كيم سِنغْ هِي أمُّ شاعرات المستقبل

الثلاثاء 2019/10/01
الشعر العظيم يكتب بالألم (غرافيك "الجديد")

هذا لقاء استثنائي بشاعرة من طراز فريد، شخصية هادئة ولكن وراء هدوئها الظاهري ثمة بركان من القلق. ولدى الاطلاع على سيرتها كشاعرة وأكاديمية وناشطة مجتمعية تتكشف عن شخصية شعرية ذات منزع وجودي من طراز خاص، وميل إلى نوع من الفردية المقاتلة في الشعر والفكر. في دراسة تحت عنوان “الأدب النسوي الكوري” وضعها البروفيسور محمود أحمد عبدالغفار أستاذ الأدب الحديث والمقارن في جامعة القاهرة، ونشرت كمقدمة للترجمة العربية لديوان الشاعرة كيم سنغ هي “الحياة داخل بيضة”، من خلال هذا المرجع نعرف أن الشاعرة ولدت في العام 1952 بمدينة جوانج جو بإقليم جولا نامدو الجنوبي، وانتقلت مع أسرتها إلى مدينة سيول، حيث درست بمدرسة “سوك ميونج” الثانوية للبنات، ثم التحقت بجامعة “سوجانغ”.

نشرت أولى قصائدها عام 1973، وصدر لها حتى اليوم عشرة دواوين شعرية إلى جانب العديد من الكتابات القصصية. وهي أستاذة بقسم اللغة الكورية وآدابها بجامعة سوجانغ بالعاصمة سيول، وحائزة على جائزة “سوول” الشعرية عام 1991، وجائزة “كو كونغ هي” الأدبية عام 2003، وصدرت ترجمات لبعض دواوينها بالإنكليزية مثل “أريد أنْ أخطفَ طائرة” عام 2004، و”المشي على حبل الغسيل” عام 2011. وحسب عبدالغفار فإن أسلوب كيم سنغ هي الشعري هو بمثابة “مزيج فريد من تلاعب الفكر والشاعرية التي تؤطرها العاطفة القوية. في شبابها قرأت بنهمٍ، وكانت مولعة بالأفكار الفلسفية لنيتشه وكافكا، كما يمكن أن يطلق عليها بأنها خبيرة بأعمال جاك لاكان، وقارئة متعطشة لميشيل فوكو وجاك دريدا ورولان بارت وإدوارد سعيد، فضلاً عن اهتمامها القوي بكل ما كتبته جوليا كرستيفا”. وحسب تعبير عبدالغفار، غالبًا ما اعتبرت كيم سنغ هي “شاعرة غريبة أو مختلفة جدًّا، متحمسة، وجامحة. وقد وصفها أحد النقاد بقوله “إنها امرأة تجري مع الذئاب".

كيم سِنغْ هي واحدة من أهم الشاعرات والكاتبات الكوريات المعاصرات من حيث المنحى المفاهيمي والفكري في كتاباتها. فضلاً عن أنَّ دراستها الجادة للاتجاهات المتطورة في الفلسفة وعلم النفس ودراسات ما بعد الحداثة، كان لها دور مهم في تميز كتاباتها وكذلك ابتكاريتها في مقالاتها النقدية (..) شخصية قوية معتدة بذاتها إلى الحد الذي دفع البعض إلى تلقيبها بـــ(أمّ كاتبات المستقبل)”.

الحوار هذا معها يمكن أن يشكل مدخلا، ولو من منظور شخص واحد، إلى بعض عوالم الشعر والأدب في كوريا، وبالتالي فهو بمثابة نافذة أولى تشرعها “الجديد” على الشعر الكوري، في سياق جولاتها الحرة على الأدب العالمي وخصوصاً من خلال اللقاء المباشر ببعض أعلامه.

اللقاء بكيم سنغ هي لم يكن مخططا له، وجاء ثمرة لمحاولة شخصية للتعرف على شاعرات كوريا وشعرائها. واللطيف أن ما بات حدثاً مؤثرا، وأدى إلى هذا الحوار المهم، كان ثمرة وقت مختلس من رحلة عائلية.

قبل أن أخوض مع الشاعرة كيم في النقاش الذي مهد لهذا الحوار سألتها لمَ كل هذا الألم في شعرك؟ فبادرتني وهي تقلب بين يديها كتابي “قارب إلى ليسبوس” ما أظن أن شعرك صادر عن ألم أقل. بل إنه مترع بصور الألم. واستطردت تتحدث عن الأثر الذي تركته فيها الفاجعة السورية، وصورة إيلان السوري.. الطفل الذي ألهم الكوريين الشعر. وراحت تطلعني على بعض ذلك الشعر وقد ترجم إلى الإنكليزية.

لا أطيل هذه المقدمة أكثر، ولكن لا بد أن أشير، هنا، إلى أن كيم هي الشاعرة الوحيدة التي أسعفني الوقت بلقائها في رحلتي الكورية، وأن أعبّر عن امتناني للآنسة ندى جونغ جو لي التي رتبت لقائي بكيم سنغ هي، وتكرّمت بتوفير بعض أعمال الشاعرة باللغتين العربية والإنكليزية. وبالمقابل وفرت للشاعرة بعض أعمالي المنشورة بالإنكليزية. وصبرت على السؤال والجواب خلال جلستنا التي سبقت الحوار والمدهش أنها تجيد العربية كما لو كانت ولدت في بيت عربي، مما مهد لأن يكون هذا الحوار كاشفا وقيماً مع “أمّ شاعرات المستقبل”.

الجديد: سنستهل هذ الحوار معك لمجلة “الجديد” من خلال المختارات الشعرية التي صدرت لك مُتَرْجَمَةً إلى العربية.

كيم سنغ هي:  أهلا وسهلا، أنا سعيدة جدا بلقائك في بلدي البعيد عن بلدك. مرحبًا بك في كوريا، وأشكرك وأشكر مجلة “الجديد” على منحي هذا الشرف لأتحاور معك ومع القرَّاء العرب عن الشعر. أشعر أننا أصدقاء من وقتٍ طويل، ربما ذلك بسبب كونك شاعرًا مثلي.

الجديد: بداية ماذا يعني لكِ أن تُتَرْجَمَ مختاراتٌ من قصائدِك إلى اللغة العربية.. ما الذي تعرفينه عن هذه اللغة وثقافتِها الشعرية القديمة والحديثة؟

كيم سنغ هي:  كنتُ مندهشةً وسعيدةً عندما سمعتُ أن مختاراتٍ شعريةً من قصائدي تمَّ نشرُها بترجمةِ الدكتور محمود عبدالغفار، وهو أستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة. أودُّ في هذه المناسبة أن أُعَبِّرَ عن شكري العميق للدكتور محمود عبدالغفار. في ذلك اليوم الذي جاءني خبرُ نشر المختارات الشعرية، طرأتْ على ذهني صورة بذور لزهرةِ “الهندباء” تطير مُرَفْرِفَةً نحو مكانٍ بعيد مجهول، حيث قد تجد البذورُ قلبًا تقعدُ وتنمو فيه، أو قد تصلُ إلى حقلٍ رمْلِيٍّ تنتهي حياتُها فيه. ظننتُ أن مختاراتي الشعرية المترجمة للعربية نُشِرَتْ بطريق الصدفة مثلَ مصيرِ بذور “الهندباء” الذي سيتحدد بالصدفة. عندئذٍ فكرتُ أنَّ قصائدي تسافرُ إلى مكانٍ مبتعدةً عني، لأن ضمير المتكلم فيها ليس شاعرَها-أنا، بل إنه جزء من وجوه البشر الذين يعاصرونني.

دمعة وابتسامة

أما العالم العربي فإنه عالمٌ بعيدٌ عن كوريا في الشرق الأقصى، فلا يوجد كثير من الشعب الكوري لديه معلومات كافية عن العالم العربي، على الرغم من علاقات التبادل المتزايدة التي يشهدها العالمان العربي والكوري في مختلف المجالات هذه الأيام. كما أن الأدب العربي غيرُ معروفٍ سوى لبعض الكوريين الذين يدرسون اللغة العربية وآدابها في أقسام اللغة العربية بالجامعات الكورية، ولا يوجد إلا القليل من الأعمال العربية الأدبية مترجمةً إلى الكورية.

فلم أجد فرصا كثيرة لقراءة روايات أو قصص أو قصائد عربية. أتذكر أنني قرأتُ كتاب “ألف ليلة وليلة” بحماسة في أيام طفولتي كما يقرأه كثير من أطفال العالم، عندئذٍ كنتُ أرى في الحلم مصباحَ علاء الدين السحري الذي يمكنه أن يبني قصرًا خلال ليلةٍ واحدة.

أيام شبابي كان القراء الكوريون حريصين على قراءة مؤلفات جبران خليل جبران، في ذلك الوقت قرأتُ “النبي”، وأعجبني

وفي فترةٍ ما من أيام شبابي كان القراء الكوريون حريصين على قراءة مؤلفات جبران خليل جبران، في ذلك الوقت قرأتُ “النبي”، وأعجبني إعجابا شديدا لدرجة أنني قمتُ بترجمة “دمعة وابتسامة” عام 2001. أظنُّ أن القراء الكوريين يفضلون قراءة الأعمال الأدبية الجادّة التي تعطيهم بعضًا من الوحي والإلهام. كما أنني أحب أعمال إدوارد سعيد الرائعة.

