يوميات شاعر عربي في نيويورك

من أجل هذه المدينة يحتاج المرء إلى عمر جديد
الجمعة 2022/07/01

حذاء فنسنت

لا يزال هناك عشب ندي وأثر من قدمين قبل أن أضع قدمي في حذائه كان علي أن أتخيل شكل وسادته. أضع رأسي بين يديه ليضمد أذني التي امتلأت بدوي الرصاصة التي اصطدمت بضلعه ولم تصل إلى قلبه. “هل سترسمني أم ستقص لي شعري؟”.

أنا ذاهب من أجل أن أمر به مثل شبح مثلما كان يفعل دائما.

لربما لأن اللوحة لم تكتمل وهو آخر لوحاته فإن الزيت كان يسيل من جذور الشجرة. “ألم تتعب من رسم الأشجار؟” لن أسأله. سأمر به فلا أراه ولا يراني. غير أن وقع حذائه على الأرض سيثير ريبته. سينصت إلى الرائحة. شيء منه صار يقف قريبا من جذور الشجرة المبتلة بالزيت. ليس هناك ما يُذكر بآرل. آرل بعيدة. الحياة بعيدة.

كان الحزن عميقا

ليس هناك سوى الحزن

“هل كانت نزهتك قصيرة؟” يسألني.

وحين لا تصل كلماتي إليه بسبب المسافة التي تفصل بين الأحياء والموتى يبتسم ويقول “لأن حذاءك لم يحمل الكثير من العشب” لم يقل لي لأن حذاءك يبدو كما تركته في غرفتي بآرل. ما كان عليّ أن أرسمه لئلا يدل الغرباء عليّ. أنا غريب أيضا لذلك لن أخسر شيئا لو أضفت غريبا جديدا إلى قائمة الغرباء الذين رسمتهم وجلهم يشبهونني أو هم صورة مني.

“عشر سنوات ليست بالعمر الطويل”

“لقد عشت طويلا. لم تكن تلك السنوات العشر سوى عشرة عظام. عشر سلاحف. عشر إبر. عشر مصائد. عشرة أوتار. عشر حناجر. عشر تنهدات وعشرة خيول جريحة”. أحرك أصابع قدمي في حذائك. هناك زيت لا يزال يسيل. لم تذهب اللوحة إلى اليابسة. لا يزال البحر يهدر في مرآة السماء التي تشق زئبقها صيحاتُ الغربان. لقد رسمتَ بحارا غريبا بغليون وقبعة وعينين منتفختين بعد عدد لا يُحصى من أقداح الخمر. كان الوقت خريفا ولم تظهر المرأة التي تضع على صدرها شارة الحداد.

 يا رجل أنا في نيويورك وهي مدينة يقيم جزء منها في السماء. لن تنفع قبعتك في إقناع حارس المتحف في تغيير موقفه والسماح لي بدخول القاعة المغلقة على لوحتك التي تُرك مكانها فارغا لأنها ذهبت للترميم. ولكن أليس ممتعا أن لا يكون هناك ألم؟

سأمشي بحذائك في شوارع نيويورك بدءا من شارع ماديسون. لن يتعرف المارة عليك فلن ينظر أحد إلى حذائك بالرغم من أنه يستحق أن يكون حدثا للذكرى. الشارع المليء بمخازن الأزياء الراقية يضرب رصيفه حذاءك بإيقاع كئيب. طبل هو خلاصة أفريقيا ونبرة شكوى ينطق بها مسيح أسود.

جئت من أجلك وأخرج إلى الشارع من أجلك.

أنا نداؤك وصفعتك وحزامك وفمك.

لقد رأيت يديك في الحقل. رأيت سريرك في أمستردام. رأيت زهرة عباد الشمس في لندن.

 

ملاحظة جانبية

أن تغمض عينيك على مشهد فإنك لن تراه ثانية حين تفتحهما. هذه مدينة تتغير في كل لحظة فلا تُرى مشاهدها إلا مرة واحدة. أنت لن تعود إلى المكان نفسه فالوقت لا يتسع. المدينة لا يمكن اختزالها برمز من رموزها فهي تحفل برموز لا تحصى. في مركز روكفلر كنت أفكر بثلاثية المال والقوة والسلطة. ولكن منهاتن كلها تدفع إلى التفكير بتلك الثلاثية. خلق ذلك المركز تقع حديقة الورود الاستثنائية وملعب التزلج المكشوف. فكرة الحرية ممكنة في كل لحظة. ولكن اللعبة أكبر من أن يمسك أحد بخيوطها. ما كنت أراه في التلفزيون لا يختلف عما أراه في الشارع. “مَن صنع الآخر؟” هناك وحي متبادل.

في مطعم صغير، مزدحم بالزبائن في شارع كوريا كان درين قد أصر على أن يستضيفنا فيه كان الطعام يُعد على المائدة ومن قبل الزبائن. فكرة مسلية تغنيك عن الحوار الذي يقع خارج الغذاء. الزبائن هنا يعدون غذاءهم بأنفسهم. هناك نار تُشوى عليها لحوم أعدت لهذه الغاية. يقول دارين وهو صيني الأب ماليزي الأم، أميركي الهية ولم يتعلم اللغة الصينية لم يزر الصين “نحن في ضيافة كيم إيل سونغ، الجد المؤسس لكوريا الشمالية” يضحك ويضيف “رئيس كوريا الشمالية الحالي بعمري تماما” حينه شعرت كما لو أننا ممثلون في فيلم دعائي من إخراج دارين. ولكن لا أحد هنا يفكر في الأجداد. في كرينتش فيلج هناك احتمال أفضل للحصول على همبورغر بطريقة منصفة، يمكن للمرء بعدها أن نقول “لقد أكلت همبورغر استثنائيا في أميركا” لقد انتهى عصر القرى.

 شارع الأميركيتين

16-10-2017

 

قناع لمهرج أعمى

رحلة

كما لم تركض في حياتك. لأول مرة في حياتك ما من شيء يتبعك وأيضا ما من شيء تبحث عنه. لا تعرف إن كنت تمشي أفقيا في شارع طويل لا يصل بك إلى هدف تقصده أم أنك تتسلق سلّما تصعد من خلاله إلى سماء لا تفكر في الوصول إليها. “إلى جانب النهر” جملة قالها لي صديقي الرسام رافع الناصري قبل سنوات. سلسلة من الرسوم هي عمله الأخير قبل وفاته نهاية عام 2013. كان النهر قريبا منه بالرغم من أن بلاده صارت بعيدة. في مراحل مختلفة من حياته التقيته. كان متفائلا لأن هناك مسافة لم يمشها بعد. قال لي ذات مرة “نركض لنصل” التفت إليه “ولكن إلى أين؟”. يوم قضّى وقتا متعا في مدينة الفنون بباريس عام 2002 اتصل بي وقد كنت يومها في السويد ليخبرني أن الركض لم يعد نافعا. “علينا أن نتخرع وسيلة أخرى”.

أنا أركض في نيويورك من أجل أن أركض. لا من أجل أن أصل.

تلك وصية صديقي الناصري الذي لم يزر نيويورك. فرانتس كافكا هو الآخر لم يزر أميركا غير أنه كتب واحدة من أجمل الروايات عنها. لقد خُيل إليّ غير مرة أني رأيته وهو يركض في شوارعها. تكتب كمَن يركض ذلك ما كان يفعله هنري ميلر اين منهاتن دائما.

