مغامرة رأس البقرة واستيبانيكو الأزموري (3)

الاثنين 2024/01/01

الفصل السابع والعشرون

عن مغادرتنا وحسن استقبالنا من الهنود

ودّعنا الهنود وداعا دامعا ثم ذهبنا برفقة الآخرين فاستقبلونا في منازلهم بترحاب. أتوا بأبنائهم للمسنا وقدّموا لنا طعاما من طحين المسكيت(5). وهي شجرة ثمرتها مرّة، تشبه حبّة الخروب، تُؤْكل ممزوجة بتراب فتصير حلوة عذبة المذاق. 

 لتحضيرها يضعون الثمرة في حفرة، ثم يطحنونها بقطعة خشب سُمْكها بحجم الساق وطولها قدم ونصف. فضلا عن التراب الذي يعلق بها داخل الأرض، يضيفون إليها حفنة تراب أخرى ويواصلون دقّها حتّى تصير جاهزة. ثم يصبّونها في وعاء خشبي في شكل سلّة، ويغمرونها بالماء. يقوم الطّاهي بتذوّقها. فإذا لم يرقه طعمها، مزجها بالتراب حتّى يستعذب مذاقها. بعد ذلك يتحلّقون حولها، فيغرف كلّ واحد منهم بيده ما وسعه منها. يرمون البذور والقشور على جلد حيوان، فيقوم المشرف على تحضيرها بإعادتها إلى الوعاء مع مزيد من الماء. ثم يكرعون العصير. يعيدون الكرّة ثلاث أو أربع مرّات متتالية حتّى ينتهي كل من شارك في المأدبة ببطن منتفخة من فرط التراب والماء.

أقام الهنود احتفالا كبيرا على شرفنا. ظلّوا يرقصون بابتهاج طيلة فترة مقامنا بينهم. أثناء الليل، يسهر ستّة من رجالهم على حراسة المساكن التي ينام فيها  كلّ واحد منّا، حتّى لا يتجاسر أحد على الدخول علينا قبل طلوع الشمس. 

كنّا على وشك المغادرة فوصلت نساء من إحدى القرى البعيدة. ولمّا علمنا منهنّ بموقع قريتهنّ، قرّرنا الذهاب إليها. فألحّ علينا مضيفونا بالبقاء ليوم آخر، متذرّعين بكون وجهتنا بعيدة وطريقها وعرة المسالك. ولإقناعنا بالمكوث أشاروا إلى حال النساء المنهكات من وعثاء الطريق، وعاهدونا، إن أقمنا معهم ليلة إضافية، أن تقوم النساء بمرافقتنا في اليوم التالي. مع ذلك صمّمنا على الرحيل ثم لحقت بنا النساء الوافدات مصحوبات بأخريات من القرية التي تركناها. ولعدم وجود طريق سالك، ضللنا السبيل فقطعنا مسافة أربع فراسخ حتّى وصلنا إلى نبع ماء وجدنا عنده النساء اللواتي لحقن بنا. فأخبرننا بما تكبّدنه من عناء في سبيل العثور علينا. فواصلنا المسير مسترشدين بهنّ.       

 في المساء، عبرنا نهرا يصل منسوب مياهه إلى صدورنا. به تيّار قويّ. عرضه بحجم نهر اشبيلية. وعند الغروب وصلنا قرية تتألّف من مائة مسكن. خرج أهاليها لاستقبالنا وهم يضربون أفخاذهم ويطلقون صيحات مفزعة حاملين يقطينا مجوفّا به ثقوب مملوءة بحصيّات صغيرة. وهي أشياء احتفالية ذات قيمة عالية لديهم لا يظهرونها إلّا في مراسيم الرقص وطقوس العلاج. يحظر على الغرباء لمسها ويعتقدون أنّها نزلت من السماء وهي ذات مفعول سحري. لذلك فهي، بتقديرهم، لا تنتمي إلى الأرض. ولا يعرفون من مصدر لها سوى أنّها من هبات الأنهار إذْ تغمر البلاد.

ومن فرط حماسهم وتهافتهم على لمسنا، كادوا يخنقوننا. حملونا إلى مساكنهم دون أن تلمس أقدامنا الأرض. احتشد علينا جمع غفير منهم، ولم نجد بدّا من اللجوء إلى المساكن التي وضعوها رهن إشارتنا. ورغم رفضنا المشاركة في مراسيمهم، فقد قضوا الليلة كلّها في احتفال راقص.  

في الصباح، استقدموا جميع أهالي القرية لكي نلمس أجسادهم ونباركهم كدأبنا مع القبائل التي مررنا بها من قبل. ثم قدّموا سهاما كثيرة لنساء القرية اللواتي جئن صحبة نسائهم.

