلى الفن نفسه من دون اعتماد تهجين من نوع خلاق يصب في صالح تطور العرض المسرحي. لقد وصل المسرح إلى حائط مسدود منذ أكثر من ثلاثين عاماً، بفضل اللغة الخشبية والأداء القديم، المنافسة غير العادلة مع الفنون الأخرى، فانفضّ الناس من حوله، وبقينا نحن من يعمل في هذه المهنة الساحرة (المسرح)، من ينبغي عليهم ايجاد حلول لإنقاذها. المسرح مثل باقي الفنون مشكلته تكمن في النصوص، في الورق، وحينما نجد نصوصاً جيدة ابتكارية غير مكرورة، نستطيع ضخ الدم في المسرح عن طريق جذب الجمهور الشاب من جديد. من هنا استعنت بتقنيات سينمائية وسردية جديدة لفتح أفق جديد في المسرح، أعتقد أنني كنت أسير وحيداً، ولكنني مستمر، على الأقل على صعيد النص، ورويداً رويداً على صعيد العرض.

الجديد: هل المسرح العربي في أزمة فعلاً؟

فارس الذهبي: المسرح العربي بصيغه القديمة انتهى، وكل ما نراه أمامنا هو تمشيحات، محاولات لسحب جثته قبل دفنها، الفنون العربية كلها دخلت مرحلة السبات، منذ زمن بعيد، لقد قتلها انعدام الحريات، كيف يمكن للكتّاب أن يكتبوا وهم غير أحرار؟ في العالم العربي منذ السبعينات وحتى 2011، وصولاً إلى اليوم والرقابة المجتمعية والدينية تفوق الرقابة السياسية، لا يمكن، كل الأغاني تتحدث عن الحبيب المفقود، كل الأفلام تتحدث عن الحب وقصص معقمة وخالية من الطاقة الحرة، كل الروايات تتحدث عن الأسرة والطلاق والفراق والأجيال وصراع البقاء، كلها تدور في نفس المكان، بينما يجب على الفن أن ينبش في عمق المجتمع، أن يحفر عميقاً في الجنس والسياسة والدين، أن يقلب التراب على ما مضى.

المسرح كما عرفناه انتهى، ونحن نكرّر ما نفعله منذ أربعين عاماً، الفرصة الوحيدة لاستمرار المسرح هي في المسرحيين المتواجدين في أوروبا، ستكون عودتهم إلى سوريا والعالم العربي إحياء للمسرح.

 

حالة تشتت

الجديد: أنت تكتب القصة القصيرة والمسرح لديك مجموعتان قصصيّتان، وعشر مسرحيات، ست منها مونودراما، ما سبب ميلك جهة المونودراما؟

فارس الذهبي: المونودراما هي أساس للفن المسرحي، هي الشكل الأوّل للمسرح في اليونان، هكذا بدأ المسرح، ممثّل واحد يقف أمام الجمهور، ونحن بعد انهيار المسرح، نحتاج لأن نعود إلى البداية، هذا رأيي، أنا أسير في الطريق منذ بدايته، الإنتاج لا يسمح بتمويل كبير، الممثّلون لا يجتمعون، الفنانون متفرّقون، كل في بلد، سيكون الإنسان محظوظاً إن كان يعيش مع ثلاثة أو أربعة فنانين في مدينة واحدة، الكل متشرذم، الجمهور لا يفهم لغتك الأم، من هنا كانت المونودراما عودة، وبداية حقيقية لبناء مسرح حقيقي، يرسم خطاً واثقاً وجديدا مع الجمهور.

تألق سوري

الجديد: هل تعتقد بأنّ الثقافة السورية في أسوأ حالاتها؟

فارس الذهبي: على الإطلاق، الثقافة السورية اليوم في أفضل أيّامها، لكن اذا ما اعتبرنا أن الثقافة هي ما يعاش في الداخل السوري الأسير، فيمكن أن تكون الثقافة هناك كابوسا بروباغنديا، أما عن المثقفين والفنانين الذين يعملون في الخارج، فهم في أفضل حالاتهم الفنية، على الرغم من أنهم في أسوأ أوضاعهم الإنسانية المتعلقة بالهجرة والتشرذم، ولكن الحرية أطلقت قدراتهم الحبيسة، نبّهتهم إلى إمكانات جديدة جعلتهم يتفوّقون على جلّ نظرائهم العرب. السوريون اليوم في جميع المحافل العالمية الثقافية والفنية، يقفون على أشهر وأكبر مسارح العالم، في الأوسكار، في مهرجان كان، في مهرجان أفينيون، في أرفع الجوائز الأدبية، في أشهر عواصم الفن، طبعاً المؤسسة الفنية والمسرحية والسينمائية العربية كان يمكن لها أن تستثمر في حرية هؤلاء الفنانين، ولكنها فضلت الانحياز للأمان الوظيفي، والإبقاء على الفن ضمن أطر السلامة الأمنية المطلوبة، كان يمكن للدراما العربية أن تشتعل من الابتكار الذي حصل عليه السوريون بفضل حريتهم بعد خروجهم من سوريا، ولكن القائمين على الدراما العربية كالعادة يفضلون سياق التفاهة، على اقتحام ميادين جديدة، الرواية السورية تتألق أيضاً.