قرأتُ كتابه “الاستشراق”، وكتابه “الثقافة والإمبريالية” قراءة جادة. لقد ساعدتني قراءة “الثقافة والإمبريالية” على زيادة فهمي لنظرية نقد الحقبة ما بعد الكولونيالية، كما ساعدني ذلك على كتابة مقالات علمية قمت فيها بتحليل الشعر الكوري بناء على هذه النظرية النقدية. كما أنني أحب قصائد الشاعر السوري أدونيس. هي قصائد صعبة الفهم بسبب الميل بشدة إلى الحداثة واستخدام كثير من المجازات والإيحاءات، وعلى الرغم من ذلك أحب قصائده التي تتحدث عن الحب والمأساة في حياة إنسان العصر الحديث، ومعاناته وحلمه وموته.

يتكلم أدونيس بصوتِ ضمير المتكلم في قصائده، كما يزيد المحتوى التجريدي الإنساني عامةً في شعر أدونيس من شعور القراء الكوريين به. وفي شهر فبراير الماضي اشتركتُ في مهرجان القاهرة الأدبي، قابلتُ عددًا من الشعراء المصريين. لقد استمتعتُ في هذا المهرجان بالإيقاعات الموسيقية الجميلة، واستمتعتُ بالفكر العميق الذي تحتوي عليه اللغة العربية عندما قرأ الشعراء قصائدهم، على الرغم من أنني لا أعرف تلك اللغة على الإطلاق. توقعتُ أن ألتقي بشاعرات مصريات في المهرجان، ولكني لم أجد فرصة مع الأسف. وتعلمتُ خلال أيام المهرجان كلمة “شكرًا”، أصبحت “شكرًا” هي الكلمة العربية الوحيدة التي أعرفها، وأحب هذه الكلمة لأنه عندما أسمعها أستطيع أن أحس بالموسيقى الصافية والطاقة لدرجة تُشعِرُني بالسعادة والانتعاش.

المعجزة الهشة

الجديد: حملتْ المختاراتُ الشعرية المنشورة لك بالعربية عنوان “الحياة داخل بيضة” إضافة إلى خصوصية المعنى المتعلق بالبيضة بالنسبة إليك..

كيم سنغ هي:  دائمًا أجد نفسي حزينة كلما فتحتُ الثلاجة ورأيتُ البيض في الرفِّ الأعلى من باب الثلاجة، فيُذَكِّرُني ذلك البيض البارد بوجهي ووجوه أفراد أسرتي وأصدقائي ووجه الإنسان المعاصر. كانت عندي صديقة لي تدير مزرعة للدواجن، وأزورها لأرى الدجاجات تحضن بيضها، وأحيانا أشاهدُ فقسَ البيض الذي تخرج منه الكتاكيت بعد كسره. إن مشهد فقس البيض الذي تكسره الكتاكيت الذهبية للخروج منه، أريد تسميته بـ”معجزة الوجود” المتمثلة في طلوع الشمس من الجسد، وتحتاج هذه المعجزة إلى ضرورة الاحتضان الدافئ من الدجاجة الأم.  ولكننا نقابل بيضَ الثلاجة في حياتنا اليومية، وأظن أنها قد ترمز إلى وجه البشر في العصر الحديث، والذي يُحرَم حرارةَ جسد الدجاجة الأم الدافئة وحُلْمَ الفقس. إن إنسان العصر الحديث الذي أصبح الآن يفقد أملَ الفقس، قد أصبح الآن محبوسًا في الثلاجة المسماة بالحضارة، أو بالرأسمالية، أو بالسياسة، أو بالسلطة. في هذا السياق، تكون البيضة رمزًا للضعف وسهولة الكسر بدرجة لانهائية، أيضا تصبح البيضة رمزًا للموت والعقم. تغنيتُ في قصيدة “الحياة داخل بيضة رقم 1” بالعجز واليأس لكائن “مُهْمَل ومُلْقى قد قُذِف به إلى الحياة” بمعنى الفلسفة الوجودية. الإنسان يتيم في الفضاء كفرد (Der Einzeline) ليس له جذور ولا أيد. أما في قصيدة “الحياة داخل بيضة رقم 2” فإنني رسمتُ فيها صورة ذاتية لأفراد أسرتي الفقراء الذين يقرفصون داخل البيض البارد جدا. تحدثتُ فيها عن أسرتي التي تغرق في القلق والهَمِّ بسبب تكلفة علاج الأب المريض في غرفة في المستشفى يسود فيها هواءُ الموت، بدلاً من إنقاذ الروح وجواز السفر إلى العالم الآخر.

البيضة والصخرة

الجديد: لاحظتُ من خلال قصائدك أنَّ البيضة لها معنى خاص في الثقافة الكورية… ارجو ان تعطيني فكرةً عن هذه الخصوصية.

كيم سنغ هي:  يظهر البيض كثيرًا في الأساطير الكورية، حيث يحمل صفةً مقدسةً ويرمز إلى حلم عظيم أو شيء خارق على الرغم من كونه ضعيفا وقابلا للكسر. نجد بعضا من الحكايات عن ملوك وُلِدوا من البيضة في الأساطير القديمة وتاريخ كوريا القديمة، ومنهم بارك هيوك كو سي، والملك كيم سو رو، والملك دونغ ميونغ. لقد قيل إنهم ولدوا من بيضة ضخمة نزلتْ من السماء، وكان لونها أبيض أو أرجوانيًّا. ربما صُنِعتْ أساطير الولادة هذه من أجل جعل ولادة الملك أكثر غموضًا وقداسةً. يمكن أن نرى مثل هذه الأساطير المتعلقة بالولادة من البيضة في بعض المناطق الأخرى من شمال شرق آسيا. أما وصف البيضة التي يولد منها ولد بأنها نزلتْ محاطةً بالنور المقدس، فإنه يدل على أنه ليس ولدًا عاديًّا، بل إنه ابن الشمس أو ابن إله السماء.

من جانب آخر، جاءتْني فكرة أو حلم “ولادة إنسان جديد” من البيضة. وذلك عندما سادتْ في البلاد الاضطراباتُ السياسية الأليمة أثناء نضال يونيو عام 1987. فكتبتُ قصيدة بعنوان “الحياة داخل البيضة رقم 5” حيث تجسدتْ فكرتي الخيالية عن الحرية من خلال وصف المواطنين الذين كافحوا في شهر يونيو 1987: “هناك أُناس يحلمون بالحرية داخل البيضة”. وهناك فكرة أخرى عن البيضة بوصفها بيضةً سياسيةً. يقول أحد الأمثال الكورية: “يضرب صخرةً ببيضةٍ”. يحمل ذلك المثل معنى يُشير إلى شجاعة المواجهة لما يستحيل التغلُّب عليه، أو شجاعةِ التضحية بالذات أو الاستشهاد من أجل الضعفاء.

نجحتْ كوريا في تحقيق التقدم الاقتصادي والديمقراطية من خلال التغلُّب على مختلف الصعوبات والعوائق مثل الاحتلال الياباني، والحرب الكورية، والحكم العسكري الديكتاتوري، والحكم المستبد وغيرها. إذا ضُربتْ الصخرةُ ببيضة فإن جسد البيضة يصير مهروسا ومتمزقًا ويتدفق دمُها. على الرغم من ذلك، استُشهِد الشبابُ الكوريون بشجاعة. لقد ضُرِبَتْ الصخرةُ ببيضةٍ من أجل الحرية والديمقراطية في كل فترة متأزمة تحتاج إلى التغيير، خصوصَا في الثمانينيَّات من القرن الماضي، ومن هؤلاء الشباب “لي هان يول” الذي كان طالبًا في الجامعة، وقد استشهد أثناء إحدى المظاهرات في يونيو 1987.