غادرنا في اليوم التالي. لكن كلّ أهالي القرية أصرّوا على مرافقتنا. وعند كلّ قرية جديدة كنّا نلقى ترحابا كبيرا مثل الذي حظينا به من طرف القبائل السابقة. قدّموا لنا أعزّ ما يملكون، وناولونا لحم الغزلان من صيد يومهم.

فضلا عن ذلك شهدنا عادة جديدة بينهم. صار المرافقون منهم يأخذون أقواس وسهام ونعال وخرز الذين يأتون للعلاج. ثم يضعونها أمامنا ليحثّوننا على مداواتهم. وأمّا الذين خضعوا للعلاج فكانوا يغادرون فرحين بزوال الألم.

صرنا ننتقل من بلدة إلى أخرى. يستقبلنا الهنود بحفاوة، ويعرضون علينا المرضى الذين ما أن نرسم عليهم علامة الصليب حتّى ينهضوا أصحّاء معافين. فيما يظلّ الذين لم يتعافوا واثقين من قدرتنا على تسكين آلامهم. كانوا يبتهجون لمجرّد سماع ما يذكره المتعافون منهم، ويقيمون مراسيم الاحتفال والرقص فيحرموننا من النوم.

الفصل الثامن والعشرون

عادة أخرى جديدة

خخ

بعد مغادرتنا، جزنا على عدّة قرى اكتشفنا فيها عادة جديدة. كان مرافقونا الهنود يسيئون لنظرائهم الذين يستقبلوننا ويجرّدونهم من ممتلكاتهم وينهبون مساكنهم. امتعضنا من رؤية مضيفينا وهم يتعرّضون لتلك التصرّفات المشينة، وخشينا أن تنشب بينهم مواجهات أو تعمّ فيهم الفوضى. كنّا أعجز عن التدخّل لوقف الإساءة أو معاقبة المسيئين. فلم نجد بدّا من تحمّل الوضع حتّى تصير لنا عليهم سلطة أكبر. وعندما لاحظ الضحايا امتعاضنا ممّا ينزل بهم من عسف، أخذوا يهدّئون من روعنا مؤكّدين لنا بأنّهم سعداء بذلك لأنّ مساكنهم سخّرت لأمور ذات نفع، وأنّهم سيستعيدون كلّ ما فقدوه من هنود آخرين أغنياء.

كانت رحلتنا شاقّة بسبب الأعداد الكبيرة من الأتباع الذين كانوا يلتفّون حولنا ويتهافتون للمسنا ممّا جعل كلّ محاولة للفكاك منهم مستحيلة. هكذا قضينا لإرضائهم ثلاث ساعات في غاية الإرهاق والتعب. في اليوم التالي جلبوا أهالي القرية. وقد اندهشنا لكون غالبيتهم كانوا يعانون من مرض إعتام عدسة العين بينما كان الباقون عميانا تماما لنفس السبب. عدا ذلك، لهم أجسام قوية، ووجوه وسيمة، وبشرة فاتحة أكثر من غيرهم من الهنود الذين تعرّفنا عليهم حتّى ذلك الحين.          

من هناك لاحت لنا لأوّل مرة سلسلة جبلية منحدرة من جهة بحر الشمال(6). ومن خلال ما رواه لنا الأهالي اعتقدنا بأنّها تبعد عن البحر بحوالي خمسة عشرة فرسخا. ذهبنا رفقة الهنود صوب الجبال. وأخذونا إلى بعض أهاليهم هناك. كانوا يصرّون على توجيهنا إلى حيث يوجد أقاربهم فقط، حتّى لا يستفيد أعداؤهم من نعمة مشاهدتنا، على حدّ زعمهم.

حالما بلغنا وجهتنا، شرع مرافقونا في نهب مساكن الأهالي الذين كانوا على علم بتلك العادة فبادروا إلى إخفاء أشيائهم الثمينة. وبعد حفاوة الاسقبال، أخرجوا مقتنياتهم وسلّموها لنا مباشرة. وهي عبارة عن خرز ومُغرة وبعض أكياس نحاسية. وكالعادة، سلّمنا بدورنا تلك الهدايا إلى مرافقينا. ثم دخل الهنود في حمأة الرقص وطقوس الاحتفال. كما أرسلوا في طلب أهالي قرية صديقة للتبرّك بنا. فجاءوا عشاء محمّلين بهدايا من خرز وسهام وأشياء صغيرة قمنا بتوزيعها أيضا.