17-10-2017

 

مزاج المهرج الذي يبيع الصمت

ما من شعب قُدر له أن يقدم نفسه للعالم مثلما قُدر للشعب الأميركي. هناك أمم لا نعرف عنها شيئا فيما يعتقد الكثيرون أنهم يعرفون كل شيء عن الشعب الأميركي وهو وهم صنعته الماكنة الدعائية الأميركية بإتقان يبدو من خلاله الكذب نوعا من المزاح الخفيف، المحبب.

 

راعي البقر رئيسا

جون ون، تشارلز برونسون، كلينت ايستوود كلهم رعاة بقر لكن ليس في الواقع بل في عالم وهمي اسمه السينما. وهو ما جعلهم يغزون العالم بخرافة الأميركي الشجاع والجسور والجريء والمغامر والمتحدي الذي لا يخفي ميله إلى العنف من أجل الحصول على المال.

بعد سنوات سنكتشف أن عددا من أولئك الأبطال الخارقين لم يكن يجيد إطلاق النار بعد أن كان قد قتل في مجمل أفلامه مئات البشر برصاصاته التي لا تخطئ طريقها نحو الهدف.

هل كان هناك رعاة بقر حقا في الغرب الأميركي؟

سؤال تأخر طرحه كثيرا. لقد حلت السينما المشكلة حين صدّرت إلى العالم فكرة عن الشخصية الأميركية المطلوب استعراضها عالميا. اما حين أصبح أحد رعاة البقر وهو رونالد ريغان رئيسا للولايات المتحدة (1981 ــ 1989) فقد ضبط الكثيرون ساعاتهم على توقيت الغرب الأميركي.

 

المسرع قتلته سرعته

مات جيمس دين عن عمر 24 سنة في حادث مروري، غير أن رمزيته المطلوبة حيا وميتا صنعت أسطورته. ففي شرق عدن (1955) وهو فيلمه الأخير بعد فيلمين سبقاه قدم دين شخصية الأميركي المتمرد من غير أن يكون معنيا بتقديم أسباب لتمرده. الشخصية المستلهمة من سيرة بطل رواية ألبير كامي “الغريب” صار عنوانا لعصر أميركي سيسلمنا بعد سنوات إلى زمن ستسوده الاحتجاجات التي رافقت حرب فيتنام وهي الحرب التي امتدت حتى منتصف عام 1975 وانتهت بهزيمة أميركية مروعة. كانت الشخصية التي جسدها جيمس دين ضرورية أميركيا في اتجاهين.

هناك مَن يقتل من غير أن يعرف سببا لسلوكه العدواني في مقابل مَن يخرج محتجا على ذلك القتل من غير أن يتوجه بالإدانة إلى آلة القتل التي لم تتوقف عن العمل. لقد التبست يومها الشخصية الأميركية فكان ضروريا أن يظهر جون رامبو مجسدا من خلال سلفستر ستالون عام 1982. كان ذلك هو زمن الريغانية الداعية إلى القفز على تداعيات حرب فيتنام المأساوية من خلال التركيز على الشخصية الأميركية التي تميزت بصفات بطولية خارقة.

كان فيلم رامبو بأجزائه الثلاثة ردا مباشرا على فيلم “القيامة الآن” لمخرجه فرانسيس فورد كوبولا (1979). ولأن كوبولا كان ممعنا في قسوته حين استعرض واحدة من المآسي التي انطوت عليها الحرب الأميركية في فيتنام فقد كان رد هوليود سريعا وصاعقا ومصمما بطريقة شعبية من أجل أن يستعيد الأميركي صورته بطلا مستلهما من الحكايات ذات الطابع الرمزي.

 

كوكب على الأرض

كان الرسام أندي وارهول (1928 ــ 1987) في المرحلة نفسها قد حول كل شيء من حوله إلى أيقونة. ما من شيء في أميركا لا يصلح ألاّ يكون أيقونة تصدر إلى العالم باعتبارها علامة طريق تقود إلى الحلم الأميركي. أميركا هي البلد الوحيد في العالم التي يمكن أن يتحول فيه أي شيء إلى خرافة. الطباخ يمكنه أن يتحول إلى نجم يظهر مع نجوم السينما في حفل توزيع الاوسكار. وهو ما فهمه وارهول جيدا. لم يكن من الصعب عليه أن يحول علبة حساء إلى رمز وطني. وهو ما يصح على مارلين مونرو وإليزابيت تايلور وألفيس برسلي. لا يُرسم الأميركي بطريقة عادية بل يُقدم باعتباره منتوجا لا يُنافس.

لم تكن صدفة أن يهبط الطفل الخارق القادم من كوكب كريبتون قبل انفجاره في مدينة أميركية عام 1938. لقد اخترع ذلك الطفل من أجل أن يكون أميركيا. سوبرمان هو الكائن الذي يود الأميركي أن يكونه في كل لحظة. وإذا ما كان ظهور “سوبرمان” قد أشبع غرور الأميركيين فإنه في الوقت نفسه قد حفر نفقا طويلا يؤدي إلى الذاكرة البشرية مرت من خلاله معجزات أميركية كثيرة، في مقدمتها ناطحات السحاب، كما لو أن أميركا كلها ناطحات سحاب. ولكن لوودي ألن المخرج والممثل والمؤلف وهو ابن نيويورك رأي مختلف في الشخصية الأميركية، حيث أضفى عليها الكثير من الخفة والمرح والنباهة التي تتستر بشيء من البلاهة. حسب “ألن” فإن الشخصية الأميركية بالرغم من تواضعها فإنها تنطوي على الكثير من الذكاء العفوي.

 

الأبيض في برجه العالي

حين الحديث عن الشخصية الأميركية يحضر الفرد ذو الأصول الأوروبية وحده. الأبيض وحده هو الأميركي. ولكن أميركا ليست كلها بيضاء. نيويورك على الأقل وأنا الآن أكتب منها ليست بيضاء بل يبدو الأبيض طارئا. إذاُ ما من شيء واقعي في تلك القناعة. الآسيويون والهنود الحمر والأفارقة وأبناء أميركا اللاتينية هم أميركيون أيضا. في الظل الخدمي هناك الأميركي الآخر. في نيويورك تسمع الإسبانية كما لو أنها لغة البلاد الأولى. الأفارقة في هارلم هم السادة المطلقون. هارلم جزء مقتطع من خيال أفريقيا. الموسيقى زنجية من البلوز إلى الجاز. الرسامون في الشوارع زنوج. رسام قطار الأنفاق لم يرسم سوى نثار حكايات أفريقية. رأيته يترنم بلحن حزين مغمض العينين. عاش الروائي جيمس بالدوين (1924 ــ 1987) حياته كلها في هارلم. الأميركي الآخر لم يكن آخر حقا. شخصية الأميركي يمكن التعرف عليها من خلال ما يأكل. ولأن الأميركيين هم أكثر شعوب العالم شراهة في الأكل فإنهم تنازلوا عن شيء من خيلائهم ليتراجع معه الـ”همبرغر” عن المركز الأول وتحل محله وجبات قادمة من مختلف أصقاع الأرض. أميركي اليوم ليس رشيقا مثلما كان حال راعي البقر. باستثناء الطعام القادم من إيطاليا وهو ما يذكر البيض بأوروبيتهم فإن ما يتناوله الأميركيون يعود إلى أصول مكسيكية وصينية وأفريقية وكورية وعربية. قبل منازل الأزياء تحتل المطاعم المرتبة الأولى في شوارع نيويورك. ربما أحدث وصول أميركي من أصول أفريقية هو باراك أوباما إلى منصب الرئاسة شيئا من الخلخلة في صورة الأميركي التقليدية، ولكن تلك الخلخلة لا تعني الشيء الكثير بالنسبة إلى الثوابت الأميركية.