فالبيضة ترمز مجازًا للشجاعة والتصدى والحماسة من أجل ما يبدو مستحيلا تحقيقه. الآن كبرتُ وأكتبُ مختلف ملامح البيضة هذه في قصائدي المتسلسلة، وعددها يبلغ سبعة. ولكني ما زلتُ أود كتابة قصائد أخرى عن البيضة إذا كانت الظروفُ تسمح لي. عندما أنظر إلى البيض أعتقد بقوة أن الشيء الأضعف هو الأجمل والأنبل.صورة

الشعر والفلسفة

الجديد: في المقدمة التي وُضِعتْ لمختاراتك الشعرية بالعربية، وردت جملةٌ تقول إن شعرك يفصح عن “أسلوبٍ فريدٍ من تمازُج الفكر والشاعرية التي تُؤَطِّرُها العاطفة القوية” ماذا يعني لك الفكر في الشعر؟ وما هي حدود ظهور الفكر في الشعر؟

كيم سنغ هي:  أظن أن كتابة الشعر تبدأ من وصف أشياء الحياة اليومية أو الأشياء الحسية، وتنتهي إلى الأفكار الفلسفية أو العمومية التي يشترك فيها جميع البشر. يعيش الشاعر في عالم يمتلئ بالقيود والحدود، ولكن الشعر يحتاج إلى الفلسفة أو الفكر لكي يتحدث عن الإنسان والبشر. كثيرا ما أستخدم أساليب الصور (Images) والاستعارات والتشبيهات، وأحيانا أسرد ببساطة دون استخدام تلك الأساليب المذكورة.  فأبدأ الشعر بجمل عادية نتكلمها في حياتنا اليومية، ثم أقفز فجأةً إلى الجمل الشعرية. أفضّل هذه الفجائية التي تأتي في لحظة غير متوقعة. لا يُسْتَحْسَنُ ظهور الفكر المباشر في الشعر، فأحب استخدام أساليب السخرية والمفارقة والجناس وغيره من الأساليب الفنية. كما أن الإيقاع عنصر مهم ومؤثر في كتابة الشعر، فتبرز بقوة الصفة الموسيقية، حيث تخلق الإيقاعاتُ الموسيقيةُ إثارةً لغويةً يتفرد بها جنسُ الشعر، وتفقد معاني المفردات والجمل أهميتَها في تشكيل فكرة الشعر. ليس عندي شعرية خاصة بي، وأكتب الشعر ساعيةً إلى إبراز الصفة الفجائية بشكل أكثر إمكانيةً.

مواجهة الخوف

الجديد: شعرك يُعنَى بالتفاصيل الصغيرة لكنه يذهب أبعد من هذه التفاصيل والأشياء اليومية. إنه يقترب منها ويتداولها ويتأمل فيها، بل ويقارن نفسه بها، ولكنه يغادرها إلى نوع من المواجهة الوجودية الكاملة مع العالم. ما الذي يريد شعرك أن يقوله للعالم؟

كيم سنغ هي:  أظن أن الإنسان كائن أُلقِي به في هذه الدنيا. نحن مُلْقَوْنَ عراةً مثل البيضة. فنشعر بالعُزلة والانفراد والوحدة بشكل أساسي، وحياتنا تغرق في العصبية بسبب القلق والانعزال. عندما أكتب شعرًا فإنني أستمتع بإزالة قشرة الحياة اليومية لالتقاط عالم غريب غير مألوف (Grotesque) يكمن تحت القشرة. نفزع من وجود الخوف والقبح المُخَبَّأَيْنِ تحت قشرة الحياة اليومية. أعتقد أنني بتجربتي هذه أحصل على تعاطف القراء واهتمامهم والذين يعيشون حياتهم اليومية التي لا تختلف كثيرًا عن حياتي اليومية. لذا أرجو أن يجتمع ضميرُ المتكلم الخائف بِضَمِيرَيْ المخاطَب والغائِب في العالم، ويشتركان معه في الشعور بالخوف. وفي النهاية يحصل ضمير المتكلم على قوة ورؤية متفائلة يستطيع أن يتغلب بهما على الخوف. لذلك أفضل الاعتماد على أسلوب أتحدَّثُ من خلاله إلى ضمير المُخَاطَب.

الأنثى شاعرة

الجديد: هل تخشين أن يعتبرك القراء شاعرةً تكتب لأجل المرأة وليس لأجل الإنسان، امرأةً كان أم رجلاً؟ وهل حصل أن واجهتِ مثل هذا الالتباس مع قراء شعرك؟

كيم سنغ هي: أنا مسرورةٌ بكوني شاعرةً، ولا أخشى أن يعتبروني شاعرةً تكتب من أجل المرأة. أرى الأمرَ متعلقًا بذات الراوي في الشعر. أنا امرأةٌ بيولوجيًّا، فمن الصعب أن أُخاطِبَ ما هو بعيد عن صوت المرأة، فتلاحظ في قصائدي أشياء تتعلق بتجارب المرأة، مثل الحمل والولادة والسرة والبيضة وأسماء الطعام ورماد الفحم والحلة ومائدة الطعام وحبل الغسيل ولوحة التقطيع في المطبخ وكتب لتنمية مهارة التلوين وصنع الصابون في المنزل ومحل غَسل الملابس التي تعمل بالعُملة (اللوندري)، وترتيب الملابس الجافَّة بعد غسلها. أظن أن من الأفضل أن أكتب الشعر من أجل كل الناس، وعلى الرغم من ذلك أنا سعيدة باعتباري امرأة شاعرة من أجل النساء أيضًا.

المقاومة المعرفية

الجديد: ما هي صورة العدالة التي يمكن للعالم أن يقدمها للإنسان.. في ظل التوحش الرأسمالي المهيمن على الكوكب؟

كيم سنغ هي:  عندي طاقة أو رغبة في المقاومة والتحدي، ولكني أنظر من بعيد كـ”لامُنتمي”(outsider). إن مقاومتي ليست “مقاومة سياسية”. يمكن وصفها “مقاومة معرفية” ألقي بها نظرة ناقدة إلى عدالة “اللاعدالة”. يمكن وصفها بمقاومة ذات نزعة ما بعد حداثيَّة. بالإضافة إلى النظام الرأسمالي المتوحش أعترض على مختلف الخطابات السائدة التي كانت وما زالت تقهرنا بطبيعة الحال، مثل الأفكار النمطية والثقافة الكونفوشية التي تعتمد على الذكوريَّة والتمييز الجنسي والفكر المائل إلى الشمولية. سأقدم قصيدة بعنوان “أثقل نزاع في العالم رقم 2”:
أجد العالم عندما أفتح عيني في الصباح

العالم الموجود بطبيعة الحال موجود عندما أفتح عيني في الصباح

من الطبيعي أن العالم الموجود بطبيعة الحال موجود

من الطبيعي أن العالم الموجود بطبيعة الحال موجود هناك

لماذا العالم الموجود بطبيعة الحال موجود كأنه موجود في مكانه

لماذا هو موجود بطبيعة الحال كل يوم هناك؟

… مَن الذي صنع العالم الموجود بطبيعة الحال؟

العالم الموجود بطبيعة الحال، كان الناس قد صنعوه بالتأكيد

الناس الذين هم جديرون بصنعه بطبيعة الحال

الناس الذين يستحقون صنعه 

لذلك، العالم الموجود بطبيعة الحال صحيح طبعًا

لأن الأمرَ الطبيعيَّ صحيحٌ دائما

تسبب محاولة تقشير العالم الموجود بطبيعة الحال

ضربةَ يد اليقين ثم الطرد

أظن أن كتابة الشعر تبدأ من وصف أشياء الحياة اليومية أو الأشياء الحسية، وتنتهي إلى الأفكار الفلسفية أو العمومية

…………..

(….)

…………..

يروّض العالم الموجود بطبيعة الحال عالم اليقين

ويروض عالم اليقين … عالمنا

ارفعْ قضيةً على العالم الموجود بطبيعة الحال

ارفع قضيةً على عالم اليقين

جيش الاحتلال من الرمل الذي يقترب منا شيئًا فشيئا كل يوم

… أثقل نزاع في العالم

عرفتُ أنه نزاع معه.

يطلب هذا الشعر منا نحن الذين نسعى إلى الأطماع بشكل أعمى في ظل النظام الرأسمالي أو النظام الشمولي أن نحاول إلقاء نظرة من الشك والريب إلى ما نعتبره أمرًا طبيعيا، ونحاول الاحتجاج عليه. كما أنه يرجونا أن نتحدى السلطة وخطابات الرأسمالية المتوحشة.

أعجبني جدا كلام الفيلسوف السلوفاكي سلافوي جيجيك (Slavoj Žižek) الذي قام بإلقاء محاضرة قبل شهور أثناء زيارته لكوريا قال فيها: “نعيش كلنا على مركبة فضائية تسمى بالكرة الأرضية. إذا اعترفنا بحقيقة أننا نتعايش أصبحنا ندرك أن واجبنا المُلِحّ هو تحقيق التضامن والتعاون بين مجتمعات البشر كلها. إذا اهتممنا واعتنينا بمصير البشر فلا يجب أن نصرخ بكلمة ‘أولا’ في أيّ شعار من شعاراتنا. يجب أن نقول أميركا أخيرا، الصين أخيرا، روسيا أخيرا …”، هنا نرى نقدًا لمقولة الرئيس الأميركي “أميركا أولا” عن طريق التحريف المؤدي إلى الانقلاب السعيد. إذا وجدنا العالم الذي يواجه البشر مليئًا بالتنافس من أجل الهيمنة الكابوسية والجحيم المأسوي فعلينا أن نحوِّل فكرتَنا من “أنا أولا” إلى “أنا أخيرا”. أتمنى أن يتغير العالم الجهنمي العدواني إلى العالم الهادئ والمشرق، مع أنني أعرف أنه حلم لن يتحقق. ولكن كلام جيجيك دفعني إلى أن أحلمه.