في اليوم التالي، بينما نحن على أهبة المغادرة، اقترح الأهالي اصطحابنا إلى أصدقاء لهم يقطنون في مواضع متفرّقة من الجبال. ذكروا أنّ هناك منازل كثيرة يودّ سكّانها رؤيتنا ومنحنا المزيد من الهدايا. لكنّنا فضّلنا استئناف المسير على اتخاذ تلك الوجهة التي لا تفضي إلى غايتنا. هكذا أخذنا طريق السهل المحاذية للجبال معتقدين بأنّها أقرب للساحل. هناك وجدنا شعبا سيّئ الطبع. وفضّلنا عبور تلك البلاد نحو الداخل حيث الهنود في وضع أحسن ومعاملتهم لنا أفضل. كنّا موقنين بأنّنا سنجد هناك بلدا مأهولا بالسكان وافر الغذاء. وأخيرا، عملنا بهذا الرأي لأن عبور تلك البلاد ستمكّننا من التعرّف على مواردها، حتى إذا قيّضت مشيئة الرب لأحدنا النجاة والرجوع إلى أرض المسيحيّين، سيقدّم تقريرا ضافيا عليها. 

لمّا رأى الهنود إصرارنا على رفض الوجهة التي اقترحوا علينا، أخبرونا بأنّه لا يوجد سكّان أو تين شوكي، أو أيّ شيء آخر يمكن الاقتيات منه طوال الطريق التي نرغب في سلوكها. فالتمسوا منّا المكوث معهم ليلة إضافية فوافقنا. ثم أرسلوا دليلين اثنين للاستطلاع عمّا إذا كان هناك ساكنة في الوجهة التي قرّرنا اقتفاءها.   

غادرنا في اليوم التالي مرفوقين بالعديد منهم. كان النساء يحملن الماء.  ولاحظنا بأنّ سلطتنا بينهم صارت أكبر بحيث ما من أحد منهم كان يجرؤ على شرب الماء دون إذن منّا. وبعد مسير فرسخين لاقينا الرسولين الذين أوفدهما الهنود لاستكشاف المنطقة فأكدوا لنا خلوّها من السكّان. أشفق الهنود لحالنا، ونصحونا بسلوك طريق الجبل فرفضنا. وأمام إصرارنا استسلموا لقرارنا وودّعونا بحزن. ثم عادوا أدراجهم، فيما واصلنا نحن المسير.

بعد فترة قصيرة، صادفنا امرأتين تحملان أثقالا. توقّفتا لأجلنا ووضعتا حملهما وقدّمتا لنا، ممّا تحملانه، بعضا من طعام الذرة. أخبرتانا بأنّه في طريق النهر توجد مساكن مأهولة وحقول ذرة وتين شوكي. ثم استأنفتا طريقهما باتّجاه القرية التي تركناها بالأمس.

تمشّينا حتّى الغروب ووصلنا قرية تتكوّن من حوالي عشرين مسكنا. استقبلنا أهاليها بالدموع والحزن الشديد لأنّهم كانوا يعلمون أنّنا إذا دخلنا قرية تعرّضت للنهب والسلب من طرف أتباعنا من الهنود. ولكن لمّا رأونا لوحدنا زال عنهم الخوف وقدّموا لنا التين الشوكي طعاما.

بتنا الليلة هناك. وعند الفجر، قام الهنود الذين غادرناهم في اليوم السابق بإنزال مفاجئ. ولمّا  كان مضيفونا الجدد مطمئنّين، فإنّهم لم يأخذوا حِذْرَهم ولم تكن أمامهم الفرصة لحجب ممتلكاتهم عن أنظار الوافدين. فكان أن شرعوا في البكاء فيما قام الغاصبون بتجريدهم من كلّ ما بحوزتهم. ولمواساتهم قالوا لهم بأنّنا أبناء الشمس ولنا القدرة على علاج المرضى ووضع حدّ لحياتهم حسب مشيئتنا، وغير ذلك من الأكاذيب التي اختلقوها من أجل إشباع جشعهم. كما طلبوا منهم معاملتنا بما يليق بنا من احترام، وحذّروهم من مغبّة إثارة غضبنا. وأمروهم بتسليمنا طواعية كلّ ما بحوزتهم وإرشادنا إلى قرى مأهولة. وذكروا لهم بأنّهم إذا دخلوا قرية سيقومون، كالعادة، بنفس عمل النهب وتجريد الآخرين من ممتلكاتهم.

الفصل التاسع والعشرون

كيف ينهب الهنود بعضهم البعض

لمّا أخبروهم  بكلّ هذه المعلومات وعلّموهم كيف يتصرّفون، تركَنا الهنودُ صحبة مضيفينا. وَإِذْ وعى هؤلاء جيّدا ما قيل لهم، أخذوا يعاملوننا بنفس المهابة والاحترام التي عاملنا بها سابقوهم. اصطحبونا معهم ثلاثة أيّام إلى مناطق مأهولة بالسكّان. كانوا يعلنون مسبقا عن مَقْدَمنا مردّدين كل ما تلقّنوه من سابقيهم. بل كانوا يضيفون إليه الكثير من خيالهم، لأنّ أولئك الهنود رواة بارعون ومجبولون على الكذب، لاسيّما عندما يتعلّق الأمر بتحقيق مآربهم.