طبعاً هذا ليس امتيازاً أو انحيازاً للسوريين، ولكنه امتياز للحرية التي فقدت في أغلب العواصم العربية، بدءا من حرية التعبير وانتهاء بالحرية السياسية.

الجديد: قدمت مسرحاً في عدد كبير من الدول، هل وجدت فارقاً في الشكل المسرحي بين هذه المسارح؟

فارس الذهبي: في الحقيقة عملت في أغلب مسارح دول المنطقة العربية وفي الولايات المتحدة وفرنسا، بشكل عام الجمهور يتوق للعمل الجيد، ويتقبّله مهما كان موضوعه، لكن الجمهور عموماً في هذا الزمن المتعب يميل إلى الكوميديا، فهي تبسّط الحياة وتنتهي نهايات سعيدة أو مريحة، بعكس التراجيديا التي يعيشها الانسان يومياً، فهي باتت تتعب المشاهد لأنها تسير في اتجاه واحد، وهو تطهير المشاهد فقط، دون أي فرصة لإيقاظه أو جعله يفكر في واقعه السيء، وهذا أيضاً جزء من عمل وزارات الثقافة التي تخصي كل عمل حقيقي في بلادنا.

b

التصور المسرحي

الجديد: في مسرحية “مولانا” انخرطت حتى النخاع بالأجواء الشامية المعتقة العابقة بالوجد والأولياء والشجن العميق، وفي “زفرة السوري الأخيرة” عاينت العسكرتاريا في أبشع صور فسادها، وفي مجمل أعمالك ترسم خارطة الأحداث وتفاصيل الشخصيات كما لو أنك تقول للمخرج فقط نفّذ من دون إضافة، كيف تنظر للعلاقة بين الكاتب المسرحي والمخرج؟

فارس الذهبي: بحكم عملي منذ البدايات في كل تفاصيل العملية المسرحية وصولاً للتأليف والإخراج، أصبحت قادراً على تصوّر المشهد المسرحي كما يجب أن يكون في خيالي، كيفية تموضع الممثلين، الميزانسين، الأداء وشكله، الإيقاع، المشهدية، الاكسسوار، لحظة الذروة، الانقلاب..الخ، لذلك أنا أفترض حينما أكتب للمسرح أنني أنا من سيقوم بالإخراج، أو أنه يتوجب عليّ تقديم تصور كامل للمسرحية كما رأيتها حينما كتبتها، الإرشادات المسرحية ليست تعاليا من قبل الكاتب على المخرج، وظيفتها أن تحدد له منهج الأداء، لا يمكن للحوار فقط أن يقوم بشرح كل تفاصيل العمل، الفن في عصرنا الحالي يعتمد بشكل هائل على التفاصيل، وفي كل مرة يهتم الفنان بالتفاصيل يقترب أكثر من جعل عمله صادقاً وحقيقياً.

شبح كورونا

الجديد: هل ترى معي أن تشارك العالم بمحنة واحدة قد يجعل السوري أو الفلسطيني أو العراقي أو اليمني ينظر إلى محنته الخاصة بوصفها جزءاً من اختلال كوني جارف؟

فارس الذهبي: لا أعتقد أبداً أن الهم سيغدو واحداً، هنالك شخصيات مختلفة للشعوب وكل منها يتعامل مع الأزمة بطريقة متباينة عن الآخر، صحيح أنّ المحنة مشتركة بنفس درجة تشارك الهواء والشمس ولكن الأداء والتعاطي معها سيكون مختلف حتماً، إنه مثل نصّ ترسله لعدد من الممثلين وكل منهم سيؤديه بطريقة مختلفة، رغم أن النتيجة واحدة، لكن هذه هي الحياة وهؤلاء هم البشر، هناك شعوب لا تكترث بكورونا، وشعوب تستخف بها جاهلة خطورتها، وشعوب تبالغ بالحرص ضدها، وهناك شعوب تتعرض لخديعة من حكوماتها، العالم لا يعترف إلا بالقوة أو الذكاء ونحن شعوب مدجّنة خلف التلفزيون الذي أعتبره أحد أهم أسباب تخلفنا.

الجديد: في ظروف بعينها اجترح مخرجون عرب وأجانب فكرة مسرح الشارع، وهناك أيضاً مسرح الستين كرسياً، هل يمكن أن تتفتق عن عقول المسرحيين حلول للمنع والحجر وحظر التجوّل وأفكار لمواجهته مثل مسرح الشرفة على سبيل المثال؟

فارس الذهبي: كل الخيارات موجودة، لكن الفكرة الأهم هي أن المسرح والفن عموماً لن يكون مثل ما قبله، الكوفيد – 19 سيكون علامة تفصل ما بعدها عمّا قبلها، وإن لم يكن هذا الفايروس فسيكون كوفيد – 20 أو كوفيد – 21، والسبب هو ليس التشاؤم بل عبث الإنسان بمقدّرات الكوكب وبصحته، الانفجار السكاني المرعب، الانتهاك الهائل للإنسانية وللإنسان وللبيئة كل هذا سندفع ثمنه جميعاً، مرتكبو الجرائم والصامتون عنها.