كان هناك مارتن لوثر كنغ وهو أميركي من أصول أفريقية. وكان هناك فوكوياما وهو أميركي من أصول يابانية وكان هناك أدورد سعيد وهو أميركي من أصول عربية وكان هناك نعوم تشومسكي وهو أميركي من أصول روسية. هناك المئات من أمثالهم. شخصيات صنعت مجد أميركا من غير أن تكون مسكونة بروح سوبرمان الأبيض القادم من كوكب كريبتون. كانت ويتني هيوستن معجزة في الغناء غير أن مادونا وهي مطربة ريفية خفيفة الظل تبقى هي الأكثر تمثيلا للشخصية الأميركية لا لشيء إلا لأن هيوستن من أصول أفريقية. في جزء مهم من أسطورتها الموسيقية في العصر الحديث كانت الولايات المتحدة قد استندت إلى موسيقى البلوز والجاز وكلاهما من صنع العذاب الزنجي غير أن شيئا من ذلك العذاب لم يأخذ طريقه إلى الشخصية الأميركية ليظهر على ملامحها.

 

المهرج في كل مكان

ولكن لمَ لا يكون الأميركي هو بيل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت؟

المشكلة أن غيتس بالرغم من عبقريته وثرائه وأصوله الأوروبية لا يمكنه أن يكون رمزا لأميركا، ذلك لأنه يتحدث بلغة العلم فيما يقوم كل شيء في الشخصية الأميركية على الخرافة. تحتاج أميركا إلى رجل خارق ليس من طراز غيتس الذي تحرم عقلانيته الشخصية الأميركية من ملكة التهريج التي هي موهبة أميركية بامتياز. في الحياة الأميركية هناك الكثير من التهريج، غير أنه تهريج لا يخرج عن السيطرة حتى وإن تخلّى عن أناقته. الفلسفة الذرائعية تتيح له أن يكون موجودا ولو في الهامش الذي لا يمكن الاستهانة بحجمه. ذلك لأن كل شيء في أميركا كبير. أميركا هي بلد المساحات العمودية والأفقية على حد سواء. لن يخيب ظنك حين تلتقي مهرجا يقوم بالترويج للعطور واللوحات الفنية والعقارات والأزياء والسيارات الفاخرة وليس بينه وبين ذلك المهرج الذي يرقص في عربات قطار الأنفاق سوى واحدة من جادات نيويورك الفارهة التي يقل فيها عدد المشردين وعربات بيع الأطعمة الرخيصة.

هناك الكثير من التهريج في الشخصية الأميركية يصعب التعامل معه على أنه جزء من الواقع. في المزادات والصالات الفنية حيث تُباع الأعمال الفنية بأرقام فلكية التقيت كثيرا من المهرجين الذين ارتدوا أقنعة صنعها الرجل الأبيض لتعبر عن مزاجه المتحذلق الذي يقول لك من غير كلمات “هنا يُباع الصمت”

18-10-2017 

 

القناع الهائل

رحلة

حفلة أقنعة في الطرق التي تتنفس أحجارها غبار الأقدام الحافية. حفلة أقنعة في حانات الزنوج، هناك يمتزج العرق بالجعة فيطلقان الرصاص على المارة. يمكنك أن يقتلك أحدهم لأنك اقتربت من رائحته.

حفلة أقنعة في الحدائق والمتنزهات. الكلب ينظر إليك باستغراب كما لو أنك دخلت بيته عنوة لتسرق طعامه. حفلة أقنعة في المصارف. وول ستريت لا يسمح بالصخب. هناك فوضى ترسم بانضباط خرائط العالم في غرف تصوير معتمة.

حفلة في الأبراج. كائنات تراهم مرة واحدة ليختفوا بعدها من غير أن يتركوا أثرا يقود إليهم. اللغة الوحيدة الممكنة تنزلق على حقائبهم.

قناع سائل

قناع غازي

قناع صلب

ليس هناك مَن يرغب في التخلي عن قناعه أو استبداله بقناع آخر.

حفلة أقنعة هي حفلة أشباح. حفلة شعراء منتحرين. ما من أحد منهم إلا وقد عاش مرتين. مرة في الوهم وأخرى في الحقيقة. وما من واقع بينهما إلا ذلك الواقع الذي يعيشه المرء على وقع قدميه. كل هذه الكائنات هي نتاج الذعر الذي يضع قناعه على وجهه ويمشي في شوارع المدينة محتفلا بنصره. المنتصرون على الطرقات فإين ذهب الخاسرون؟

 

حانة القط الأحمر

لمَ لا يحل القوس محل السهم؟

لمَ لا يحل الحوذي محل الحصان؟

لمَ لا تُربط السكين برقبة الدجاجة؟
لمَ لا تُلصق الصيحة بأفواه الزنوج؟

لنَ لا تملأ الفتيات الصغيرات أفواههن مفرقعات؟

“هلاوين” على الطريق ولكل قديس رأس يقطينة.

1

برادة حديد ملفوفة بالخس، ذلك هو عشائي

فيما كان النادل يسد طريقي مثل ملاكم.

سيكون الكابوس أقل غتمة لو لم تُجلس سيدة كلبها على مقعد عال.

أحصي عدد المحطات التي يجتازها قطار الأنفاق في الخط F كما لو أنهن خروف محلقة. كانت يدي على محفظتي وقلبي في رأسي.

2

ما هي أخبار حوتك سيد ملفل؟

حشد من الآنسات البريئات يدخل إلى الحانة. هذا خبر سعيد.

في الجوار لا يزال هناك مَن يضرب بمطرقته على عمود الكهرباء.

ربما سيكون علينا الذهاب إلى شيكاغو للتظاهر.

لا يزال لدي وقت لتقليم أظافري.

3

ما من بلد يقيم في أصابعه مثل مراهق شبق مثل أميركا

ما من معبد يُفرغ عيون زواره من الموسيقى مثل أميركا

ما من متاهة ترشق دروبها بالصمغ مثل أميركا

ما من غراب يشق صدره للأخبار السيئة مثل أميركا

ما من رصاصة تقتل شعبا مثل أميركا.