ما أن اقتربنا من منازلهم حتّى خرج الأهالي لاستقبالنا بترحاب وابتهاج. أهدانا اثنان من كهنتهم يقطينتان مجوفّتان وأشياء أخرى. ومنذ ذلك الحين صرنا نحمل معنا يقطينا جعلناه أحد رموز سلطتنا لما له من قيمة عالية لديهم. أمّا الذين جاءوا برفقتنا، فقد شرعوا في نهب منازل مضيفينا. ونظرا لقلّة عددهم، كانوا أعجز عن حمل كلّ ما نهبوه فتركوا وراءهم نصف مسروقاتهم.

يمّمنا داخل البلاد قاطعين حوالي خمسين فرسخا بمحاذاة سلسلة جبلية وجدنا عندها مجمّعا قبليا يتألّف من أربعين مسكن. تلقّينا هناك هدايا عديدة. فيما حصل أندريس دورانتيس على جلجل كبير من نحاس، ذي قيمة لديهم، منقوش عليه وجه آدمي. أخبرونا بأنّهم حصلوا عليه من إحدى القرى المجاورة من جهة الشمال، وأن هناك أعدادا كثيرة منه ذات قيمة عالية بالنسبة لهم. خلصنا من ذلك أنّه أيّا كان مصدر هذا الجلجل فإن صناعته تحتاج إلى مسبك لصهر المعادن. 

  غادرنا في اليوم التالي واجتزنا جبلا طوله سبع فراسخ، صخوره من خبَث(7) الحديد. عند المساء وصلنا إلى مجمّع سكني آخر مشيد على ضفّة نهر جميل. استقبلنا أهاليه في عرض الطريق حاملين أطفالهم على ظهورهم. وأهدانا كبراؤهم أكياسا من البيريت(8) ومن مسحوق الكحل الذي يصبغون به وجوههم، وخرزا وكساء مصنوعا من جلود البقر. كما سلّموا مرافقينا من الهنود كلّ ما يملكون.

   يتغذّى أولئك الهنود بالتين الشوكي وجوز الصنوبر. يوجد في تلك البلاد نوع من الصنوبر القصير ذي أكواز شبيهة ببيض صغير. وبفضل غلافه الخارجي الرقيق، فإن جوزه أفضل من جوز قشتالة. عندما يكون الجوز أخضر، يقومون بسحقه وتناوله في شكل كريّات. وحين يكون جافّا، يطحنونه مع الغلاف الخارجي ويتناولونه مجروشا.

أما مضيفونا، فكانوا يلمسوننا ثم يركضون إلى منازلهم ثم يعودون إلينا محمّلين بالهدايا. ويظّلون يذرعون المسافة جيئة وذهابا. بهذه الطريقة، استطعنا الحصول على أشياء مفيدة لرحلتنا.

ذات مرّة، أتوني برجل مصاب منذ فترة بسهم في الجانب الأيمن من ظهره. وأخبروني بأنّ رأس السهم يوشك أن ينفذ إلى القلب. كان الجريح يشعر بآلام شديدة. اشتكى لي أنّه منذ إصابته وهو يعاني بشكل مستمرّ. تحسّست جسمه فأدركت أنّ رأس السهم قد اخترق الغضروف. فتحت بخنجري موضعا من جهة الصدر حتّى بلغت مكان الإصابة. فتبيّن لي خطورة الموقف. أنفذت رأس الخنجر باتجاه السهم، وبصعوبة بالغة تمكّنت من انتزاعه. وفي حدود معرفتي الطبّية، رتقت الجرح بغرزتين بواسطة عظم غزال نجم عنه نَزْف كبير استعملت لوقفه وَبَرا من جلد الحيوان. وبعد نجاح العملية، التمس منّي الهنود تسليمهم رأس السهم الطويل ففعلت.

تقاطر أهالي القرية لرؤيته. ثم قام كبراؤهم بإرساله إلى قرى مجاورة وسط البلاد لإطلاع قبائل تلك المناطق عليه. وكدأبهم نظّموا احتفالا راقصا. في اليوم التالي فتقت الغرزتين فلم ينجم عنهما سوى جرح بحجم خطّ راحة اليد، فيما نهض المريض معافى مبشّرا أهله بزوال الألم.

