رأس تاكاموري

الثلاثاء 2022/02/01
لوحة: سمير الصفدي

أَذِنَ النهار لليل بالدخول والجند في يومهم الثالث يبحثون عن رأس سايغو تاكاموري دون جدوى. عجيب أمر هذا الرأس، فتخوم الواقعة محصورة بين الجبال ولا أثر لأيّ حياة على مرمى البصر. أَيُمكِن لرأسٍ أن يغادر جسده ويختفي؟ أم أن الروح أخذت رأسها معها في تمرد على الطبيعة؟ يا للساموراي العنيد، فأمره مُعجِزٌ في زواله كما في حِلِّه. لقد آل نصر الجند دحراً، فلم يستفيقوا من ذهولهم بموت الرجل أساسا، حتى انهال عليهم الغضب بسبب غياب الدليل على فنائه. لا دليل أصدق على اندثار الرجل من رأسه المبتور؛ فكم من الأجساد الضخمة مجزوزة الرأس سيزعم المغرضون أنها بحجم الساموراي؟

 لم يضاه توق مييجي لإعلان موت تاكاموري – إيذاناً ببدء الحداثة – سوى عناد الأخير وإصراره على التشبث بإرث الآباء للمسير إلى الهدف نفسه دون تملق أو مداهنة.

 وصل موكب متواضع من العاصمة إلى أرض الواقعة للتحقيق. أصاب القادة الهلع حينما ترجل الإمبراطور بلحمه ودمه من العربة ليرأس البحث. بعدما وقفوا على الجسد الهائل الذي انبسط على الأرض الفسيحة – وكأنه بحجمه استحوذها منهم – بدأت تتوالى الحقائق المزعجة تباعاً. فالبطن شُجّ بالعرض شجاً مستقيما فتقه بأكمله، مما يشير إلى انتحارٍ أُدِّي بتفان مذهل. أما الأعجب فتمثل بعمق الشق الذي جز الشريان الأبهر بأكمله علاوة على المعدة، كما يروى في أساطير الساموراي. غير أن الجزء الذي حفر التجاعيد في وجهٍ عُرِفَت عنه سكينته كان غيابُ رأس رجلٍ أدّى المهمة بهذا التفاني؛ فالطقوس تقتضي ألا يُبتَر الرأس إلا عند العجز عن استيفاء المهمة؛ وحتى إن تحتّم على الوصيف قطع رأس العاجز، تقتضي التقاليد إبقاء مؤخرة الرقبة سليمة لينتصب الرأس فوق جسده بكرامة. أشارت المعطيات الأولية إلى أن تاكاموري أنهى حياته بنفسه، وأن أحدهم قطع رأسه بعد ذلك وتوارى عن الأنظار. تملكت الإمبراطور الحيرة… حتى وإن تجرأ مرتزقٌ على الفعل البجيح، فكيف يتلاشى من بقعة بهذا الحجم ورجاله في كل شبر على مدِّ البصر؟

شهادة القائد ياماغاتا

اسمح لي بتهنئة ذي الجلالة على النصر المبين ضد الشياطين؛ فلم تكن حرباً تقليدية بل صراعاً مع شياطين الأرض. أقمت لكل شيطان منهم خمسين رجلاً بالمقابل. طوقناهم على جبل شيروياما وأغلقنا المخارج عنهم. وضعت جنداً حتى على حفر الأفاعي. جالت رعشة في جسدي حين أيقنت انحسار فرصهم، فلم أكن تواقا لمجابهة شيطانٍ مستميت. لذلك عرضنا عليهم خروجا كريما، لكن السعار كان قد تلبّسهم قطعاً. تبيّن أنهم فقدوا عقولهم بالكامل ولم يكن لشيء أن يردعهم. انهالوا علينا من الجبل كعفاريت الأوني المسعورة وهي تنهال على فرائسها. لم يتقهقروا رغم قصفهم بمدافع البحرية. بدوا يتنافسون بكم منا يأخذ واحدهم معه إلى الفناء. لكنا رصصنا الصفوف وسددنا الخلل. رغم تفاني أبطالنا، قُتِل الآلاف منا. لم تكفهم رؤوسنا، فباتوا يجزون رؤوس رفاقهم حينما يقترب أجل أحدهم؛ كان مشهدا من الجحيم. تراكمت مئات الأجساد مبتورة الرأس في كل صوب وحدب. لعل ذو الجلالة يعفو بعد إدراك هول الواقعة. أحصينا ثلاثة من الجند بعد حصرٍ وتحقيق، ممن تيقنا ولاءه وقربه من الحدث. كلهم أجمعوا أن الشيطان انزوى بين تلك التلال في الوادي الغائر، بعدما أصيب بطلقة في وركه وأدرك حلول أجله.

