الجسر

الثلاثاء 2021/06/01
لوحة: أحمد يازجي

وقفتُ على الجسْر أرصدُ برِثاءٍ نفوقَ النّهر. ما أشْبَهَ الحصى المتراكم في القاعِ بوُجوهٍ منهوبةٍ لجمهورٍ داخل مسرحٍ شيطانيٍّ، فُصدتْ ملامحُها بتأثيرٍ من موسيقى جارفةٍ تعزفُها أوركسترا ضاريّة. حتما هذه الوجوه الممحوّة القسماتِ، ترْقبُ عوْدةَ رسّامٍ منتظرٍ، كيْ يعيد إليها ملامحها المفقودة.

في الفجوات بين الحجر البازلتيّ، تتمرسُ عظامُ سمكٍ وجماجم ضفادع يعسكرُ حولها نملٌ أحمر. لا طيور مهاجرة في سماء المشهد القائظِ.

كم جسرًا عبرتُ في ممشى حياتي قاطبةً؟ بدْءًا بالجُسُور الخشبيّة الضئيلة في قريةِ ولادتي المنسيّة، ثمّ الجسُورُ الفولاذيّةُ للنّهر في البلدةِ الجبليّة التي تجشّمتُ ماراثونَ الذّهابِ إليها والإيابِ منها، طلبًا للعلم في مدارسها النّائية، وأُخْرى أشدُّ بأسًا في مدينةِ الجامعة يومَ كنتُ بُلشفيًّا أخرقَ، وبخاصّة جسْر محطّة القطار المدويّة، وجُسُورُ مُدُنٍ موشومة تسكّعتُ فيها، أو لُذْتُ إليها، عشْتُ فيها أو زرْتُها مصادفةً وأيضًا عن سبْقِ تدبيرٍ… ثمّ جسورُ عواصمِ بلدانٍ فاتنةٍ في شتّى أصقاع العالم.

وغير ذلك يا هذا، كمْ جسرًا رسمتَ في دفاترِ طفولتكَ الشقيّة؟ كمْ حسناءً قبّلتَ على جسرٍ إذْ ساقتْكُما نوبةُ الجنونِ إلى برْزخه؟ كم جِسْرًا نمتَ تحته متشرّدا؟ كم جسرًا قفزتَ منه إلى النّهر الجارف، متهوّرًا، طائشًا كنتَ، أو هاربًا، مُطاردًا؟ كم جسرًا مُعلّقا أغراكَ سموقُهُ بالانتحارِ؟ كم جِسْرًا عبرْتَهُ كما لو تخطو فيه نحو طفولةٍ تنتظرُكَ في آخره؟ كم جسْرًا تمنّيتَ أنْ يطولَ أو يقْصُر بك؟ كم جسْرًا تلصّصتَ من فجواتِ ألواحِه إلى أسفل واكتنزتْ رؤيتُكَ عُرْي أُنثى؟ كم جسْرًا صرّتْ مساميرُه إثْرَ خطوِكَ وتأبّدَ صدى المسامير في خزانةِ الأصواتِ بداخلكَ، أنّى اعترتكَ الوحشةُ عاودكَ نشازُ صريرها؟ كم جسرًا ظفرْتَ بمعرفتهِ وصداقتهِ قبل أن يتهدّم ويتلاشى؟ كم جسرًا قطعْتَهُ ذهابًا بلا إيّابٍ؟ كم جسرًا استلقيتَ عليه وأفشى لكَ مُعجم عابريه، منذُ أوّلِ حذاءٍ وطئَهُ حتّى آخرِ عجلةٍ؟ كمْ..؟

نبتتْ هذه الأسئلةُ دفعةً واحدةً وتفاقمتْ كلبْلابٍ في ذِهْني. تراجعتُ عن الحافّة واستأنفْتُ مشيي في اتّجاه الشّمال، أنَا القادمُ من الجنوب.. لم أكنْ سوايَ في منتصفِ الظهيرة، وبرغمِ القيظ اللافح، فتدخينُ سيجارةٍ على الجسْر كان مغريًا، وهكذا واصلتُ المشيَ المضطربَ إلى وِجهتي مُتَمْتِما:

–  لا ريب أنّ مهندسَ الجسر كان مسْطولا، ومع ذلك يُحْسَبُ له أنّ الجسْر البدائيّ أشبه بقصيدة رعوية!