 

19-10-2017

 

نهار لا يشبهه أي نهار آخر

نهار نيويوركي. أمشي بقدمي هنري ميلر. يُخيل إليّ أن شيئا من بروكلين التي وصفها في رواياته لا يزال موجودا. لن أذهب إلى دكان والده الخياط فقد لا أجده. غير أنني أصر على أن أتبع خطواته في اتجاه الحانة الوحيدة في الحي. هناك معبد يهودي في الطريق كان ميلر قد جلس بسرواله القصير على عتبة سلّمه. أجلس في انتظار رفاقه الذين سيمرون من أجل أن يكون للنهار طعم نيويوركي خالص. سيبكي المعلم حين يرانا في ثيابنا الرثة. صف عصافير مذبوحة غير أنها تتراقص مع نغم لا يُطاق من اللعثمات. أتذكر نهارا عراقيا كنا فيه نتعثر بصورنا الخيالية المتمردة التي تشي بالفقر وحده. كنا أبطالا في صور مستعارة من مجلات الحكايات المرسومة. سنخرج من أنبوبة الاختبار لنكسر زجاج الشرفات التي تطل على الهاوية. حين قررت السلام عليه مد حارس المعيد يده إليّ ببرود. أردت أن أخبره أن صديقي ميلر كان قد حدثني عنه كثيرا، غير أنه التفت إلى سيدة ورحب بها وذهب معها ولم يكن يعنيه أنه قد تركني وحيدا. قلت لنفسي وأنا أصفّر “مروا عليه الحلوين وعذبوني” كنت أقفز بين خطوتين. خطوة لميلر وخطوة لحارس المعبد. أقف كما لو أني ميلر الذي يضيعني في “مدار الجدي” كلما زرت باريس. كنت أفكر في ميلر حين التقيت صدفة في أحد المقاهي امرأة كانت تقرأ “رامبو وزمن القتلة” كتابه. فقدت صوابي ولكنني سيطرت على أعصابي وجلست هادئا. لم أكفّ عن تأملها. ميلر ورامبو وامرأة فاتنة في مقهى ساحر.

كان هناك صمت من حولي. صمت غزير مثل مطر.

مثل مطر صارت الأفكار تسقط على رأسي ولم أكن أحمل مظلة.

وقفت ذات مرة تحت صفصافة لأتأمله وقد قفز من عربة الكتب إلى شارع أبي نؤاس. الرجل الذي شغفت به بالرغم من ولعه بمومسات باريس اللواتي لم أرهن يومها غير أنني لم أكن لأسباب أخلاقية مغرما بهن، غير أن الفن هو شيء والأخلاق شيء آخر.

ميلر معلم كتابة. وهو مرشد حياة أيضا وهذا ما عرفته حين أصبحت مشردا.

 

هناك ما لم يره أحد

ملائكة وحدهم في زاوية الحديقة. لن يعدك الملاك بشيء إن حدثته.

هناك مطر سيملأ المكان بنشيده، كما لو أن سيدة مرت لتوها.

لا يملك المرء سوى أن يحدث صورته في المرآة عن ملائكة ضيعت منازلها في السماء من أجل المشي وراء مؤخرة امرأة.

هناك لغة منسية. لغة تتعثر بين الأقدام.

1

من بين أوراق الأشجار تبعث السماء بحياء شيئا من زرقتها.

2

هناك كلام ناعم يسقط مع المطر لا يفهمه إلا الفقراء.

3

“أنت سعيد” تقول لك المعلمة التي تقود حشدا من تلاميذها خارج الحديقة.

4

كان الملاك يأكل وجبته من الغذاء السريع فيما كنت أسأله عن فاكهة الجنة.

 5

لمَ لا تحدثني عن الموت؟” سألته فابتسم وقال “لم أجربه”.

 

أميركيون

رحلة

يتذكرون أنهم أميركيون. لا ينسون ذلك أبدا. الملائكة إن حطت على الطبقات العلوية هي أميركية. شحاذ يرتدي حذاء ماركة نايك لا ينظر إلى المارة هو أميركي. المرأة التي محت قبل لحظات النعاس عن عينيها واعتذرت لأنها داست على قدمي هي أميركية. لن تبحث عن صياد الأسماك الذي حدثه همنغواي عن النعيم. هناك الكثير من فيتزجيرالد في الجادة السابعة وهم أميركيون. ولكن زيلدا واحدة مرت من غير أن تبتسم. تركت وقع خطوتها على طول شارع إيزكست حيث كان المكسيكي لا يزال منهمكا في إعداد وجبة غدائي. الأميركيون بلهاء، حمقى، طائشون، سذجا ومحتالون غير أنهم سعداء. سيُقال دائما إن هناك كذبا نهاريا لا يمكن التعرف عليه إلا حين يأتي الليل.

 

زها حديد

فجأة ومن غير مقدمات أقرأ اسمها. المرأة الميتة التي ودعناها بلندن بعد أن فارقت الحياة في أميركا. أسطورة العمارة التفكيكية زها حديد، العراقية ابنة الموصل، المدينة التاريخية التي ذهبت إلى زوالها من غير أن تلتفت إلى أحد من محبيها. أن تكون زها رسامة هو أمر لم أسمع به من قبل. أما أن توضع لوحتها في القاعة نفسها التي تضم لوحات من سيزان وماتيس وبيكاسو في متحف المتروبوليتان النيويوركي فإنه حدث يشبه المعجزات. كانت لوحة كبيرة، أقرب ما تكون إلى الأسود والأبيض. رُسمت تلك اللوحة بإتقان لكي تجمع بين التشخيص والتجريد. المفاجأة قلبت المعادلات كلها. زها حديد رسامة. ذلك حدث استثنائي. ولكن ما معنى ذلك الاعتراف بها رسامة؟ يتضح السر حين نرى لوحة صغيرة من السوداني إبراهيم الصلحي عرضت هي الأخرى في القاعة نفسها. كان الهدف سياسيا. لقد استعادت البريطانية حديد عراقيتها مثلما استعاد الصلحي سودانيته بسبب عنصرية الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

19-10-2017

 

أعثر على قاتل

صباح الخير أميركا

تايمز سكوير ليست من عالمنا ولكنها جزء من منهاتن. إنها قلب أميركا الفارغ. كل شيء هناك مختلف وجديد. للضوء رسائل موجهة إلى الخيال فهو لا ينير الطريق أمام السابلة العابرين الذين لا يرى منهم أحد أحدا.

في ذلك الميدان لا يرى المرء إلا حشودا من الهائمين.

 

نسيان

التيه المترف كما لم يعشه أحد من قبل يمكن التعرف عليه في ذلك الميدان الذي رأيته يعج بالمهرجين الذين لا مهنة لهم سوى أن يحرضوك على التقاط صور عبثية معهم.

أيّ ذكرى تلك والعالم كله يقف على حافة النسيان. نسيان الواقع ونسيان الحياة معا. كل لحظة يقضيها المرء في ذلك الميدان الذي عبثيته مثل عدوى هو عبارة عن معصية يتمنى المرء لو أنه لم يلق خطوة في اتجاهها. ولكن مَن لم يزر ذلك الميدان كما لو أنه لم يزر نيويورك. تلك مشكلة مسلية ومزعجة في الوقت نفسه.

عبث في المعاني والحقائق كلها. أهذا هو الدرس الذي تنطوي عليه إقامة ميدان للفرجة على كل شيء ولكنها تنتهي بلا شيء؟

 

التفاهة

في ليلتي النيويوركية الأولى ذهبت إلى تايمز سكوير وأنا أعرف أن هناك مَن يفضل الإقامة فيه. سيُقال إنه مكان ساحر. وهو مكان تزوره الأمم القادمة من كل مكان. وهو أخيرا مكان ترى فيه ما لا تراه في باقي أجزاء المدينة المترامية الأطراف. ولكنه المكان الذي يمحو أثره بنفسه.

لا يخيرك تايمز سكوير بين الثقافة بمفاهيمها المعاصرة والتجارة بما انتهت إليه من أساليب للترويج. إنه يمزجهما كما تفعل المطاعم التي يتعذر عليك فيها معرفة ماذا تأكل.