الماركسية مضاد حيوي

الجديد: سألتُ إدوارد سعيد مرةً.. هل مازالتْ الماركسيةُ فلسفةً يمكن أن تجيب عن أسئلة إنسان العصر في مواجهة قدره المشؤوم، فأجاب: لا بد من الإنسانوية، ولكن الماركسية مايزال لها موقع في ظل الاضطراب الكبير الذي يسود العالم. ما رأيك كشاعرة في مضمون هذا السؤال؟

كيم سنغ هي:  قبل سنوات ذهبتُ إلى جامعة بيركلي حيث انعقدتْ جلسةٌ أقرأ فيها قصائدي، ووجدتُ ورقةً للإعلان عن سيمينار بعنوان “لماذا نحتاج إلى الماركسية حتى الآن؟ الماركسية مضاد حيوي للرأسمالية”. أرى أن ذلك يعني أننا في حاجة إلى وجود الماركسية مادامت هناك خطورة ما تزال للرأسمالية العدوانية والمتوحشة، كنت متأثرة بذلك كثيرا.

الركض مع الذئابصورة

الجديد: يعتبرك النقاد الكوريون شاعرةً جامحةً غريبةَ الأطوار. وقد وصفك أحد النقاد بأنك شاعرة تجري مع الذئاب. كيف تَوَلَّدَ لديهم هذا الانطباع؟ وهل توافقين على مثل هذه الأوصاف أم تجدينها ثمرةَ سوء فهم بإزاء شخصية شعرية نسوية مختلفة إلى درجة فريدة وتعبر عن نفسها بفرادة؟

كيم سنغ هي:  كان يمكن أن تُعَدَّ قصائدي التي كتبتها في بداية حياتي الأدبية غريبةً واستثنائيةً من وجهة النظر التقليدية، فتعرضتُ لكثير من الانتقادات. أنا شخصٌ لامنتمٍ إلى حد ما، وتميل شخصيتي إلى الليبرالية. يومًا ما شجَّعتْنِي صديقتي بقولها إن كوني غريبة الأطوار شيء جميل لأنني فنانة. أعتقد أن هذه النظرة المنتقِدة ترجع إلى بعض الأعمال الشعرية التي كتبتُها، حيث قمتُ بالتحليل النفسي للثقافة الكورية من خلال تحليل وتفسير الثقافة الكورية الذكوريَّة وثقافة الجنازة المتأثرة بالكونفوشية، وثقافة الجماعية (collectivism) المتعصبة، فكتبتُ قصائدَ مثل “تاريخ الأدب الكوري الذي أنا غائبة عنه”، و”كوريا هي محلات كاريوكي”، و”الموت بطريقة كورية”، و”شخص مفقود بطريقة كورية”، و”محاضرة في التاريخ الكوري”، و”اليسارية/اليمينية/الرئة”. في قصيدة “تاريخ الأدب الكوري الذي أنا غائبة عنه” قلت عن نفسي إنني “برغوثة الفأر التي لا تنتمي إلى هذا ولا ذلك” ساخرةً مني. وقلتُ في شعر “جوابا/أوبا/هوبا (يعني اليسارية/اليمينية/ الرئة)” كما يلي:

تدور عقارب الساعة باتجاهٍ يمينيٍّ من الساعة الثانية عشرة إلى الساعة السادسة

وتدور باتجاهٍ يساريٍّ من الساعة السادسة إلى الساعة الثانية عشرة

لا أحد يعتبر الساعة يساريةً ولا يمينيةً

قلْ بعد إلقاء نظرة إلى الساعة ولو كنتَ مشغولا جدا

…..(….) …..

إن غرب عدن وشرقه  

 كلاهما أرض الإنسان التي فيها بئر يتدفق منه الماء بخفْيَة

 وفيها تعيش الرئة مُتَنَفِّسَةً أيضًا .

في هذا الشعر انتقدتُ وسخرتُ من نقاشات متواصلة عقيمة تدور بين اليساريين واليمينيين في المجتمع الكوري. أحب هذا النوع من القصائد التي تعتمد على المفارقات والهجائية، ولكنها قد تعطي شيئًا من الإزعاج وعدم الرضا للنقاد أو القراء.

لعل لقب “المرأة التي تركض مع الذئاب” يعزى إلى مقالتي عن كتاب “المرأة التي تركض مع الذئاب” لكلاريسا بنكولا (Clarissa Estes)، الباحثة النفسية، وكتبتُها عندما طلبتْ ذلك دارُ النشر التي صدر عنها الكتابُ المترجَم إلى اللغة الكورية. قلتُ في المقالة إن الكتاب يتناول الأنوثة الطبيعية، وهي تشبه حُرِّيَّة الذئاب البريئة الصافية وقوّتها الفطرية التي لم تتعرض للقهر والظلم أبدًا. بعد نشر مقالتي عن كتاب كلاريسا المترجَم لقَّبني ناقدٌ اسمه جونغ هيو كو (Jeong Hyo-goo) بـ”المرأة التي تركض مع الذئاب” قائلا إن شخصيتي قريبة من شخصية كلاريسا. منذ ذلك الوقت التصق بي هذا اللقب حتى الآن.

الحرية القصوى

الجديد: صدرت لكِ مختارات بالإنكليزية تحت عنوان “أُريد أن أخطفَ طائرةً (I want to Hijack an Airplane)”.. هذا عنوان مجازي، لكن لو تحقق هذا الحلم أن تخطفي طائرة، إلى أين كنت ستتوجهين بها؟

كيم سنغ هي:  تم اختيار هذا العنوان للمختارات الشعرية بناء على اقتراح دار النشر. ولكن لا أحب هذا العنوان بصراحة. عندما كتبتُ ديوان “أريد أن أخطف طائرة” كتبتُ بقلب مازح وغير جاد، ولكنه أصبح يُعتَبَر عملا جادا بعد اختياره. وأودُّ أن أجيبَ على سؤالك كما يلي: لو كان يتحقق ذلك الحلم أي خطف طائرة، فربما أتَّجِه بها إلى مكان ليس موجودًا في هذه الدنيا، أو مكان لا أعرفه، بالتأكيد ليس إلى هنا لأنني سأغادر، ولا ذلك المكان الذي من المقرر أن أصل إليه.

النوم في الزنابق

الجديد: هل فكرتِ في الانتحار. هناك نوع من السوداوية في النظر إلى الأشياء في شِعرِك تجعل الذات تبدو وكأنها على تخوم المغادرة، تخوم الطيران خارج المكان؟

كيم سنغ هي:  هناك مقولة تذكر أننا نجد أجمل منظر على الدنيا فقط عندما نلقي نظرة الوداع إليها وهي خلفنا. أعتقد أن رؤية الشاعر لا تختلف عن تلك النظرة الحزينة المستميتة لشخص يُشْرِف على فَنَائِه. ربما كنتُ أفكر دائما في إفناء الذات وإزالة الذات. مرة حاولتُ قتلَ نفسي وأنا تلميذةٌ في المرحلة الإعدادية في الصف الثاني، عندئذٍ كان الانتحار المسمَّى بـ”انتحار زهور الزنابق” منتشرًا بين التلميذات، وهن يُصَدِّقْن الإشاعة الرومانسية بأن النوم في غرفة مليئة بـ”زهور الزنابق” يؤدي إلى الموت بلا ألم بسبب نقص الأكسجين. حاولت ذلك، فاشتريت كثيرا من زهور الزنابق، ووضعتها في غرفتي، وانتظرتُ الموتَ في الليل حتى أغرق في النوم. في اليوم التالي استيقظتُ لأرى الصباح الجميل الذي سادت فيه رائحةُ الزهور بغرفتي، بدلا من موتي. لا أعرف كم كنتُ مُحْرَجَةً ومُخَيَّبَةَ الأمل. هكذا فشلتُ في قتل نفسي، ولكني أدركتُ في ذلك الحين أن لديَّ ميولاً انتحاريةً أو نزعةً إلى إفناء الذات.

عندي طاقة أو رغبة في المقاومة والتحدي، ولكني أنظر من بعيد كـ”لامُنتمي”(outsider). إن مقاومتي ليست “مقاومة سياسية”. يمكن وصفها “مقاومة معرفية"

وعندي شعر يتحدث عن أمّ شابة تفكر في قتل نفسها حاملةً طفلَها على ظهرها. عاتبني شخص ما قائلا: ما أسوأ الأم! كيف تفكر في الانتحار وهي تحمل الطفل على ظهرها؟ ولكني أظن أن على الرغم من أمومتها النبيلة قد يكمن في نفس الأم ظلٌ قاتمٌ من الذات. كما قلتُ دائما، الشاعر هو الشخص الذي رأى الجانب الخلفيَّ للقمر الذي لا يراه الناس. إلى جانب ذلك، كتبتُ قصائد أتحدث فيها عن الانتحار، منها “أغنية قاتل نفسه” و”كاتبًا وصيةَ الموت”. وأدركتُ فيما بعد أن الرغبة في الانتحار لا تعني الرغبة في قتل النفس، بل الرغبة في إعادة اكتشاف الذات. أدركتُ أن الرغبة في كتابة الشعر هي الرغبة في إعادة ولادة الذات، وهي ترتبط بالرغبة في الانتحار. أتصور أن ما أريد الحصول عليه من خلال عملية كتابة الشعر هو إعادة اكتشاف الذات، وإعادة خلق العالم.