منحتنا هذه العملية مكانة معتبرة في أوساط هنود تلك البلاد الذين لم يدّخروا جهدا في التعبير عن امتنانهم. اغتنمنا الفرصة وعرضنا عليهم الجلجل الذي جلبناه معنا. فقالوا بأنّ الأرض التي جاء منها ذلك الجلجل غنيّة بصفائح المعدن الذي صنع منه، وهو ذو قيمة عالية عندهم. وأشاروا إلينا بوجود مساكن مستقرّة هناك. اعتقدنا أنّنا كنّا إزاء بحر الجنوب الذي علمنا أنّه أغنى من بحر الشمال.

غادرنا تلك القرية وجزنا على شعوب عديدة تتكلّم لغات مختلفة تستعصي على الذاكرة. كانوا ينهبون بعضهم البعض، وكان الفائزون والخاسرون معا راضين عن الأمر. الأدهى من ذلك أن أعداد الهنود المرافقين لنا صارت في تزايد مستمرّ ممّا جعلها خارج السيطرة.        

كان هنود تلك الأودية يصطفّون حاملين هراوات بطول ثلاثة أشبار. وما أن تنطّ إحدى الأرانب، المتوافرة هناك، حتى يلتفّون حولها ويرمونها بهراواتهم بدقّة مدهشة. بهذه الطريقة كانوا يجعلونها تتراكض بينهم جزعا. وتلك لعمري أبدع طريقة صيد يمكن تصوّرها، لأنّها غالبا ما تنتهي بوقوع الطريدة في قبضة قنّاصها. ولمّا نصبنا المخيّم مساءً، أكرم الهنود وفادتنا مناولين كلّ واحد منّا ثمانية أو عشرة قطع من لحم الأرانب. 

أمّا رماة السهام فكانوا يغْدون إلى الجبال لاصطياد الغزلان. وعند أوبتهم يمنحون كلّ واحد منّا خمسة أو ستّة أقساط من لحم الغزال، فضلًا عن شتّى صنوف الطير والسمّان وغيرها من الطرائد التي يظفرون بها. وفي النهاية، كانوا يضعون كلّ ما يصطادونه أمامنا لا يجرؤون على لمسه حتّى نباركه أوّلا ولو كان بهم جوع. فتلك عادة درجوا عليها منذ أن أخذوا يرافقوننا.

أما النساء فكنّ يأتين بأفرشة تقام بها مساكن خاصّة نأوي إليها أنا ورفقائي وأتباعهم من كبراء الهنود. وعندما تنصب المساكن، كنّا نأمرهم بإشوائنا من لحم الغزلان والأرانب وغيرها، فيقومون بذلك في أفران يصنعونها لتلك الغاية. نأخذ حصّتنا ونسلّم الباقي لكبراء الهنود من أجل توزيعه على أبناء قبيلتهم. كان كلّ واحد من الأهالي يأتينا حاملًا حصّته كي ننفخ عليها من أنفاسنا ونباركها، وإلّا فإنّه لا يجرؤ على تناولها.

غالبا ما كان يرافقنا حوالي ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف نفر من الهنود. ولك أن تتصوّر كم  كان أمرا شاقّا ومرهقا أن ننفخ على طعامهم جميعا ونرسم علامة الصليب على كلّ ما يأكلون ويشربون. ناهيك عن إصرارهم على استئذاننا قبل الإقدام على أيّ تصرف يذكر. كانت النساء بدورهنّ يقدّمن لنا تينا شوكيا، وعناكب، وديدانا، وكلّ ما توافر لديهنّ، موثرين الموت جوعًا على تناول أيّ شيء لم تباركه يدنا.

جزنا برفقة أولئك الهنود نهرا كبيرا ينحدر من جهة الشمال. وبعد قطع مسافة ثلاثين فرسخ عبر السهول، اعترض سبيلنا هنود آخرون جاءوا للقائنا من مكان بعيد. كانوا يعاملوننا كالذين سبقوهم.

الفصل الثلاثون

كيف تغيرت عادة استقبالنا من طرف الهنود

حح

منذ ذلك الحين حصل تغيّر ملحوظ في طريقة استقبالنا بحيث لم يعد مضيفونا  يتعرّضون للنهب من طرف مرافقينا من الهنود. كنّا ما أن ندخل مساكنهم حتى يسلّموننا كلّ ما يملكون طوعا، بما في ذلك مساكنهم. وكنّا بدورنا نقوم بتسليم ذلك لكبرائهم ليتقاسموه فيما بينهم.

أصرّ الهنود الذين فقدوا ممتلكاتهم على مرافقتنا من أجل استعادة ما ضاع منهم. لذلك كانت أعدادهم تتزايد باستمرار. كانوا يحذّرون مضيفينا من مغبّة إخفاء أيّ شيء عنّا وإلّا فإنّنا سنسلّط عليهم الموت. أصابهم ذلك الوعيد بهلع شديد، فكانوا يرتجفون من الخوف طيلة الأيام الأولى من انضمامهم إلينا، ولا يجرؤون على الكلام أو النظر إلى السماء.