تذكرت الفنان أندي وارهول وهو ابن نيويورك الذي لطالما مجد التفاهة. ولكن الروائي هنري ميلر وقد كان عميقا في بحثه عن جدوى الحياة لم ير في تفاهات نيويورك ما يُعيب. كانت عيوبها بالنسبة إليه جزءا من الشخصية التي ستغزو بها العالم. وقد فعلت ونجحت في غزوها.

في ميدان الأخبار ما من خبر يمكنه أن يقوى على البقاء صامدا في مكانه دقيقة واحدة. فالعالم يتغير من حولك كل لحظة. وما عليك سوى أن تُصدم وتندهش ثم تنسى. عليك أن تنسى.

كانت ماكنة أندي وارهول تطبع صورا من أجل أن يرى العالم خلود ما لا يقوى على البقاء لدقائق معدودات.

 

متعة

يقع ميدان التايمز عند تقاطع شارع برودواي والجادة السابعة والشارع 42 في جزيرة منهاتن. وقد اكتسب الميدان تسميته عام 1904 بسبب وجود مبنى صحيفة نيويورك تايمز الأكثر شهرة في العالم فيه وهو المبنى رقم واحد. وكان اسم الميدان من قبل “الساحة الطويلة.“

الميدان الذي اشتهر بإعلاناته الضوئية التي يحجب بعضها ناطحات سحاب يقصده السائحون من كل مكان لأسباب كثيرة تعتبر كلها ثانوية مقارنة بالسبب الرئيس وهو التمتع بمرأى تلك الإعلانات التي صارت هدفا في حد ذاتها.

الإعلانات العملاقة تضفي على المكان طابعا سحريا تتعطل الحواس بسببه عن العمل فيبدو المرء أشبه بزوار الأماكن المقدسة مأخوذا، مختطفا كمَن يمشي في نومه.

 

جسور

لا يكذب ميدان الوقت بمعنى العصر (الترجمة الحرفية لتايمز سكوير) ولكنه لا يقول الحقيقة لأنه يكذب دائما. فالكذب حين يكون طبعا وصنعة يمكنه أن يحل مشكلتنا مع الصدق.

الإعلانات الضوئية التي هي بحجم برج ينطح السماء لا تترك لك مجالا للتفكير. إنها تفكر بدلا منك حين ترشدك إلى ما يفيدك في حياتك اليومية. “ثم مَن أنا؟” وهو سؤال يوجهه المرء إلى نفسه في الساحة التي يكثر فيها مريدو الإعلان الذي يقطع الأنفاس ويشتت البصر.

هي ظاهرة فريدة من نوعها في العالم وإن سعت مدن عديدة في العالم إلى تقليدها غير أن الأهم فيها أنها صارت واجهة لمدينة عملاقة هي نيويورك وللجزء الأكثر معاصرة منها، جزيرة منهاتن التي صارت جسورها إلى بروكلين وهي اليابسة الأميركية بمثابة جسور إلى العالم كله.

زيارتها واجب لأنها تقدم الكثير من مفاتيح نيويورك غير أن الإقامة فيها لا بد أن تقود إلى العمى. فلا شيء يمكن تخيله بصريا بعدها.

في إمكان ميدان الأخبار أن يحل محل المدينة التي قد لا يحتاج المسافر إلى الذهاب إليها بسبب غرقه الليلي في أضواء ذلك الجانب الروح القدرة على التحكم بأوقاتها.

يمد التايمز سكوير جسورا إلى العالم غير أنها تقف بين المرء ونفسه فلا يقوى على التفكير بماضيه ولا بمستقبله. الحاضر وحده يقف أمامه جاهزا مثل وجبة في ماكدونالز أو بيرغر كنغ أو كنتاكي.

 

أرنب

“يمكنك أن تلتقط صورة معي من غير مقابل” يقول لي الأرنب.

تذكرت حينها حكاية “أليس في بلاد العجائب” مرتبكا.

كان الأرنب الذي يقف أمامي بحجم كبير إنسانا ارتضى لنفسه أن يكون أرنبا وهي مهنة تقترحها الحياة في ذلك الميدان الخيالي الذي هو شاشة لحقائق عصرنا، ما خفي منها وما ظهر. لقد رفضت أن التقط مع ذلك الأرنب صورة بسبب رغبتي في ألاّ أضحك على نفسي وهي رغبة لا تمت إلى الحقيقة بصلة. لكي لا أبدو مهرجا وهو أمر قد لا أتمكن منه فعلا. أمن أجل أن أؤكد للآخرين أنني مررت بذلك المكان صار عليّ أن أقف مثل معتوه إلى جانب أرنب؟

ما لم أصدقه في تلك اللحظة صدقته وتصدقه ملايين من البشر.

سيكون حدثا سارا بالنسبة لتلك الملايين أن تلتقط صورة مع أرنب في تايم سكوير. حدث استثنائي سيثير الكثير من الأسئلة في تاريخ العائلة.

كل شيء يوحي بالمكر. هناك خديعة في انتظارك وأنت تنزلق بهدوء وشغف.

لست سوى واحد من نصف إنسان يمر ببلاد العجائب.

 

عارية

لا يحتاج المرء في تايمز سكوير إلى نصيحة من نوع “خذ راحتك. في إمكانك أن تفعل ما تشاء هنا” يمكنك أن تتحقق من ذلك من خلال مراقبة المارة وإن كان التلصص يتم بصعوبة بسبب الازدحام الذي يشهده المكان وسرعة مرور العابرين والأضواء التي تخفي الكثير مما يمكن أن يُرى من المباني ومن الناس وضيق الوقت والوقت هناك ضيق دائما.

ما أن يجلس المرء للمراقبة حتى يكتشف أن حفلة جنون كبيرة تجري من حوله، هو الآخر جزء منها فلا يُستبعد أن يراه الآخرون مجنونا متخذين من جلسته جامدا كتمثال دليلا على جنونه. وليس في ذلك ما يضر أو يسيء. ففي ذلك الميدان الواسع هناك مَن يرقص على هواه كما لو أنه في حفلة فالس أو يغني بصوت عال مقطعا من أوبرا وهناك مَن يكلم نفسه بلغة سعيدة. إلا أن كل ذلك يجري في إطار طقس جماعي يخاله المرء مستمرا إلى يوم القيامة فلا ينتهي. وهو ما يعزز الشعور بسلطة الروح الأميركية التي تتباهى وتفخر بزهو بما هو زائل وشاذ واستثنائي وصادم وانتهاكي. وسط جوقة الأرانب رأيت فتاة تتنقل عارية بثقة وقد قام أحدهم برسم ملابس داخلية على مناطق جسدها الحساسة. قلت لنفسي “هي ذي الحرية عارية”.

هل كانت تلك الفتاة إعلانا أم أنها مثل الأرانب تعمل لحسابها الخاص؟

سيكون من الجنون أن تسأل أحدا عن أحد في ذلك المشهد الذي يبدو عفويا على مستو الواقع المتاح، أما في حقيقته فإن كل شيء فيه مصنوع من ألفه إلى يائه. إنها حفلة مختلقة من أجل أن يبدو اللاشيء ضروريا.

“صباح الخير أميركا” البرنامج الأكثر شهرة ينتج في تايمز سكوير.

20-10-2017

 

الأذكياء المنسيون

رحلة

فوق الشعب بسنتمتر لا يُرى يقيمون.