بدا الجسرُ طويلا أكثر من اللازم، وفي آخرهِ تترنّحُ نقطةٌ هلاميّةٌ سوداء، شبيهةٌ بذيلِ وَزَغَةٍ مقطوعٍ، يتقافزُ من حفنةِ سرابٍ إلى أخرى.. لا شيءَ واضح.. أغُرابٌ هو؟ أمْ خرْقةٌ عالقة في حاشيةِ الجسر؟ وليكنْ.. تتدلّى الحقيبة الجلديةُ متهدّلة من كتفي، والعرَقُ يرْشحُ منّي حتى يكاد يقطرُ على الألواح، هذه التي يُطقطقُ حذائي عليها كما لو كان لحْنا عسكريّا يصلحُ لتشْييع نهايةِ العالم. كنتُ قدْ ركنتُ سيارتي المهترئة عند أوّلِ الجسْر إذ لا يتسّع الحيّز الضئيل لها، فعرجْتُ شمالا أرومُ بنايةً عزْلاءَ في مدْشرٍ بالجوارِ.. هذه أوّل مرّة أرتادُ المكانَ المجهول، ومع ذلك بدا مألوفا كما لو أعرفهُ حميمَ المعرفة.

كلّها ساعةُ زمنٍ، وأعودُ أدْراجي من حيثُ أتيتُ.

استطال الجسر أكثر، وأنا أحدس وجه السيّدة التي بانتظاري في المبنى الأعزل هناك. أرسمُ في خيالي هيئتها الممشوقة بافتراضٍ، مع حفنةٍ من تفاصيلِ أنوثتها البضّة، لاعنًا هذا القيظ الذي يشوي كتلةَ وجودي الطارئ ها هنا.. وفيما أتقدّم، تكْبرُ النقطة الهلامية في آخر الجسر.

الصّمتُ مطبقٌ ومفزعٌ، قلّما يقطعُه أزيزُ يعسوبٍ مارقٍ. كمْ يفتقد هذا الصّمت الممعن في الخرس إلى زمجرةِ حيوانٍ.. كأني وحيدٌ في صحراءِ التّتار، والممشى يطولُ بي على الجسر الذي خِلْتُه أقصر ممّا هو عليه، وإذا به يمتدُّ أكثر ممّا توقّعتُ.

لم أعبرْ جسرًا لقيطًا مثل هذا في حياتي من قبل، وبساعةِ رمضاءٍ كهذهِ تفورُ غيظًا كطنجرةٍ عرْسٍ.. ما أفدح استطالته الماراثونية أكثر من اللازم، كأنما لانهاية له فعلا.. من المحتمل أن يكون القيظُ المفرط هو ما يجعلني أخَالُ الجسر طويلا إلى هذا الحدّ المعجز.. حتى إنني أستطيع سرْدَ حياتي منذ الولادة إلى الآن على طول فراسخه، فتنتهي مجلّداتُ سيرتي ولا ينتهي امتدادُ الجِسْر بعد!

اللعنة! أجسرٌ هذا أمْ سورُ الصّين متنكِّرا؟ حسبتهُ شبيها بعنقِ زرافةٍ أوّلَ وهْلةٍ، وها هو ذا يعاند في استطالته، حدّ الاعتقاد بأنه يربط بين أزلٍ وأبدٍ!

ل

تلفحُ الشّمسُ الحقيبةَ الجلديّة وتفوحُ منها رائحة الماعز. أتخيّلُ التّيْس الذي صُنعتْ منه الحقيبةُ. كيف كان يتسلّق شجرَ الأرݣانِ بمهارةِ أعتى الّلصوص، أو يتقافزُ كبطلٍ أولمبيٍّ صاعدًا جبل السّدْر، مستمرئا قضْم النّبق بشهوانيّةٍ في اطّرادٍ. ها هي عيناهُ الجاحظتان تبحلقان فيّ، كأنما تتوعّداني بشرِّ مصيرٍ يشبه مصيرهُ الأعمى. هذا ما انتابني وأنا أتحاشى طعنةَ قرْنهِ الخرنوبيّ في بطني، فطردتُ نَبيبَ صياحه الحادِّ من حظيرةِ رأسي، نابسا:

– ما كان عليّ أن آتي مهندما ببدلةٍ رسميّةٍ، ولا كان عليّ أن أنتعل هذا الحذاء الطنبوريّ.. خلعتُ الفيستةَ وفتحتُ أزرارَ القميصِ. حتّى الحقيبة الجلديّة شرعتْ تتثاقل كما لو أني أحمل فيها التّيس الذي صُنِعتْ منه.