اكتمال القمر

الجديد: كيف تنظرين إلى انقسام كوريا الوطن الأم إلى وطنين؟ والشعب الواحد إلى شعب في وطنين وتحت رايتين؟ هل في حلم الشاعرة صورة من كوريا الموحدة في المستقبل كما حدث في استعادة المانيا وحدتها؟

كيم سنغ هي:  إن انقسام شبه الجزيرة الكورية مسألة خطيرة تؤلم الشعب الكوري. هي آلام شديدة نحسها في الواقع كأن العظام تؤلمنا ولحمنا يتمزق ودمنا ينزف مثل الدموع. انقسمت شبه الجزيرة الكورية إلى نصفين مقطوعة من خصرها، فأصبحت كوريا معوَّقةً شكلها غريب وقبيح. وتستغلُّ الدولُ الكبرى حالة الانقسام هذه لتكسب مصالحَها الاقتصاديةَ والسياسيةَ فقط، مما أدى إلى أن بلدي يعاني من النزيف الشديد الذي يستحيل وصفه. إذا أُعِيد توحيد شبه الجزيرة الكورية فستكون صورة جميلة ومثالية مثل صورة البدر الذي تتم إعادة نصفيه. ولكن عندي خوف يدفعني إلى التساؤل: هل يمكن أن يصنع توحيد نصفَيْ القمر بدرًا سليما؟ تواجه الكوريتان الجنوبية والشمالية توتُّرات واضطرابات في الوقت الراهن، فأتساءل بحزن ويأس: هل التوحيد هو الخير الأسمى الذي نريده في هذه الحالة؟

الشعر الكوري

الجديد: حدثينا عن الحياة الشعرية في كوريا، عن الشعر في جيلك وعن شعر الأجيال اللاحقة. ما الهموم والموضوعات الرائجة؟ وما الصيغ التي تكتب بها الشاعرات والشعراء؟ ما أحلامهم؟ ما تطلعاتهم؟ وكيف يؤسسون لعلاقتهم بالشعر في العالم؟ من هم مثلا الشعراء العالميون الذين يُقْبِل الشعراء الكوريون على قراءة أعمالهم؟

كيم سنغ هي:  أظن أن الشعر الكوريَّ وصلَ إلى مستوى جيد من حيث مواقف الكتاب المتحدية والجادَّة، ومن حيث التعددية والحداثية والبلاغة. أما شعراء جيلي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي فإنهم تغنوا بحلم الديمقراطية حين كانوا يعانون أيامَ الحكم المستبد القاتم من ناحية، ومن ناحية أخرى انتقدوا بجرأة الجوانب السلبية الناتجة عن عملية التصنيع. حرصوا جميعًا على التعبير عن روح ذلك العصر، ويستند بعضٌ منهم إلى مذهب الواقعية الذي يسعى إلى الأدب الملتزم، وآخرون تَبَنَّوا مذهب الحداثة، ومن أشهرهم هوانغ جي أوه، لي سونغ بوك، تشوي سونغ جا، كيم هايه سون.

مع حلم الديمقراطية وجَّهَ الأدباء الكوريون اهتمامهم إلى قضايا العمال والفلاحين والجمهور العام والنساء، مما أدى إلى ظهور كثير من القصائد الكورية تتناول تحرير العمال والحركة النسائية. وكانت من أهم المواضيع الرئيسية التي تعالجها قصائد ثمانينات القرن العشرين هي “نضال 18 من مايو في كوانغ جو” حيث استُشهِدَ كثير من الطلاب والمواطنين الأبرياء في مدينة كوانغ جو عندما شاركوا في المسيرات السلمية للاعتراض على الحكم العسكري عام 1980. والمقاومة والدموع في نضال 18 من مايو، وحلم السلام، وتعزية الشهداء. أعتقد أن كل هذه الموضوعات تمثل مياهًا جوفيةً تَرَبَّي عليها وتَغَذَّى أدب الثمانينات الكوري.

الماركسية مضاد حيوي للرأسمالية”. أرى أن ذلك يعني أننا في حاجة إلى وجود الماركسية مادامت هناك خطورة ما تزال للرأسمالية العدوانية والمتوحشة

أما شعراء جيل ما بعد جيل الثمانينات، فإنهم نجحوا في رسم رغبة الفرد في أن يعيش في عصر انهيار الميتاخطاب (Metadiscourse). فلم يعد يتعلق هؤلاء الشعراء الجدد بهواجس روح عصرهم التي قد تكبح أنفسهم، بل إنهم داروا حول تحرر الرغبة، واكتشاف اليوميات، ومشاكل المدن، والمشاكل البيئية وغيرها من وجهة نظرهم الخاصة، بلغة مرحة وذكية. يمكن القول إن الشعر الكوري في الوقت الحالي يتصف بالتعددية والفردانية والتخصصية من حيث الموضوع والتعبير، وأن مستواه وصل إلى ذروته. لذا، أرى تصنيف أنواع الشعر طبقًا لقضيةٍ ما أمرًا صعبا، وفي هذه الأيام يكتب الشعراء الكوريون عن الإنسان الذي يُستهلَك تحت وطأة الرأسمالية والسلطة، وعن تحويل ذات الإنسان إلى شبح، وعن إحياء أشياء قد ماتت، والحب والانعزال وغيره.

أظن أن العلاقة التبادلية بين الشعر الكوري والشعر العالمي ليست قويةً بدرجة كافية، ولا يعرف مواطنو العالم عن الأدب الكوري كثيرًا، وربما ذلك يرجع إلى سببٍ لغويٍّ. ولكن القرّاء الكوريين يستمتعون بقراءة الأعمال الأدبية العالمية عن طريق ترجمتها إلى الكورية بسرعة وإيجابية.

أما أكثر شاعر يحب الشعراء الكوريون شعره فإنه -في رأيي- تشارلز بوكوفسكي (Charles Bukowski) الشاعر الأميركي. يعجبني جدًا شعرُه الذي حاول فيه تعرية القناع عن المجتمع والعثور على التفاؤل والأمل باستخدام الكلمات النفاذة والفكاهات على الرغم من أنه كان يعيش حياة يائسة وقاسية كعامل من أدنى فئة في المجتمع الرأسمالي. يبدو أن الشعراء الشباب الكوريين يفضلون قراءة ديوانه الأخير “الليلة الأخيرة للأرض” ( The Last Night of the Earth Poems) الذي تمت ترجمته في جزأين إلى الكورية بعنوان “أعمل الفن الأحمق” و”دروس الإبداع”. وصفته مجلة تايمز الأميركية بـ”شاعر البلاط للأميركيين الفقراء”. بالنسبة إليّ أحب أسلوبه الذي يعتمد على جمل وعبارات تُستخدَم في الحوارات في الحياة اليومية.

قراء الشعر

الجديد: هل في كوريا، وفي ظل التطور التجاري والصناعي والتكنولوجي وفي ظل سطوة الصورة وغلبتها، قُرَّاءٌ للشعر؟ من هم قُرَّاءُ الشعر في كوريا وإلى أيّ الفئات والطبقات ينتمون وما هي نسبتهم؟

كيم سنغ هي:  هناك في كوريا نوعان من قراء الشعر، أولهما جماعة يمكن اعتبارهم قراء محترفين مثل الشعراء الذين ينشرون دواوينهم حاليًا، والطلاب في قسم الإبداع الأدبي الذين يريدون أن يصبحوا شعراء في المستقبل وطلاب لا يدرسون الأدب ولكنهم يستمتعون بقراءة شعر الحداثة الذي يصعب فهمه بسبب التعقيد والغموض. يحب هؤلاء القراء الشعر الفني الذي يكتبه الشاعر المحترف البارز، ولكن هؤلاء عددهم محدود. والنوع الثاني قراء عاديون، يقرؤون قصائد تتناول الحب أو حزن الفراق أو الرومانسية أو التسلية العاطفية. إن عدد مبيعات الدواوين الشعرية التي يحبّها هؤلاء القراء كبير جدا، ولكنني أعتبرهم يستهلكون الشعر مثلما يستهلكون الأشياء في الحياة اليومية. ويقال إن فئة الشابات في عمر العشرينات والثلاثينات تحتل أكبر نسبة. أرى مع الأسف أن الشعر الفني الممتاز للشعراء المحترفين لا يُقرَأ ولا يُبَاع كثيرا. على الرغم من ذلك فإن الشاعر لا يكتب بِمُعَدَّلٍ أقل، لأن الوحدة قدر يُفْرَض على الشاعر في أيّ مكان وفي أيّ وقت.