مضينا برفقتهم زهاء خمسين فرسخا عبر مفاوز وجبال وعرة ليس فيها أثر حياة. عانينا خلالها جوعا شديدا. ثم بلغنا نهرا كبيرا تصل مياهه إلى مستوى صدورنا. فبدأ يظهر على الهنود أثر الجوع والعنت جرّاء اجتياز تلك الجبال الجدباء.

دلّنا أولئك الهنود على سهل خلف سلسلة جبال. توافد علينا جموع من الناس من مكان بعيد. وكسابقيهم قدّموا لمرافقينا هدايا كثيرة عجزوا عن حمل نصفها. فطلبنا منهم استردادها تلافيا لضياعها. لكنّهم رفضوا بِحُجّة أنّه ليس من عادتهم استرجاع الأشياء التي يهبونها عن طيب خاطر، وأنّهم لا يعتبرونها أشياء مضاعة.

أخبرناهم بأنّنا نقصد مغرب الشمس، فأشاروا بأنّ المسافة الموصّلة إلى أهالي تلك المنطقة بعيدة. طلبنا منهم إرسال من يخبرهم بمجيئنا، فتذرّعوا بشتّى المعاذير حتّى لا يقومون بذلك، لأنّ أولئك القوم يناصبونهم العداء ولا يريدوننا أن نذهب إليهم. وأمام إصرارنا، استسلموا وأرسلوا امرأتين، إحداهما من نفس قبيلتهم والثانية من سبايا قبيلة أخرى. فهم عادة ما يختارون النساء لمثل هذه المهمّات لأنّهنّ يستطعن التفاوض حتى في أوقات الحرب.

سرنا وراء المرأتين إلى مكان اتّفقنا أن ننتظرهما فيه. مرّت خمسة أيّام دون أن يظهر لهما أثر. عزا الهنود ذلك إلى كونهما لم تعثرا على أحد في تلك النواحي. التمسنا منهم التوجّه بنا شمالا، فردّوا بأنّ مسافة طويلة من تلك الجهة غير مأهولة بالسكان، وأنّ طريق الشمال يفتقر لموارد الطعام والماء. لكنّنا أصررنا في تلك الوجهة، فيما راحوا يتعلّلون بشتّى الذرائع حتّى استشطنا غضبا.

ذات ليلة انتبذتُ للنوم مكانا في العراء. لكن سرعان ما جاء بعض الهنود وقضوا الليلة إلى جانبي مستنفرين. أخبروني بأنّهم خائفون. أخذوا يهدّئون من روعي قائلين بأنّهم مستعدّون لاقتيادنا إلى مقصدنا حتّى ولو كان في ذلك حتفهم. صرنا نتظاهر أمامهم بالغضب كي لا يزاولهم الخوف. ومن غريب الصدف أن سقط العديد منهم مرضى في نفس اليوم، وفي الغد مات ثمانية من رجالهم. سرت في المناطق التي تناهى إليها النبأ رجفة من الخوف جعلت الهنود يظنّون بأنّ مجرّد النظر إلينا سيؤدّي بهم إلى الموت. التمسوا منّا ألّا نغضب ولا نتمنّى الموت لأحد منهم، لأنّه وقر في خَلَدهم بأنّ رجالهم هلكوا بمجرّد أن تمنّينا لهم الموت.

كنّا نتابع ما يحدث بقلق. ولمّا تزايد عدد الموتى، خشينا أن يهلك الجميع أو يهجروننا من فرط الجزع وأن يفعل الأقوام الذين سيلقوننا من بعدهم، حين يرون ما حدث لهم، مثل ما يفعلون. التمسنا العون الإلاهي فبدأ المرضى يتماثلون للشفاء. 

ثم شاهدنا شيئا عجبا: لقد دخل الآباء والأخوة والزوجات في حزن شديد على أقاربهم المحتضرين، وإِثْر موتهم، فقد الأحياء كلّ إحساس، وكفّوا عن البكاء، وانقطعوا عن الكلام، وصاروا متهيّبين من الاقتراب من جثامين الموتى حتّى أمرناهم بحملها ودفنها. 

قضينا بينهم زهاء خمسة عشرة يوما، لم يكلّم بعضهم بعضا ولمْ يصدر  عن أطفالهم ضحكا أو بكاء. صادف مرّة أن شرع أحدهم بالبكاء، فتمّت تنحيته إلى مكان بعيد، وباستعمال أسنان فئران حادّة، أحدثوا خدوشا على جسده من الكتفين حتّى الساقين. أغاظني مشهد تلك القسوة على طفل. سألت عن سببها، فقالوا أن ذلك عقابا لبكائه أمامي.