ولكن أين يقيم الشعب؟

على الناصية هلاكه الخفيف ومن بين فخذين تنطلق صيحة ديكه ويعرض الباعة المتجولون ثيابه للبيع فيما يهبط لقلقه من قبة المسرح التي تنشق بين صيحة وأخرى. هناك فكرتان من أجل ألاّ يكون الشعب منسيا أو معرضا للنسيان. إما أن ينتحر أو يخرج عاريا إلى الشارع بعد أن فقد ثيابه التي بيعت باعتبارها ذكرى رجل ميت.

اخترع الرأسماليون الرياضيات الحديثة من أجل ألاّ يكون الوعد بالجنة حقا متاحا للجميع. لذلك فإن السنتمتر الذي لا يُرى هو أكثر الحقائق صلابة في الجحيم. هناك حيث يقيم الأذكياء المنسيون لا يسمح الملائكة بإدخال الكتب. لقد امتلأت خزانات المتحف. صار ممكنا البحث عن جحيم آخر. غير أنك لن تعثر على جحيم يضاهي نيويورك بسعته ورفاهيته وترفه وسذاجة رواده. ستقف طويلا في انتظار أن يلتفت إليك أحد. نيويورك مطعم مترامي الأطراف يركض عماله بالوجبات من غير أن يتعرفوا على وجوه الزبائن الأذكياء.

 

تمكنت من أن أعثر على قاتل

“هل تعرفين ما الكيلوغرام؟” سألت البائعة في المتجر الكبير القريب من بيتي. ابتسمت الفتاة بحيرة وقالت “سأسأل ذلك الشخص فهو أقدم مني في العمل”. بعد لحظات أقبل ذلك الشخص وقال لي “لديّ فكرة غامضة عن ذلك الشيء. ما الذي تريد معرفته؟”. قلت له “أردت أن أعرف كم ليبرا في الكيلوغرام؟” “ذلك ما أجهله. أنا آسف” قال ذلك وابتعد مسرعا كما لو أني أحرجته.

اكتشفت حينها أن الكيلوغرام شيء لم يقع في أميركا.

البدينات اللواتي رأيتهن لا يعرفن ما الكيلوغرام. كيلوغرامات العاطفة المستفهمة التي أحملها لن تجد لها محلا هنا. تكره أميركا لأنك شيوعي. تحبها لأنك تكره الشيوعية. الـ”جينز” ومشتقاته لن تجعل منك راعي بقر ما دمت لا تعرف وزن البقرة الحقيقي. تعرف أن في أعماقك ينام قاتل هو مجرد مشروع لبطل يلهو بمسدسه أو يلوح بيديه مستسلما.

“لا تقترب مني أكثر” صرخ الأفريقي البدين من غير أن أفهم ما الذي دفعه للصراخ. كان يحتاج إلى أن يصرخ. أقنعت نفسي أنه كان على حق. لمَ لا يكون كذلك وقد كان مستعدا للنزال دفاعا عن حقه. قفزت كما لو أنه لدغني واعتذرت. كانت لديه أسنان كثيرة في فمه وتبدو لثته سليمة. لست في أوروبا لأستفهم. لربما ورث ذلك الشاب ذعرا قديما من أجداده الذين هربوا من العبودية إلى نيويورك أثناء الحرب الأهلية. بعدها سأكون حذرا. لن يناسبني أن أعثر على قاتل كل يوم.

 

إنهم يبغضون ظل الطائر

الحرية بقعة بيضاء تقف عند الأفق كما لو أنها امرأة. تشبه المرأة لتي مرت من غير أن تترك أثرا. البركة المنسية التي أحاطت حجرا بنورها وأخفت خفقة جناحيها بضحكتها.

لا أحد يهب يديه للحرية من أجل الحصول على قبعة من قصب. لقد رأيت رؤوسا كثيرة من غير أن تقع نظرتي على أجساد تحملها. الكابوس الذي يحط بسريري يكتظ بالأشباح.

قرب باب المعبد اليهودي يقف رجل بدين بغطاء رأس أسود. “هل أضعت هذا المفتاح؟” يمد لي يدا فارغة. أنظر إليه مستفهما فينظر إلى يده “لقد خطفه الطائر قبل أن تمد يدك إليه”.

كان الطائر يقف على المدخنة فيما امرأة تربت على رأسه.

 

من أجل جاكسون بولوك

أردت أن أشم أصباغه. لا تزال طازجة كما لو أنه دلقها منذ لحظات واختفى. أعرف أنه يجلس الآن في الحانة التي تقع في الجوار. هناك صخب يعيد إليه هدأته. هناك مياه تجري بعنف تحت جلده. لقد ألقى بالعاصفة على سريره. ووضع المفتاح تحت سجادة صغيرة كان قد جلبها من الجنوب. غشى الضباب عيني وأنا أنقلهما بين قدميه المسرعتين. يمشي مهرولا على أرض كوكبه مثل أمير إكزوبيري الصغير. الضائع الذي وضع العالم في جيب بنطلونه الخلفي مثل ملعقة شاي ووقف على الحافة مستعدا للقفز. تلك هي نهاية العالم ما دام الرسم قد كف عن النظر. كان للرسم يوما عينان وقحتان نظر من خلالهما غويا برعب. لا وقت لسرد الحكاية. كل شيء يمضي على عجل. القطارات تحرث سيبيريا والعم ستالين ينفخ دخان غليونه بعد أن امتلأت عيناه دموعا وهو يتذكر أن الرفيق تروتسكي واجه قتلته مبتسما. “أتراه هزمني؟” هناك ماويون يتظاهرون دفاعا عن الهندي الأحمر الأخير. ينظر الرسام من خلال زجاج الحانة ويبتسم بحزن. لا يكفي أن تكون غاضبا لترسم. لا يكفي أن تتنفس لتعيش. لقد تركت دجاجتي في الممر. إن ما تنقره ليس حبة قمح بل دمعتي التي خانتني. نخون الرسم فيبدو كما لو أنه يخوننا. لا شيء يمكنه أن يصنع معادلة أخيرة. لقد تتبعت خطاه ولم يكن جسده مرئيا. كانت خطواته ثقيلة وتطلق أصواتا مثل طبل يتدحرج من قمة جبل. لقد سقطت أحجار كثيرة غير أنها لم تصل بعد. يد الرسام عمياء وحصانه يركض. كان علينا أن نكون مستعدين ليوم لا يستطيع الرسم فيه مجاراة ذعر الإنسان. أما ما يتعلق بالرسام الذي يجلس في الحانة بثياب العمل مثل صباغ فإنه يجلس وحيدا وهو يفكر بالكائنات التي لم يرسمها يوم كان يود أن يكون بيكاسو أميركا. يبتسم لسذاجة الشاب الذي كانه. لم يكن ذلك الشاب أميركيا بما بكفي. لقد أهدته نيويورك أسلوب حياة صار أسلوبه في الرسم. إنه يركض حتى اللهاث ولا يقف إلا من أجل أن يلتقط أنفاسه. لقد اخترع “الرسم الحركي” الذي ينتسب إلى التجريد فيما هو في الحقيقة مرآة لحياة ستمر مسرعة مثل خطوطه التي هي ليست خطوطا بالمعنى المدرسي. هل عليه أن يحتاط من أجل الخلود وهو الذي سيموت في حادث سببه السرعة؟ أسرع في الرسم فكان ذلك سببا لخلوده وأسرع في الحياة فاصطاده الموت. ما فعله ذلك الشاب الجالس في الحانة مثل صبّاغ أنه غيّر الخطط كلها. لقد شعر أن الحياة قصيرة فمن العبث أن يقضيها المرء وهو يراقب الواقع لكي يرسمه بعد أن يتحايل عليه. ليكن الرسم إذاً عصيا على الواقع بما يجعلهما عدوين. نيويورك ليست مدينة، إنها ماكنة وضع الإنسان أعصابه في خدمة جبروتها. لتحل الأعصاب إذاً محل المشاهد التي يراد من خلالها تهدئة الأعصاب. في حقيقة ما فعله فإن بولوك لم يرسم. لقد تعامل مع مهنته باعتباره صبّاغا يقود يديه خيال الرسم. كانت تمطر خارج الحانة. يضحك الصباغ ويقول لنفسه “لقد تركتها تمطر داخل المرسم” سيكون الرسم يسيرا بعده. ولكنه في الحقيقة صار أصعب. ما من رسام قلد بولوك في أسلوبه إلا وأخذته العاصفة. لقد اكتشف بولوك طرقا بصرية جديدة تقود إلى الحقيقة. توحي لوحاته بأنها أنجزت بسرعة وفي وقت قصير ولكن ذلك الحكم ليس صائبا. لقد كانت تمطر في المرسم ولم تكن قطرات المطر سوى دموع الرسام. كان فتى التجريدية التعبيرية المدلل يتعذب وهو يرسم.