جرأة الشاعرات

الجديد: هل يختلف شعر الشاعرات الكوريات عن شعر الشعراء الكوريين؟ هل هناك خصوصية لغوية وتخييلية وموضوعاتية وعوالم مختلفة في شعر الشاعرات الكوريات عن شعر الشعراء؟

كيم سنغ هي:  أظن أن الشاعرات الكوريات في يومنا هذا يقمن بأنشطة إبداعية بشكل أكثر إيجابيةً ونشاطًا من الشعراء الرجال، لأن المرأة عادةً تفهم تجاربَها بالإحساس، تكتب الشاعرة-المرأة عملاً لاذعًا يحلل وقائع الحياة بلغتها العاطفيَّة. وعلى الرغم من كثير من التغيرات والتطورات قد شهدها العالم، فإن الشاعرة-المرأة لا تزال تشعر بوجود الظلم اللامرئي الذي يقيّدُها، مما يدفعها إلى تمسكها الشديد بمشاكل وجودية، حيث تعالج الانعزال والغربة، أو الموت والاكتئاب وغيرها كموضوع للشعر باستخدام التشبيهات الجريئة والصور غير المألوفة. أظن أن الشاعرة الكورية لديها رغبة شديدة في تفكيك قواعد الشعر ومبادئه. من جانب آخر، يفضل الشاعر الكوري كتابة الشعر الذي يهتم فيه بانتقاد المجتمع، ويعتمد بدرجة كبيرة على أساليب الهجاء والمفارقة والسخرية. لذلك أشعر عند قراءة شعر وجداني لشاعر كوري أنه يحتوي على أكثرِ الأفكارِ تجريديةً مقارَنةً بالشعر الوجداني للشاعرة الكورية.

آباء الشعرصورة

الجديد: من هم آباء حركة التجديد الفني والحداثة في الشعر الكوري؟

كيم سنغ هي: كيم سو وول (Kim Sowol، 1902-1934) هو شاعر لعب أكبر دور في تجديد الشعر الكوري في بداية القرن الماضي. مارس هذا الشاعر حياتَه الأدبية غالبًا في العشرينات، ومات في عمر مبكر بعدما أصدر ديوانًا وحيدًا معنونًا بـ”زهور الأزاليا” عام 1925، يُعَدُّ من أجمل الدواوين الشعرية في تاريخ الأدب الكوري. في الواقع، تُوُفِّيَ كثيرٌ من الشعراء الكوريين في عمر مبكر أثناء الفترة الاستعمارية اليابانية خلال الفترة ما بين عامي 1910 و1945، ربما ذلك بسبب اليأس والفقر… شيء حزين… كتب كيم سو وول قصائده بصيغة وجدانية تقليدية متناولا الحب والموت والفراق، ونجح في التغني بـ”هان” بالكورية بصوت الراوية المرأة. إن “هان (恨, resentment)” يقال إنه وجدان خاص بالشعب الكوري، ولا يمكن وصفه أو ترجمته بلغة أجنبية مضبوطة على الرغم من كونه قريبًا من الحزن والنقمة.

مع أنه يعد شاعرا رائدا يفضل كتابة الشعر الوجداني بالصيغة التقليدية، فإنه بذل جهوده في تجديد وزن الشعر التقليدي والشعر الغنائي الشعبي، مستخدمًا الإيقاع الداخليَّ بدلا من الإيقاع الظاهر الذي كان الشعر الكوري التقليدي يعتمد عليه، وذلك هو دوره المهم الذي أثَّرَ في تطوير الأدب الحديث. بالإضافة إلى تجديد شكل الشعر، تتضح في قصائده الصفة الحداثية (Modernity) من حيث مضمون الشعر. أود أن أقرأ جزءا من شعر “زهور الأزاليا” الذي يعد من أروع أعماله الشعرية:

زهور الأزاليا

عندما تشمئز من رؤيتي

وتهجرني

سأدعك تهجرني وأصمت

زهور الأزاليا على جبل ياكسان

في قرية يونغ بيون

سأقطفها حتى تملأ ما بين ذراعي وسأنشرها على طريقك 

أرجوك أن تمشي

على الزهور المنتشرة

وتسحقها بكل خطوة سحقًا خفيفا 

عندما تشمئز من رؤيتي

وتهجرني

لن أذرف دمعا ولو متّ. 

يتغنى هذا الشعر بآلام الفراق بصوت الراوية المرأة. ويبرز أسلوب السخرية من بدايته، عندما تقول الراوية إنه “عندما تشمئز من رؤيتي وتهجرني سأدعك تهجرني وأصمت”، ثم تواصل الراوية القول حيث تتحدث عمَّا ستفعله من أجل حبيبها الذي يهجر على الرغم من قولها إنها ستكون صامتة. كما أننا نلمح جانبا قاسيًا من الساديَّة عندما تطلب من حبيبها المهاجر أن يمشي ساحقًا الزهور المنتشرة برجليه. من خلال مثل هذه السخرية أو المفارقة يلقي الشاعر ضوءًا فنيًّا ضمنيًّا على عالم المرأة الداخلي المتمزق والمشوَّه، فنلمس رغبةَ هذه الحبيبة أو الراوية في الانتقام منه على الرغم من قولها إنها ستدع حبيبها يهجر خاضعةً له.

من هنا نرى صورة الراوية المختلفة عن صورة المرأة التقليدية التي تتصف بالخضوع والطاعة والصمت. يمكن أن نلمس في صورة الراوية بعضًا من ملامح المرأة المعاصرة التي تعبّر عن رغبتها واندفاعها اللذين يثوران بشدة في نفسها، ولكنها لا يمكن أن تحكم عليهما. بجانب تغنيه بالتوحُّد مع الطبيعة في شعره، يكشف ويتغنَّى بالذات التي تعيش في العصر الحديث متناولا انعزال الذات عن الطبيعة والله، والوعي بأنه وحيد مثل يتيم بين الأرض والسماء، ورغبات كامنة في الداخل. من كل هذا، يمكن القول إنه شاعر يمثل جسرا جميلا في تاريخ الشعر الكوري يربط بين التراث والحداثة.

شاعر مجدد

أريد أن أتحدث عن شاعر آخر لعب دوره الكبير في تجديد الشعر الكوري، هو لي سانغ (Yi Sang، 1910-1937). خلافا للشاعر كيم سو وول، فإنه يعد شاعرا رائدًا قام بإبعاد نفسه عن التراث الشعري الكوري بجرأة، وتبنى نظرية الحداثة الغربية لتحديث الشعر الكوري. كتبتُ بحثي عن هذا الشاعر العظيم لدرجة الدكتوراه. ولد الشاعر عام 1910 عندما وقعتْ شبه الجزيرة الكورية في الحكم الاستعماري الياباني. ولم يعش هذا الشاعر العبقريُّ طويلا مثل كيم سو وول، وتوفى بسبب مرض السل في  الـ17 من أبريل عام 1937 في اليابان وهو شاب في السادسة والعشرين وسبعة شهور فقط، وذلك فور القبض عليه بتهمة معارضته للسلطة الاستعمارية اليابانية. درس الشاعر الهندسة المعمارية، ولكنه بعد تخرجه انشغل بكتابة الشعر والقصة عن عمل المعمار.

عاش حياة “رجل العصر الحديث” حيث تلاحقه أساطير وفضائح عنه، ونظم قصائد تبرز عبقريته، وأنتج مقالات ورسومًا سريالية أيضًا. كان عنصر حداثته الرئيسي موقف الرفض أو الإنكار، فرفض التقاليد، وأنكر ما يسمّيه لاكان (Lacan) باسم الأب الرمزي (Name of Symbolic Father)، ورفض الالتزام بالقواعد الأساسية في كتابة اللغة الكورية مثل التباعد بين كلمة وأخرى وتركيب الجملة، فأصبح شعره شديد الصعوبة والتعقيد.

ونرى ذروة حداثته التجريبية في أعماله الشعرية عندما استخدم فيها أشكالاً هندسيةً وأرقامًا وكلمات أجنبية وصيغًا فيزيائية ليصبح شعره مستحيل التفسير والفهم، فشعر النقاد في عشيرينات القرن العشرين بالدهشة والصدمة، ولا تزال قصائده صعبة الفهم والتحليل حتى الآن. حاول الشاعر في كثير من أعماله الاعتماد على السخرية والمفارقة، كما صوَّر الشعب الكوري في فترة الاستعمار الياباني حيث يركض الشعب الكوري مندفعًا ويغمره الخوف. أود أن أقدم عمله الذي يستخدم أرقاما.

مسألة بشأن حالة المريض 

1234567890・

123456789・0

12345678・90

1234567・890

123456・7890

12345・67890

1234・567890

123・4567890

12・34567890

1・234567890

・1234567890

نتيجة التشخيص 0 : 1

26/10/1931

الطبيب المسؤول: لي سانغ

(نشر في جريدة “جوسون جونغ آنغ” اليومية صباحا في 28/7/1934 في صفحة 3).  

كيم سنغ هي ونوري الجراح في معهد ترجمة االأدب الكوري في سيول
كيم سنغ هي ونوري الجراح في معهد ترجمة االأدب الكوري في سيول

عندما نقرأ هذا الشعر نشعر بصدمة واضطراب بسبب غموضه. يبدو أن هذا شكل لبيان طبي خاص بالمريض كتبه الطبيب بعد تشخيصه، والراوي أو الشاعر لي سانغ هو طبيب ومريض في نفس الوقت. وذلك يعني تفكك الذات، ويقوم لي سانغ كطبيب بتشخيص نفسه كمريض يرفض عقلانية العصر الحديث. وهناك شعراء آخرون لعبوا دورا مهما في تطوير الشعر الحديث والمعاصر ومنهم جونغ جي يونغ، وليم هوا، وكيم كي ريم، وسو جونغ جو وغيرهم.