شهادة الجندي الأول

لوحة: وليد علاء الدين
لوحة: وليد علاء الدين

يعجز لساني عن وصف ما حصل. رغم تكثف الضباب ورذاذ المطر، تبدّى الحدث أمامي من أعالي التلة بجلاء غريب. اتكأ تاكاموري بعد إصابته على كتف بيبو شينسوكي، والأخير يجره إلى الوادي. لحقهم ثلة من الجند الذين أصابوا شينسوكي في ظهره. بعدها بدأت الأهوال؛ عندما تلاشت عرجة تاكاموري فجأة وكأنه شفي. حمل سيف صاحبه المصروع إلى جانب سيفٍ كان معه في اليد الأخرى وأخذ يلوح بسيوفه في الهواء. ثم بدأ يهوي على رجالنا بجسده الثقيل يمنة ثم يسرة حتى أفناهم. بعدها حدث ما لم أستطع فهمه حتى الآن. تربع تاكاموري ببرود على الأرض كأنه بوذا. ثم هبط برق من السماء وأصابه في رأسه. أخشى جلالتكم أن الإله هاتشيمان قد خطف رأس تاكاموري.

شهادة الجندي الثاني

لا يخفى على ذي الجلالة ميل الكثير من رجالنا للعدو. لعل شهادتي ستقلق جلالتكم. كنت قريبا منهم بين الصخور على شفا الوادي أسترق النظر لأوثق الخيانة العظمى. تظاهروا بمناجزته حتى استتروا في الغور بين الجبال. شكلوا دائرة معه ثم أتموا طقوس الهاراكيري بقيادة تاكاموري؛ إلا واحدا منهم، لا بد أنه فرَّ برأس قائده وأخفاه.

شهادة الجندي الثالث

لقد فنى الساموراي أخيرا يا ذا الجلالة… ولكن باختياره. كنت على رأس الجبل، غير أن المشهد تكشف لي بصفاء مُحيِّر. حينما انزوى الرجلان في الوادي، لحقهم رجالنا وناجزوهم؛ غير أنهم لم يكونوا نداً لرجلين أحدهما مصاب. بعدما قضى جندنا أجلهم، تربع تاكاموري على الأرض بسكينة، بينما وقف شينسوكي على رأسه ليأخذه في حال فشل شق البطن كما هو متبع. عندما أغار تاكاموري السيف داخل بطنه، أفاق أحد رجالنا من خلفهم فجأة وكأنه بُعِثَ من الموت، فأردى بشينسوكي صريعاً بعدما أصابه في ظهره. هبَّ تاكموري على الجندي وبطنه مفتوحة تنزف، فأهلكه خنقاً بيديه. التقط سيفاً بعدئذ وجثا على ركبتيه. صَوَّبَ سيفه إلى السماء ثم هوى بمنكبه على رقبته وجزها بنفسه في مشهد تقشعر له الأبدان. رأيت رأسه يتدحرج ثم يتلاشى. ضُرِبَت طبول الرعد حينها وثار عصف الأرض. توهجت السماء ثم هبت ريح عاتية. لعل تلك الرياح انتشلت رأسه معها بأمر رايجين الإله.

***

جلس الامبراطور في عربته الذهبية يتفكر في الشهادات الثلاث وهو في طريق العودة خائباً إلى العاصمة. لم يكترث بمصداقية سردها لكنه تكدّر من دلالات حملتها. قطعت حبل أفكاره صرخة مدوية أتت من الخارج: رأس تاكاموري.

رغم الفرح العارم الذي خالجه لرؤية الرأس أخيرا، خالط ذلك الشعور إحساسٌ آخر لم يستطع إنكاره. قُلِبَ جسد بيبو شينسوكي على ظهره، بعدما اصطدمت به عجلة أحد عربات الموكب. احتضن الجسد المتيبس رأس تاكاموري بين ذراعيه بشدة ملحوظة. وجد الجند صعوبة محرجة في تحرير الرأس من بين ذراعيه. سبب المشهد لمييجي أسى خفيا. أحس أنه يُودِّع عصر التضحية والتفاني ويستقبل مكانه عصراً سمته التبلد وإيثار الذات. رفع أحد مستشاريه الرأس بيده مزهواً “غدا يُعَلَّقُ هذا الرأس البائس في ساحة العاصمة… مؤذنا بدخول عصر جديد في وطن حديث لا مكان فيه لهذه الشرذمة”.

***

فزع مييجي من نومه في الثلث الأخير من الليل والعرق يتصبب من كامل جسده. جثم على مكتبه وفتح ميثاق العصر الجديد الذي كان قد أمضى عليه قبيل تسع سنوات تقريبا. قرأ البند الخامس بتمعن:

 “إحياء روح الأمة يكمن في جمع العلوم والمعارف من شتى أصقاع الأرض، في حين تواصل الأمة إعزاز تقاليدها الأصيلة وإرثها العريق”.

رفع مييجي قلمه بعدها وكتب:

“يعفى عن سايغو تاكاموري ورفاقه باسم الأمة. يُعاد رأس سايغو تاكاموري إلى جسده ويدفن في مقابر أبطال اليابان. يقام نَصْبٌ ضخم في وسط العاصمة للساموراي الأخير”.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.