 

برائحة العسل

بقشرة الذهب

“لقلة العشب عليك أن تدرب الجمل على النسيان“.

حين تعلمت الكتابة حلمت بسطر لا ينتهي. بعد أربعين سنة وقفت أمام جناحين أبيضين هائلي الحجم في وول ستريت من غير أن أرى الحمامة. لم يقل لي أحد إن الحمامة تأبى الظهور لشعورها بالخجل للما جرى في الغابة. كان علي أن اخترع سببا لغيابها. ولأني يومها كنت في أمس الحاجة إلى أن لا أسأل فقد جلست على حجر وصرت انقب بغصن يابس بحثا عن ممر يقودني إلى مملكة النمل التي تركتها على سطح بيتي بالأعظمية. لقد تيسر لي منذ زمن بعيد أن أدرك أن السطر الذي تخيلته طويلا ولا ينتهي كان يمر بأعشاش طيور ميتة، كان علي أن أنصت إلى هديلها المتخيل من غير أن أكذب أذني. حين يسألني الغريب “من أين أنت؟” فلأنه يرغب في أن يخبرني طرفا من حكايته التي يضع من خلالها تعاسته على الرصيف. أما سعادته وهي أقل ما يملك فقد تركها في مطبخ البيت مخبأة تحت ورقة المشتريات اليومية. خبز وحليب وشوفان وموز وجبن وطماطم وخس ودجاجة صغيرة. سأشعل الفرن وفي الاثناء أتناول عددا من كؤوس النبيذ الأحمر. أخبرني أنه لا يكتب رسائل إلا في أعياد الميلاد. يسره ألاّ يكون وحيدا في الأعياد. المرأة التي تركته وقد كانت زوجته لعشرين سنة لا تزال تعيش في المدينة نفسها. إنها تكلمه أحيانا بالتلفون. هي الأخرى تعرف كل شيء عن ولديهما. الأكبر يعمل في جنوب أفريقيا مهندس إلكترونيات والثاني أعجبته الحياة في نيودلهي وتزوج بعد أن صار سياسيا. “إنه ثعلب مثل أمه” من حيث لا أدري ابتسمت بحياء فقال لي “لا تعجب. الحياة هكذا. نحن ضيوف في بيت لم يبن بعد أما أصحابه فإنهم ينظرون إلينا من مكان خفي” لقد كنت راغبا في أن أحدثه عن ذلك السطر الذي فجعني بأعشاش طيوره الميتة. “يمكنك ألاّ تعثر على كلمة ليكون ذلك سببا مقنعا لكي يتوقف القطار في مكان لا ينتظرك فيه أحد. تقلقك العتمة فتضيع وما من أحد يمد يده إليك. أنت وحدك حين تكتب. إن عثرت على تلك الكلمة في المعجم فإنها قد تقودك إلى مكان لا تريد الوصول إليها” قال “الكتابة صعبة”، “وأصعب منها ألاّ تعرف بديلا عنها لكي تتأكد من أنك لا تزال حيا”. صمتَ. كان هناك شاب يغني مثل التون جون. التفتنا إليه معا. لم يكن آدم (كان ذلك اسمه) مقتنعا بأنه طرد من الجنة بشكل نهائي. قال إنه لم يتسلق الشجرة. لقد وجد الثمرة أمامه فأكلها. صار يضحك حين مرت امرأة بمؤخرة أسطورية. “لو أن الكتابة كالكلام لبقي الحواريون يؤلفون أناجيل لا يمكن أن يُحصى عددها” فتح عينيه على وسعهما “في هذا أنت مخطئ. لم يعد تأليف الأناجيل من اختصاص الحواريين. منذ زمن بعيد صار في إمكان كل شخص أن يؤلف إنجيله. وهي مهمة ليست بالعسيرة. ما عليك سوى أن تمشي على السطر كما لو أنه حبل. لعبة يمكن أن يتقنها كل إنسان. تروي لتعيش وتعيش لتروي” هنا مد إلي يده وصافحني وهو يقول “لا عليك. أنا مجرد كائن هامشي” ومضى.

أثقل منه بصله

مر بحقول التفاح وكان حزينا فلم تأسره الرائحة

آدم لم يترك عنوانا ولا رقم تلفون

ترك إنسانيته وهي مزرعة بصل بين حروف السطر الذي لن ينتهي، محيطا بي من كل جانب. كان حمامة نيويورك الغائبة حتى أني ظننت أنه كان من اختراعي أو أنه كائن زارني أثناء سقوطي في غيبوبة فيما كنت أتأمل الجناحين الهائلين.

في مقهى بشارع ديلانسي

 21-10-2017

 

الغرباء لا يقتلهم الضجر

الفلاحون القادمون من الأطلس بعباءات زرق فرشوا الأرض صبارا ومشوا على سحب من دموع ولأنهم غرباء لم يرهم أحد من زبائن الحانة التي غطاها الدخان بليل كائناته الذاهبة بهدوء إلى النعيم.

الغرباء يمشون كما لو أن المختبرات أطلقتهم ليجوبوا الشوارع ممتزجين بهذيان سنديانة وحيدة ترك الفارون من الحرب الأهلية آثار أقدامهم على جذعها حين ذهبوا واحدا إثر آخر إلى السماء.

المحلقون بأحذيتهم الرطبة تركوا أبواب بيوتهم مفتوحة ونسوا مواقيت الصلاة في الكنيسة ودثروا حيواناتهم وأشعلوا مواقد التدفئة وملأوا مطابخهم باللحوم المجففة خشية أن لا يجد اللصوص شيئا صالحا للأكل.

أما حين قدم اللصوص فلأنهم كانوا غرباء وكانوا يائسين وكانوا حمقى فإن جرس الكنيسة لم يمهلهم وقتا لسرقة الصحون وذهبوا إلى الصلاة نادمين على تلك الساعة التي قرروا فيها أن يهبطوا من القطار.

 

آهات الولد الضال

1

“ليس المسيح وحده من مشى على الماء. أنا امشي على الماء أيضا” ومشى.

