تبدد

السبت 2022/01/01

من له أن يخبرني

كيف أحفظ شخصي من خلال الوجود

وأي شيء ذاك هو الذي حملني

من ضفة العدم إلى الضفة الأخرى؟

               (بول فاليري)

تشعر دائما بأنها مجازٌ هائل، استعارة، شيء موارب يقال في مكان شيء آخر كان يجب أن يقال بوضوح، تتأمل وجهها دائما في الانعكاسات، تريد التأكد بأنها حقيقية، حتى عندما تقود سيارتها، فهي دائما ما تترك المرآة العلوية مفتوحة، تركز على صورتها بقدر ما تركز على الطريق.. المرايا لا تعكس إلا الحقائق الظاهرة أمامها، وهي حقيقة، حقيقة قابلة للتبدد في أيّ لحظة.

في كل مكان تجلس فيه، في مكتبها في العمل أو وسط لقاءات الأصدقاء تراها بين الفينة والأخرى، تخرج مرآتها الصغيرة من الحقيبة، متظاهرة بأنها في حالة اهتمام بمظهرها للتأكد من أن هندامها منضبطٌ، لكنها كانت فقط تريد أن تتأكد من كونها لا زالت موجودة، كتلة من لحم ودم، على أرض الواقع، واقعها على أقل تقدير، هي ليست من السذاجة التي تعتقد فيها بأنها محور العالم، فلكلّ حيزه الواقعي الذي يختار فيه، عن قصد أن يرى فيه ما ومن يريد وأن يمحو منه من يريد كذلك.. مجازا فقط، لكن بإمكان ذلك الأمر أن يكون حقيقياً أيضا، كانت والدتها لا تراها أبداً، تعود بها الذاكرة إلى وقتهما المشترك معاً، هي وأمها، وحيدتان دائما، لكن إحداهما لا ترى من الأخرى شيئاً، وبالنسبة إلى أمها، كان الأمر مضاعفاً، لا تراها بالمطلق، هي دائما خارج حيزها الذهني، تقترب منها مراراً تلمسها وتتعامل الأخرى معها دائما كشبح لا مرئي، هل كانت شبحاً دائما؟

كما أنها لا تستطيع أن تنسى تلك اللحظة الملتبسة، بين واقعها الخاص وواقعه الشخصي، تذكر المرة التي كانت تواجهه فيها، وهي تراقب صورة انعكاسها في عينيه، وهي تتبدد شيئا فشيئا، لم يكن الأمر في آنها مجازا ذهنيا، لقد رأت كيف راحت تتلاشى، حتى بات كمن ينظر إلى شبح، لا ظل له ولا انعكاس، وكيف أنه عندما تركها وحيدة على طاولة المقهى بعدها، كان أول ما فعلته هو أن ركضت إلى دورة المياه، لتتأكد من أنها لا زالت موجودة، وقد كانت هناك، انعكاس حقيقي، وخيبة مجازية على هيئة امرأة، أو لعلها خدشٌ كبير، جرح، هي تعرف أن ما يصيبها دائما، يتسرب من القلب أولا كشعور أو الذهن كفكرة ليصبح جسدها كله متورطا في الأمر.. استعارة، مجاز، المجاز اللعين من جديد.

لوحة

كانت قبل ذلك، تحب اتساع عينيه، تشعر بأن العالم يستطيع أن ينسلّ إلى داخل ذلك البؤبؤ المحاط ببياض متسع.. تحب انعكاسها فيها، ترى نفسها هناك، في اللمعان المبهم للسواد، كاملة بشكل ما، رغم أنها، لم تفكر في النقص قبل ذلك، لكن صورتها في تلك الاستدارة الشاسعة، أوحت لها بأنها لم تكن كاملة قبل ذلك، هي لم تفكر في انعكاساتها السابقة، وككل الأشياء التي تجاهلتها قبل ذلك، يصبح الأمر متضعضا ومضللا في الذاكرة، وتشك في كونه كان موجوا من الأساس، هل كانت تستطيع أن ترى لها انعكاسا على أسطح الأشياء وفي المرايا قبل أن ترى نفسها في ذلك البؤبؤ؟ تغمض عينيها وتحاول أن تتذكر عيون أمها، تفتش عن ذاكرة بعيدة لانعكاس صورتها في ذلك البؤبؤ، أو في عيون الآخرين، قبل أن تصل إلى انعكاسها في عينيه، تفشل مراراً في التذكر، هي لا تتذكر إلا هاتين الواسعتين، والسواد اللامع، وصورتها، وهي تبتسم، تضحك، تبكي، تهلع، تنتشي، تغضب، لقد أعادت اكتشاف ملامحها، والانفعالات من خلالهما.