الوجداني والواقعي والحداثي

الجديد: في الحياة الشعرية العربية جدل دائم بين الشعراء والنقاد حول فن الشعر، أي حول الكتابة بالصيغ والأساليب الشعرية التقليدية من جهة، والكتابة بالصيغ الحديثة. هل لدى الشعراء في كوريا جدل ونقاش بين معتنقي الطرق المختلفة في الكتابة الشعرية.

كيم سنغ هي:  نعم. أظن أنه لا يوجد فرق كبير بين كوريا والعالم العربي بشأن ذلك. يُكتب الشعرُ الوجداني بشكل أكثر عددًا في ميدان الأدب الكوري، ثم يتنافس الشعر الواقعي والشعر الحداثي. يهتم الشعر الواقعي بفكرة أنه يجب على الأدب انتقاد المجتمع والسعي لتغييره وتطويره بموقف ملتزم، بينما يهتم الشعر الحداثيُّ برسم مفاجآت وفوضوية يشهدهما العصر الحديث بأساليب حديثة. كان ومازال الشعر الوجداني محبوبًا، وسيكون موجودًا في المستقبل. أما الواقعية والحداثة فإن المواجهة المتوترة بينهما مستمرة حتى اليوم.

خرق النظام الرمزي

الجديد: لديك رواية مكتوبة ومنشورة وقصص منشورة ومقالات ودراسات. لكنك أولا وأخيرا شاعرة. ما هي فلسفتك الشخصية للشعر؟ لماذا تكتبين القصيدة؟ ما هي الأفكار والرؤى والفلسفة التي تقف وراء اختيارك أن تكوني شاعرة؟

كيم سنغ هي:لما اكتشفتُ عالم اللغة الجميل المُسمَّى بالشعر وأنا صغيرة تعجبتُ من وجوده، وانجذبت بشدة إلى ذلك العالم الرائع.  بدا لي أنه شيء رائع أن أستطيع خلق شيء ما غير موجود في الواقع من خلال كتابة الشعر، وفي نفس الوقت أعجبني جدا دخول عالم آخر بالخيال. هناك لحظات نحتاج فيها إلى شيء من الخيال والتحليق. الشعر يمثل جنسًا أدبيا تتضح فيه الذاتية بدرجة كبيرة، فيبدو أن الشاعر يُظْهِرُ نفسَه مباشرةً في شعره مثلما يعترف. ولكن يخلق الشاعر في شعره ذاتًا متخيَّلَةً باستخدام أوصاف وصور استعارية، وتتمكن تلك الذات المتخيَّلة من إعطاء الحرية والتحرر للشاعر. أنا سعيدة جدا بأنني أتمكن من خرق النظام الرمزي (Symbolic Order) الذي تم وضعه من قِبَلِ الآخرين عن طريق كتابة الشعر الذي يمثل خطاب التحدِّي ضد السلطة والرأسمالية. فوق كل شيء، أنا أمارس الرعاية الذاتية عن طريق كتابة الشعر.

الشعر والسلطة

الجديد: كوريا الجنوبية، وطنك، تتطور الحياة فيه عكس تطلعات الشاعرة… كيف توائمين بين ذاتك الشاعرة وذاتك كمواطنة في بلد تميل حياة الناس فيه أكثر فأكثر نحو نمط استهلاكي طاغ.. هل قَدَرُ الشعر والشعراء أن يكونا دائمًا في مواجهة مع العالم؟

كيم سنغ هي:نعم، أنا معك. هناك خلافات وصراعات بين الشاعر وبين زمنه بشكل دائم. تدفع هذه الرأسمالية المتوحشة الناسَ عامَّةً إلى طريق عبادة الثروة والمادة كإله. ولكن الشاعر يُبْعِدُ نفسه عن ذلك الطريق ليتخذ طريقا آخر له يحرص فيه على إبداع لغةٍ جديدةٍ في العزلة، أي لخلق عالمٍ جديدٍ بلغةٍ جديدةٍ. بالفعل أوافق على قول إن الأدب مضادٌّ للسلطة والرأسمالية.

الألم أولاً

الجديد: الألم يصنع الشعر.. ولكن ماذا عن الفرح هل يصنع الرقصَ والغناءَ فقط؟ أم أن هناك فرصةً لأن يشارك الفرحُ في صناعة شيء عميق كالشعر؟

كيم سنغ هي: أنا متعودة على الآلام، ويمكن أن أتحدث كثيرا عنها، ولكني لست متعودة على الحديث عن الفرح. وأظن أنه ليس عندي إلا الشيء القليل جدا الذي أتحدثه عن الفرح. ربما هي ظاهرة من ظواهر “المرض الأدبي” الذي أصبت به. تعبير “يصنع الفرح” شيء غير مألوف بالنسبة إليّ. يبدو لي أن الفرح لا يصنع الرقص والغناء، بل يصنع الرقصُ والغناءُ الفرحَ. ويذكِّر سؤالك هذا بأنشودة الفرح لبيتهوفن، وأفكر في القوة أو الطاقة الناتجة من الموقف الإيجابي اللانهائي والتي يصنعها الفرح عندما نقابله بعد عبور الآلام.

 مايا أنجلو

الجديد: من هم الشعراء العالميون غير الكوريين الذين لعبوا دورًا في تشكيل ذائقتك الشعرية وميولك الشعرية؟

كيم سنغ هي: درست الأدب الإنكليزيَّ في الجامعة، فقرأت أعمالا شعرية للشعراء الأميركيين والبريطانيين، ومنهم سيلفيا بلاث (Sylvia Plath) وأدريان ريتش (Adrienne Rich). في أيام الجامعة التي قرأت فيها أعمالهما التي تتحدث عن مسألة المرأة بصوت المرأة، شعرتُ بشيء من الغرابة والقبح، كما أن انتقاداتهما للثقافة الذكوريَّة صدمتني بشدة. فيما بعد أدركتُ واهتممتُ بمسألة هوية المرأة، وتَعَرَّفْتُ على الشاعرة مايا أنجلو (Maya Angelou). عند قراءة ديوانها “أعرف لماذا يُغَرِّدُ الطير الحبيس” وسيرتها الذاتية تعاطفتُ مع الروح الأدبي لهذه الشاعرة السوداء إلى حد بعيد. حتى الآن أتذكر بعضًا من أبيات ذلك الشعر:

“الطير الحبيس يغني برعشة خائفة”.

مشترك آسيوي

لوحة حسين جمعان
لوحة حسين جمعان

الجديد: ما هي الروابط والصلات بين الشعر الكوري والشعر الياباني أو الصيني.. هل للهايكو مثلاً أثر في الشعر الكوري؟

كيم سنغ هي: أعتقد أن العثور على عناصر يشترك فيها الشعر الكوري والشعر الياباني والشعر الصيني اشتراكا مترابطا هو أمر صعب في تاريخ الأدب الحديث على الأقل. في العصور القديمة كانت الدول الثلاث كلها تستخدم الحروف الصينية في الكتابة، حيث تأثر الشعر الكوري القديم بالشعر الصيني القديم تأثرا كبيرا، خصوصا الشعر الكوري القديم الذي يسمى بـ”سيجو” الذي أخذ يظهر منذ القرن الرابع عشر، ويُعتبر نوعا أدبيا لفئة النبلاء لأن البسطاء من غير فئة النبلاء لم يستطيعوا تعلُّم كتابة الحروف الصينية في القديم. مع حلول العصر الحديث الذي تأثر فيه الأدب الكوري بالأدب الغربي تأثّرا كبيرا كتب معظم الأدباء أعمالهم الشعرية بصيغة الشعر الحر. فيمكن القول إن من الصعب القول بأن الشعر الكوري الحديث والمعاصر له علاقة وتأثُّر بالشعر الصيني أو الهايكو الياباني الذي يعد قصيدة ذات صيغة محددة، ويعود تاريخه إلى مائة عام تقريبا. ومن الجدير بالذكر أن “السيجو” هو قصيدة ذات صيغة محددة مثل الهايكو، ولكن بدايته تعود إلى القرن الرابع عشر.

صوت الطبيعة

الجديد: هل تعتبرين الطبيعة مصدرًا من مصادرك الشعرية؟ لمحتُ أثراً اكبر للحياة اليومية والصراع الاجتماعي وصراع المرأة في المجتمع. ماذا عن أثر الطبيعة في شعرك؟

كيم سنغ هي: عشتُ في الريف أيامَ الطفولة. عشقتْ أمّي الزهورَ والنبات، فزرعتْ مختلفَ الزهور والأشجار في حديقة بيتنا. كان بها حتى أشجار الرمان والتين التي كانت نادرة في كوريا في ذلك الحين. ثم غادرتُ ريفي إلى سيول، بذلك بدأت حياتي في المدينة وتستمر حتى الآن. ربما تعود ندرة الطبيعة في شعري إلى استمرار العيش في المدينة من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى ميلي إلى نزعة الحداثة التي ترتبط بالانعزال عن التراث والطبيعة وبالميل إلى الانعزال الميتافيزيقي.