صبّ الهنود جام غضبهم على الهنود الذين أتوا للقائنا حتى يدفعونهم إلى التنازل لنا عمّا بحوزتهم، وذلك لعلمهم بأنّنا لن نستأثر بشيء، وأنّنا في النهاية سنترك لهم كلّ ما يهبوننا. لقد كانوا أكثر الأقوام خضوعا في تلك البلاد، وأفضلهم حالا، وأقوَمهم جسما.    

تماثل المرضى للشفاء. وبعد مُضِيِّ ثلاثة أيّام، عادت المرأتان الموفدتان وأخبرتانا بأنّ المنطقة قليلة السكان، وأن معظم هؤلاء خرجوا لصيد البقر*، لأن موسم صيده قد حلّ. فأمرنا المرضى بالبقاء وسمحنا للمتعافين بمرافقتنا. وبعد مسير يومين طلبنا من المرأتين أن تتقدّمانا بمسافة من أجل حشد الناس لاستقبالنا في عرض الطريق.

في الغد رافقنا الهنود الذين يستطيعون السفر. وبعد يومين توقّفنا، فيما تقدّمنا ألونصو ديل كاستيّو وإستيفانيكو الزنجي* مسترشدين بالمرأتين. فأخذتهم المرأة السبيّ إلى نهر بين الجبال حيث توجد قرية والدها. كانت تلك أوّل مرة نرى فيها مساكن تشبه بيوتا حقيقية. وصل كاستيّو واستيفانيكو* هناك. وبعد حديثهما مع أهالي المنطقة، عاد كاستيّو إلى حيث تركنا بعد ثلاثة أيام مصحوبا بخمسة أو ستة من الهنود. فأخبرنا عن منازل مشيدة عامرة تتغذّى ساكنتها بالفاصولياء واليقطين. كما وجدنا عندهم ذرة. 

 تلقينا تلك الأنباء بابتهاج شاكرين الربّ على لطفه. ثم أضاف كاستيّو بأن الزنجي* سيكون في استقبالنا في عرض طريق قريب مصحوبا بأهالي تلك المنازل. استأنفنا المسير. وبعد قطع فرسخ ونصف طالعنا الزنجي وأهالي المنطقة مرحّبين. قدّموا لنا فاصولياء ويقطينا مجوّفا لحمل الطعام والماء، كما سلّمونا رداء مصنوعا من جلود البقر وأشياء أخرى. ولمّا كان أولئك الأهالي أعداء لمن جاء معنا من الهنود، ولا يفقهون لغتهم، فإنّنا ودّعنا مرافقينا بعدما وهبناهم كلّ ما منحنا الهنود الجدد.  

وبعد مسير ستّة فراسخ برفقة هؤلاء، وصلنا إلى منازلهم قبيل هبوط الليل، فاستقبلونا بترحاب. أقمنا بينهم يوما واحدا، وغادرنا في الغد مصطحبينهم معنا إلى منازل هنود آخرين يغتذون بمثل طعامهم.

  اكتشفنا هناك عادة جديدة بحيث لم يخرج أهالي تلك البلاد لاستقبالنا في عرض الطريق كما فعل غيرهم من الهنود. بل كانوا في انتظارنا وقد أعدّوا لنا بيوت ضيافة خاصة. كانوا جُلوساً، وجوههم إلى الحائط، رؤوسهم منكسة، شعورهم مسدلة على وجوههم، وقد كوّموا ممتلكاتهم وسط مساكنهم. أهدونا أردية جلدية وكلّ ما بحوزتهم.

  كانوا من أحسن الأقوام الذين عرفناهم بنيةً وحيويةً ومهارةً. فضلا عن أنّهم كانوا الأقدر على فهمنا والرّد على أسئلتنا. أطلقنا عليهم اسم "أصحاب البقر"  لأنّ معظم الأبقار كانت تقتل في ناحيتهم، ولاصطيادها كانوا يقطعون زهاء خمسين فرسخا على طريق النهر. يمشون شبه عراة، مثل الهنود الذين لاقيناهم أوّل مرة. أما نساؤهم فيغطّين بعض أجسادهن بخرق من جلود الغزلان، وكذلك يفعل بعض رجالهم خصوصا الشيوخ العاجزون عن المشاركة في الحرب.

كانت تلك بلاد مأهولة بالسكان. سألناهم لماذا لا يزرعون الذرة. فأجابوا بأنهم يخشون ضياع المحاصيل لانقطاع المطر عن أرضهم عامين متتاليين، وأنّه بسبب الجفاف يصير محصول الموسم نَهْبا لحيوان الخُلْد. لذلك قرّروا أن لا يزرعوا شيئا حتّى يكون المطر وفيرا.  فطلبوا منّا أن نستسقي السماء لأجلهم، ففعلنا.