أعتقد أن الفكرة الأشد قرباً للمسرح المستقبلي، هي إغلاق الجدار الرابع بين الجمهور وبين الممثّلين، بجدار من زجاج، وهذا سيكون نقلة نوعية حقيقية في مفهوم الإيهام الذي عمل عليه صناع المسرح منذ 5000 سنة.

لغة المسرح

الجديد: تابعنا في مهرجانات عربية عديدة مسرحيات مغاربية باللهجة العامية، والحق يقال إن معضلة جوهرية نشأت بسبب هذا النوع من العروض. هل يمكن أن نسمع رأيك بموضوعة اللغة العربية واللهجات السائدة؟

فارس الذهبي: العالم يتطور، واللغة ليست تابوتا خشبيا يجب أن ندفن فيه إبداعاتنا، لتخرج كل كتابات المبدعين متشابهة بالحد الأدنى متشابهة من ضمن الصياغة وبناء الجمل واجتراح الأفعال، اللغة كائن حي مثلنا تتنفس وتتفاعل وتتغير، تغلط وتصيب، مثل كل البشر، من هذه الزاوية أعتقد أن اللهجة العامية أشد حيوية وحياة وسخونة من اللغة الفصيحة المحنطة، انظر إلى اللهجة المصرية كم هي ثرية وكم هي متوافقة مع العالم ومجرياته، وانظر إلى الفصحى كم هي بعيدة عن نبض الشارع، وكذلك اللهجات في المشرق والمغرب، لا يمكننا أن نتحدث عن “الحاسوب، أو التلفاز، أو الشاطر والمشطور”، اللغة واسمحا لي أن أسميها لغة، اللغة العامية تتواصل مع باقي لغات العالم وتأخذ منها وتعطيها، مثل الإنسان العربي تماماً، انظر إلى قاموس المفردات التكنولوجية، انظر إلى قاموس المفردات المتعلقة بالكومبيوتر والسيارة والطيارة والإنترنت والهاتف، وبالتالي انظر إلى الأفعال الجديدة التي ابتكرها الناس، أين هي اللغة الفصحى من هذا، أعتقد أن كهنة اللغة العربية يتمسّكون بمعبد فارغ إلاّ منهم، بينما الناس ترقص في الشوارع خارج هذا المعبد. حتى يبدو الأمر مثل دعاة السلف الصالح، ودعاة اللغة النظيفة، لا تقل هذا وقل ذاك، وهذا خطأ وذلك صحيح.

والمسرح جزء من الحياة، ويجب على المسرح والأدب أن يتواصلا مع الناس وإلا فلا قيمة لهما، ما قيمة أدب صحيح لغوياً لا يقرأه أحد؟

الجديد: هل تعتقد أن المسرحية هي تلك المنشورة في كتاب أم المعروضة على المسرح؟

فارس الذهبي: كلاهما مسرح. لكن يمكننا التفريق بين المسرح كعرض، والمسرح كأدب، بمعنى لدينا أدب مسرحي لعشاق الأدب والقراءة، فلا يمكن لكلّ مسرحية أن تقدّم على المسرح، بسبب كثرة المسرحيات في العالم، ولكن يمكن لكل مسرحية أن تكون أدباً يمتع أيضاً في القراءة مثلما يمتع في الأداء، ولربما تكون القراءة بوابة للعروض. في حديث لي مع مخرج سوري في دمشق في العام 2008 اتفقنا أن المسرح يجب أن يكون بالعامية والأدب المسرحي يجب أن يكون بالفصحى، وهي معادلة ترضي سدنة اللغة العربية. احتفظوا بالكتب كما تريدونها، ولكن اتركوا لنا الخشبات لنلعب عليها كما يحب الشعب والأهالي.

c

الجديد: ما هو جديدك المسرحي، بعد زفرة السوري الأخيرة؟

فارس الذهبي: أنهيت مؤخراً مسرحية “طيران فوق عالم قذر”، التي تعالج فكرة المثلية الجنسية في الشرق الأوسط، وأعمل حالياً على نص كبير نسبياً، بشخصيات متعدّدة هو استعادة تكريمية لفكرة المسرح ككل. ننتظر تقديم عرض “زفرة السوري الأخيرة” في السويد، لكن وباء كورونا أوقف كل شيء، لا أعلم هل سيستمر المشروع أم لا، لكن ما شاهدته من بروفات عبر السكايب، كان مدهشاً حقاً، التمثيل كان مدهشاً، العرض سيقدم من قبل فرقة شبابية في مدينة مالمو السويدية.

أجرى الحوار: محمد جميل خضر وسعاد فاضل دريباتي

a

 

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.