في عام 2014 رحل اثنان من أفراد عائلتي، أحدهما أمي التي تُوُفِّيَتْ في ربيع هذه السنة، والآخر تُوُفِّيَ في خريف نفس السنة. نقول إن موت الإنسان عبارة عن عودته إلى الطبيعة، فقدتُ الشخصين الحبيبين، ثم شعرتُ كأن الطبيعة مدخلٌ مقدسٌ إلى الله. فبعد تلك التجربة القاسية عشتُ معتمدةً على طاقة أعطتني إياها الطبيعة. فبدأتْ الطبيعة تظهر في شعري، وكتبتُ الشعرَ بعنوان “طقوس الزهور لذكرى الميّتين” الذي صورتُ فيه الزهور والأشجار والأنهار والبحر والشمس التي تشارك كلها في طقوس لذكرى الأحباء. بعد هذه التجربة كنت أزور الريف من حين إلى آخر وأجلس تحت الأشجار لكي أتغلب على الحزن والكآبة، حيث أعادتني الطبيعة بجمالها وحيويتها للحياة. في ذلك الوقت دارتْ في ذهني فكرة عن زمن الطبيعة وزمن الإنسان. إن زمنَ الإنسان زمنٌ مستقيمٌ يبدأ من الولادة وينتهي عند الموت، بينما يمثل زمن الطبيعة زمنًا دائريا. يذهب الربيعُ من هذا العالم، ولكنه يعود في العام المقبل، ويُعَبِّرُ مدُّ الأمواج وجَزْرُها عن زمن الطبيعة الدائري الخالد أيضًا. فوصلتُ إلى فكرة أن زمن الطبيعة يدور هكذا مثل دائرة، ولهذا فإنه طريق الخلاص لزمن الإنسان المستقيم المحدود. أمام الطبيعة فقد جعلتني أُحِسُّ بما لم يسبق لي أن أفكر فيه وأنا منشغلة بكتابة الشعر الحداثي، على سبيل المثال: الأبدية والتجاوز وقوة الخلود ورحمة الله وغيرها. نتيجة لهذا، يوجد في ديواني العاشر بعنوان “على لوحة التقطيع الخشبية سمك دنيس”(2017) قصائد تتغنى بالطبيعة.

النافذة والجدار

الجديد: حدثينا عن عاداتك في الكتابة.. هل هناك أوقات أو ظروف أو حالات تحملك على كتابة الشعر أكثر من غيرها.. دوافع وأسباب وظروف محددة؟

كيم سنغ هي: لا أختار وقتًا أو مكانًا معينًا لكي أكتب، ولكنني أكتب عادةً في ساعات الفجر، وذلك بسبب صعوبة النوم التي أعاني منها، فأستيقظ من النوم -غصبًا عني- في الساعة الواحدة أو الثانية فجرًا وأكتب. أظن أنه وقت لا بأس به للكتابة. أحب أن أنظر إلى حركة الشمس في وقت الشروق أثناء عملية الكتابة. ومن عاداتي المتعلقة بالكتابة هو أنني أفضّل توجيه وجهي نحو النوافذ، بدلا من الجدران. أعرف بعضًا من الشعراء يقولون إنه يجب أن يوجهوا وجوههم نحو الجدران عند الكتابة، ولكنني أشعر كأن اللغة والكلمات تتوقف أمام الجدران التي أنظر إليها. على عكس ذلك أشعر كأنني متواصلة مع العالم عندما أنظر إلى النوافذ، وفي الوقت نفسه أشعر كأنّ مناظر العالم وأصواته خارجها تدخل متسللةً إلى الشعر الذي أكتبه. الشاعر هو من يرغب في التواصل مع العالم ليجعل شعره يحتضن أصواته، أليس كذلك؟

ولو تم اختيار موضوع وفكرة وعبارات سأكتبها في الشعر، لا يمكن أن أكتب في أيّ وقت أريده أو أختاره إلا إذا كانت نفسي مليئةً بموسيقى أو إيقاعات ما. أظن أن تلك الإيقاعات تشبه شيئًا أشعر به عندما تبدأ الطائرة في التحليق فجأة بعد احتكاك إطاراتها بأرضية المدرج ببطء، كما تشبه طاقةً دافعةً ما أو اللبيدو (Libido). لا أستطيع القيام بعملية كتابة الشعر إلا في لحظة معينة تتحول فيها اللغة اليومية إلى لغة الشعر. هي لحظة يخترق فيها البرقُ الإبداعيُّ ذهني، لحظة تبدأ فيها الطائرة في الصعود بخفة بعد احتكاكها بالأرض. في هذه اللحظة أكون في غاية السعادة.

التراجيديا السورية

الجديد: أطلعتِنِي على قصيدة بالإنكليزية لشاعرةٍ كوريةٍ هي كانغ يونغ يون عن الطفل ألان الكردي. كيف أثَّرتْ بك المأساة السورية وغرق الهاربين من جحيم الدكتاتورية إلى الموت في البحر المتوسط. ما الذي يمكن أن يفعله الشعراء إزاء التراجيديا الإنسانية في البحر المتوسط… هل تعتبرين أن على شعراء العالم، وأنتِ منهم، واجب ما نحو هؤلاء الذين تعذبهم الدكتاتوريات وتدفع بهم إلى الهرب اليائس نحو البحر والموت غرقا؟

كيم سنغ هي: في الحقيقة إن مأساة ألان السوري جذبت انتباه كثيرٍ من الشعراء الكوريين، كتبوا عنه يعبرون عن الغضب والحزن قائلين: أنا ألان السوري. أظن أن ألان السوري أصبح رمزًا إلى مصير البشر التراجيدي الذي ينتهي إلى التحطم المأساوي. ويكمن وراء حركة الشعراء الكوريين هذه حدثٌ بحريٌّ تراجيديٌّ، وهو غرق سفينة “سي وول هو” الذي وقع في الـ16 من أبريل 2014 في البحر الكوري، والذي شهده الشعب الكوريُّ بحزن وصدمة. كانت السفينة متجهة إلى جزيرة “جيجو” في جنوب كوريا، وعلى متنها أكثر من 400 راكبٍ، ومن بينهم حوالي 300 تلميذ ثانوي ومدرس يقومون برحلة مدرسية إلى الجزيرة.

ظن الشعب الكوري أن الحكومة أهملت إنقاذ الركاب، مما أدى إلى وفاة أكثر من 300 راكب. أعلنتْ الحكومةُ أن أسباب غرق السفينة هي الحمولة الزائدة، وقيادة غير ماهرة لمدير دفة السفينة وغيرها من الأمور، ولكن الشعب لم يصدق ما قالت الحكومة في الإعلان ويعتقد أن هناك كثيرًا من الغموض. أظن أن هذا الحدث يطرح أضواء كاشفة عن مختلف المشاكل التي تعاني منها كوريا بعدما حققتْ تطورًا اقتصاديًّا مكثفًا بشكلٍ غير طبيعي. وهرب قبطان السفينة ورجاله من السفينة التي بدأت تغرق بعدما طلبوا من التلاميذ عن طريق الإذاعة الداخلية للسفينة أن ينتظروا في السفينة ولا يغادروها، فانتظر الطلاب الصغار في مكانهم ظنًا أنه سيتم إنقاذهم قريبًا.

وشاهد الشعبُ الكوريُّ كلَّ ما جرى في مكان الحدث على الهواء مباشرةً في التلفزيون، كما اعتقد أن رجال الشرطة البحرية وجنود الجيش البحري سينقذونهم، ولكن مراكبهم دارت حول السفينة الغارقة فقط دون أن يبادروا بعملية الإنقاذ حتى غرقتْ السفينةُ كاملة. عندها غضب الشعبُ غضبًا شديدًا، فانتشر شعار يقول: “أنا السفينة سي وول هو” انتشارًا واسعًا. لعلَّ الشعبَ الكوريَّ يغضب من نفسه التي لم تفعل شيئا أمام ذلك الحدث الفظيع. كان الغضب والصيحة من الشعراء الشباب شديدين للغاية لدرجة أن معظمهم كتبوا يرثون ضحايا الحدث.

أعتقد أن من واجب كل شاعر في العالم أن يكتب الشعر ليرثي من دَفَعَتْهُ التناقضاتُ الاجتماعيةُ إلى الموت من اللاجئين والأشخاص الأبرياء، لأنه ليس لديه إلا اللغة.  قرأت ديوانك “قارب إلى لسبوس”، ووجدتُ فيه قصائد حزينة جميلة ترثي اللاجئين. وأتذكر قول الشاعر أدونيس عن واجب الشعر: الرثاء هواؤك.

إقرأ أيضاً: خمس قصائد لكيم سنغ هي

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.