أردنا معرفة مصدر الذرة لديهم. فأعلمونا بأنّهم يحصلون عليها من مغرب الشمس حيث توجد بوفرة. سألناهم كيف الوصول إليها، فأشاروا علينا بالوجهة المطلوبة. ولمّا سألناهم عن أقرب السبل إليها، راحوا يصفون لنا الطريق بدقّة فهمنا منها أنّهم لا يريدون مصاحبتنا بأنفسهم. نصحونا باتّخاذ طريق النهر جهة الشمال محذّريننا بأنه على بعد مسافة سبعة عشر يوما لن نجد طعاما اللّهم إلا فاكهة يسمّونها تشاكان يهرسونها بحجر فتظل خشنة جافة غير صالحة للأكل. ولمّا ناولونا بعضا منها وجدناها فعلا كما وصفوها لنا، فعجزنا عن أكلها.

نبّهنا أولئك الهنود إلى أنه على طريق النهر سنمرّ بأقوام يناصبونهم العداء رغم أنهم يتكلّمون نفس لغتهم. ورغم أنّهم لا يتوفّرون على طعام، فإنّهم سيستقبلوننا بترحاب ويهدوننا أردية مصنوعة من القطن والجلد وأشياء أخرى.  مع ذلك نصحونا بأنْ لا نسلك تلك الطريق.

نظرا لعدم استطاعتنا الحسم في ما يجب فعله وأيّ الطرق هي الأفضل، فقد لبثنا معهم يومين إضافيين قدّموا لنا خلالها طعاما من فاصولياء ويقطين. وهنا أودّ أن أقف عند طريقة طبخ الطعام  لديهم، وهي طريقة طريفة، سيتبيّن من خلال وصفها مدى تنوّع خبرات وصنائع الشعوب. 

لم يكن أولئك الهنود يعرفون وعاء الفخار. لإعداد طعامهم كانوا يملأون بالماء نصف يقطينة مجفّفة متوسّطة الحجم. ثم يضعون فوق النار حجارة سريعة الاحترار. وحين تحمى الحجارة يحملونها بملاقط خشبية ويلقون بها في اليقطينة المجفّفة حتّى يبلغ الماء درجة الغليان. ثم يضعون مكوّنات طعامهم في الماء المغلي. وفي كل مرّة يسحبون الحجارة المبتردة ويعوّضونها بحجارة حامية حفاظا على غليان الماء الذي يطبخون فيه طعامهم. 

هوامش

1 ـ يختص كابيزا دي فاكا الفصول 24 إلى 30 لوصف عادات الهنود بعين إثنوغرافية مميزة لتقريره عن سابقيه.

2 ـ وفاء لدوره كمقرّر للبعثة، لم يتوقّف كابيزا دي فاكا عن السؤال والتحرّي بفضول معرفي نادر.

3 ـ كانت اسبانيا منخرطة في حروب متواصلة على الأرض الإيطالية من 1494 إلى 1559. شارك  كابيزا دي فاكا في معركة بولونيا في فبراير 1514. كما خاض معركة رافينا في أبريل من نفس السنة.

4 ـ عندما أدخلت الخيول إلى العالم الجديد في القرن السادس عشر، أثارت الرعب في نفوس الهنود الأمريكيين الذين لم يروا هذا الحيوان من قبل. لكن يعتقد أن الخيول تواجدت في أمريكا منذ مئات آلاف من السنين، لكن تعرضت للانقراض مما خلف فجوة من غياب هذا الحيوان على الأرض الأمريكية دام زهاء ثماني آلاف سنة. (انظر كتاب روح الفرس، 2005، ص134).

5 ـ المسكيت: شجر شائك ينمو في المناطق الجافة بجنوب غرب أمريكا. تعرف عليه الاسبان في مكسيكو واقترضوا اسمه الهندي. ثمره حلو أو مر حسب النوع يصنع منه الطحين ويستعمل لأغراض علاجية طبية.

6 ـ يعتقد معظم الباحثين أن بحر الشمال إشارة إلى خليج المكسيك. وأن بحر الجنوب إشارة إلى خليج كاليفورنيا. (هارولد أوغنبراوم).

7 ـ خَبَث: ما يتبقى بعد تنقية خامة المعدن.

8 ـ البيريت: معدن يدخل في تركيب بعض الصخور الرسوبية. وهو أصفر اللون وله بريق معدني أشبه بالذهب.

شاعر وكاتب ودبلوماسي من المغرب مقيم في نيويورك  والنص جزء من الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة 2022-2023

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.