وفيما أتقدّم وكأنني أتخلّفُ، أمستْ النّقطة الهلامية تتفاقم وتكاد تفصح عن هيئةِ رجلٍ يمشي.. ضاق بي الحذاءُ وخلعتُه كما تَخْلعُ الشعوبُ أفْسد حُكّامها، ثمّ مشيتُ حافيا.. لكنّ ألواح الخشب كانت لاسعةً. لا محالة سأعاود ارتداء الحذاء مرغما بمشقّةٍ زائدةٍ، وبينما أنحني لأنتعله تناهى إلى سمعي هديرُ درّاجة نارية، ولمحتُ ظلّا يخالطُ ظلّي.

كيف نبتَ هذا الظلّ على هذا النّحو الخارق؟

بدا لي كما لو أنه بهيئةِ رجلٍ تلتصقُ به امرأةٌ من الخلف. دونما سابقِ إنذارٍ، بادرني الظلُّ بطعنةٍ أرْدتني صريعًا… حاولتُ أن أنهض في ارتعابٍ وامْتنع عليّ ذلك. لمحتُ دمي يسيلُ جدْولا على اللوح ونظرتي مسدّدةٌ إلى وجه الرّجل الغريب الذي طعنني غيلةً وغدْرا.. أجهلُ من يكون تماما ولِمَ ارتكب جريمته؟ ألصٌّ هو؟ كيف لم ينتزعْ حقيبتي إذنْ ولا فتّش حتّى جيوبي؟ بل مسحني بنظرة باردة حين هتفتْ امرأته:

–  أحمق، هذا ليس الرّجل المقصود!

 – ماذا؟

– نعم، هذا ليس مهندس المنزل الذي هوى وأزهق روح ابنتنا الوحيدة.

– هل نسعفه، ونحمله إلى المستعجلات؟

– بل أطلقْ عجلتيْ درّاجتك قدْرَ ما تستطيع للرياح.

أقفلا راجعين بالدرّاجة من حيثُ أتيا… تتبّعتُ خيط هروبهما وهو يتقلّص ويتقوّض إلى أن أمسى هلاما.. بعدها استقرّتْ نظرتي على خيطِ دمي الذي ينزُّ وهو يشقُّ طريقه كجدولٍ صوب الكوة بين اللوحين الخشبييْن، فيقطرُ نُزولا إلى أسفل القنطرة… نبسْتُ:

– علّه يتْرع النّهر النّافق.

من الجهة التي جئتُ منها، طالني ظلُّ شخصٍ ثانٍ، مهندمٌ بأناقةٍ مبالغ فيها. قرفص يفحصني بتوجّسٍ وهو يقيسُ نبض عنقي، مبادرا:

– لا تقلق، ستعيش.. لا تقلق.

قالها بعينيْ بومةٍ قرْناء، من خلفِ بلّوْرِ نظّارته، محاولا سدَّ الجُرْح، كي يحدّ من النّزيف بقطعةٍ مزّقها إرْبًا من قميصي. لو أسعفتني قواي، أو ما تبقّى من الحثالةِ في كأسِ حياتي، لكنتُ سألتُه عن شيءٍ واحد لا غير:

– ما اسم هذا الجسر يا سيّدي؟

بلى، كيف أموت وأنا أجهل اسم الجسر الذي تحوّل إلى تابوتي أو نعشي؟

آآآه. لم يسعفني بصيصُ الحياة اللقيط..

من الجهة الأخرى انقشع ظلُّ سيّدةٍ، طفقتْ تصيحُ في ذُعْرٍ:

– هذا مفتّش التعليم الذي انتظرتُه منذ أسبوع. من فعلها به أيّها المهندس؟

– لا يهمّ من يكون الآن أيتها المعلّمة، المهمّ أن نسعفه قبل فوات الأوان.

تناسلَ صدَى النّون في ذيل كلمةِ الأوانِ داخل مسامعي، وكان مثل حجرٍ صلدٍ ارتطمَ بقاعِ مجهولٍ في بئْرِ داخلي…

أمسى العالم أزْرقَ غامقًا، ثم أصْفرَ فاقعًا، ثمّ أبْيضَ كالحليبِ الذي رضَعَتْهُ من ثدْي أمّي. ها شفتاي تستمرئانه، تتلمّظانه وتترنّمان به..

ثمّ ما فتئ أنْ صارَ الوجودُ خيْطَ سديمٍ، بل حفْنة عدمٍ.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.