تختار وقتا معينا من اليوم، الثالثة بعد منتصف الليل، لتصرخ، تضبط منبهها، وتختار كلمة صراخ كدلالة، لا يهمها في أيّ مكان تكون أو من قد يسمعها من الجيران، بجوار شقتها في الطابق الأربعين، هي وحدها، ولا بد أن تتأكد من أن صوتها لا يزال موجودا، تريد أن تحميه من التبدد.. هذه الصرخة التي كان من الممكن أن تكون ما يوقف تلاشيها من عينيه، تلك الصرخة التي كانت الإجابة الممكنة في ذلك اليوم.. لقد اكتشفت قبل ذلك أن لنبراتها بعدا آخر أكثر اتساعاً كلما تحدثا، وأن أكثر التفاصيل اعتباطية وبداهة لها امتداد ساحر في بعد الصوت بينهما، لذلك كان حتمياً أن تبتكر طريقة أخرى، لتحافظ على مدى صوتها، خوفاً من أن تصاب بالبكم التام والخرس معاً بعد ذلك اليوم إذ أن الأمر ليس مقتصرا على خسارة الكلمات فقط.. تصرخ في الثالثة، حتى ينقلب الصراخ لهاثاً من التعب، تتذكر المرة الأولى التي سمعته فيها يلهث، كانت تميز هذا الصوت من خلاله وهو يستلقي بجوارها بجسده المنهك تواً، هكذا يبدو صوت التعب الممتزج باللذة.

تراها أيضا، تتحرك باستمرار، حركة دائبة، مكرورة، لا تتوقف، حتى أثناء نومها، تهز الساقين باستمرار، يظن من يراقبها أنها في حالة توتر دائم، لكنها تحاول أن تقاوم الموت، “التجمد يعني الموت”، فكرة غاستون باشلار وهو يعيد تعريف الحياة وفق الزمن، كانت في وقتها تحاول أن تجد لنفسها حيزاً خارج التبدد، هل كان هو من قال لها بأننا موجودون لأننا نعيش داخل قالب الزمن في حركة مستمرة وبأننا خارجه لا يكون لنا وجود؟ نعم هو، لكنها أدركت بعد ذلك بأنه قد سرق الفكرة من باشلار ونسبها لنفسه كأشياء أخرى كثيرة، كانت استعاراتٍ من آخرين، أمرٌ لم يتوقع أن تكتشفه هي، لعله لم يتوقع أنها ستحاول بنفسها أن تخلق لنفسها مساحة آمنة، خارج حيزه الحيوي.. قد يكون رآهما دائما معا إلى الأبد، لا يتخيل كما لم تتخيل أن يحاول كلٌّ منهما الحفاظ على وجوده الزمني خارج توقيت الآخر.

يشعر بأن كل ما حوله قيد يخنقه، يريد أن يكون وحيدا لبعض الوقت، قد يكون مكتئبا، يفضل أن يؤذي نفسه على أن يتسبب بإيذاء الآخرين، يريد أن يحميها، هي تستحق بالتأكيد عالما أفضل من عالمه لتتحقق فيه وأشياء أخرى كثيرة على ذات النسق. كان بذلك يكشف عنها قشرتها، يترك أعصابها معرضة للتلف، بحساسية عالية قابلة لأن يسحقها أي شيء، احتمالات كثيرة تطوف ببالها، وصور كثيرة لنهايتها الوشيكة، لتبددها الآيب، انعكاسها قد لا يصمد طويلا، صوتها، وحركتها عليها أن تجد حلا!

انتظرته أمام مكان عمله، كان يرتدي نظارة شمسية، خارجا مع زميل له يدردشان ويضحك ضحكته الفاقعة المعهودة، لا شيء يوحي في مظهره بأنه قد يؤذي نفسه فضلا عن إيذاء الآخرين، تقدمت منه ببطء، رأت انعكاسها يتبدى شيئا فشيئا على الزجاج الداكن لنظارته الشمسية، توقف في دهشة من أن يراها هو الذي توقع منها ولو اتصالا واحد بعد حادثة المقهى، قبل أن يسلم لفكرة أنها قد تقبلت الأمر بنضج لم يعهده فيها، كانت تلك اللحظة مناسبة تماما لها، لكي تسرع فتسحب نظارته الشمسية، حتى ترى نفسها من جديد في انعكاس البؤبؤ.

ارتد هو إلى الخلف مغلقا عينيه من ضوء الشمس المباغت قبل أن يعود محدقا فيها بعيون مندهشة، وهناك في المنتصف تماما.. رأت انعكاسها.. تلك الأخرى.

تجمدت

تبخر صوتها

وتلاشت.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.