“ليس الطائر وحده ما يطير أنا أيضا أطير من غير الحاجة الى جناحين” وطار.

حين اختفى وراء الغيم كانت لا تزال فقاعات في الماء تذكر بخطواته.

2

لا تحتاج الفكرة إلى رأس يفكر. تحتاج إلى يدين تكسران الزجاجة.

لا يحتاج جرس الكنيسة إلى رؤية المصلين لكي يعلن عن وقت الصلاة.

هناك ديك ينام على السياج في انتظار أن تضربه الشمس بسوطها.

3

حين تبكي حورية البحر بين يدي الصياد فليس لأنها ترغب في العودة إلى منزلها. إنها تشارك الصياد حيرته التي وضعته بين جوعين.

 

أغنية فاشلة من أجل نيويورك

          "تحت نصب الحرية"

ليست كليوبترا بل ظلها. عشبتها السامة

غير أن الكون صار أكثر سعة من أن تضمه ملكة إلى صدرها

لن تصل كلماتي إلى عينيك

أعرف أنك لن تصدقي ما تسمعين إن لم ينهمر بكائي دموعا على خديك

هل تحتاج الحرية إلى تمثال؟

إنها كلمة هشة

تنزلق الكلمات على الحجارة مثل لاعبة تزلج

“أهلا بكم أيها المنبوذون
لا تزال هناك أمكنة خلية في الكابوس“

الحرية صبية تمد يدها إلى الماء

فتعود حمراء

استفزت رائحتها سمك القرش

 بدلا من الحرية أوقفوا القتل

لن يفكر رجل احترق بيته في إنقاذ مطبخه

لا يمكن رؤيتها

تستيقظ الحرية حين ينام الناس

شارع فولتون

22-10-2017

 

أحبك مارلين

"كتابة أوتوماتيكية"

رحلة

في الماضي كان أندريه بريتون يوزع حلوى على مريديه. ولقد تبين في ما بعد أن تلك الحلوى كانت مسمومة. قتل أحدهم زوجته فيما رسم الآخر صورة زوجته على المرآة بأحمر شفاهها وقد سرق رسام زوجة شاعر باعته إلى مزوّري أعماله وكان يمشي مثل إمبراطور.

أكاذيب يا صديقي. لا تصدق أن نهر السين كان وفيا. المياه هي المياه. حين تلتقي حجرا لا تتسلقه بل تحاول أن تجري من حوله. إنها الفكرة عينها التي تحفظ للإنسان حياته. مثل حصاة. صامتة تلك الحصاة. ليست هناك قائمة بالخسائر. ينبغي أن تغسل شعرك قبل أن تقصه.

“أحبك مارلين” لو أن بريتون رآك لما كتب بيانه السريالي. هناك حقول مغناطيسية تمشي بقدميك وهناك سماوات لا تزال تفتح أبوابها ما أن تقع عليها نظرتك. لا تزالين حية مارلين. ما أن أقف أمام صورتك حتى تحضر عشتار. هذه بابل وكلنا بابليون.

هناك

شيء من ندم

يأسرني

فأكون

سواي

أقف في انتظارها

المرأة التي أتوقع أنها ستحضر بقبعتها

النايات تتبعني فأنا لا أزال راع لأغنام لم تصل بعد

المرأة التي تجلس قريبا منى تشبه تلك المرأة التي انتظرها

غير أنها لا تضع قبعة على رأسها

كان علي أن اتخيل قبعة تليق برأسها

“هل التقينا من قبل؟” أسألها

تضحك

“لقد وعدتني بأن تجلب لي قبعتي التي نسيتها على المنضدة في آخر مقهى التقينا فيه“

كانت قبعتها بيدي.

أصغر مني الشاب الذي أتبعه باعتباره جدي 

قبل أن يصعد إلى السفينة التفت إلي

أومأ إلي كما لو أنه يومئ إلى شخص يقف خلفي

التفتُ فلم أر أحدا

كنت قد أخبرته بأني مشيت وراءه مثل مخبر سري

ابتسم بحزن. كان حزنه خفيفا ونضرا مثله

قال “سوف أكتب إليك لأزودك بأخباري“

على السياج كان يقف ملوحا بقبعته

أصغر مني بالرغم من أنه كان من جيل جدي

لم يرني وأنا أبكي موته

أقف الآن على الشاطئ الذي رحلت منه سفينته

أودعه وأنا أعرف نه ذاهب إلى الموت

كانت ابتسامته أكبر من سفينة

واحدة من عادات الشعر

أن تجلس العاصفة على مقعد تلميذ كسول

شيء من السخرية يهبنا رائحة الفجر

23-10-2017 

 

إيماءة الشاعر الأخيرة

هناك ريفيون في نيويورك. في نهارها وليلها على حد سواء. كنت واحدا منهم وها أنا ذا أنسل منها خفية فجرا مثلما يفعل العشاق الخائبون. “ما من أحد يزور هذه المدينة إلا ويستخرج الريفي الصغير الذي يقيم في أعماقه” همست لكي أهدأ الشيطان الصغير الذي صار يعطس في أعماقي. في ليلة هادئة، ليلة لا تشبه أيّ ليلة أخرى. صمتت ويتني هيوستن فيها. دس الرعاة ناياتهم بين الأعشاب خجلا. قفز أرنب من الحكاية. “أليس اجلسي هادئة” أكتب رسائل إلى الموتى السعداء. أكتب رسائل الموتى إلى ذويهم الحائرين. أجلس في المقبرة من أجل ألاّ يشعر الموتى بالعزلة. غير أن الصمت صعب. نيويورك تودع صامتة. ما من مدينة تصر على صمتها مثلما تفعل نيويورك. تفضل ألاّ يلتفت أحد إليها حين يغادرها. فقد يقع البطء في صورته المطلقة مثل مظلي خائف. تحمل قدماك من أعشاب سنترال بارك ما يمكن أن يغطي مدنا بقشرة خضراء. هي الأمتار التي يمكن أن يمشيها المرء ليصل إلى المدينة الكاملة. ما من شيء يدعو إلى الرثاء الذي يهرول وراء فضيلة مفقودة مثل زمن بروست. هذه مدينة حكايات، تتداخل وتتواشج وتتقاطع وينسف بعضها البعض الآخر وتتناحر وتتصادم غير انها تعطي ظهرها لكل شيء مؤكد ومتماسك ومطلق. عالم ما بعد حداثي، تكثر فيه المجازات فيما تتضاءل أنوار المقولات الكبرى.

نيويورك ليست ورائي. يتلفت القلب كما يفعل كلب سكنته رائحة بيت مهجور. أخرج من رحمها منعما بالفاكهة السرية. “أيها الماضي ما الذي تفعله بنا حين تأسرنا أشجارك؟” ولكنه ماض ملغوم بحقول مفتونة بدروبها المتشعبة. ليس ذلك الماضي سوى أحجية. الطلسم الذي ينشر رائحته تحت الجلد. شيء يشبه الرشفة، لا سبيل إلى إحصاء عدد قطراتها. يترك المرء حواسه كلها هناك. يلتقط في طريقه ما يضمن له أن يتحسس طريقه إلى الحياة المباشرة.

“هل نسيت شيئا؟” يسألني سائق التاكسي.

ابتسم من غير أن أتمكن من حيرتي. كان ضياعي يتألم. تلك مدينة ليست للعيش ولكنها تصلح للحلم. تعالي أيتها الطيور لنشترك في أداء لحن سماوي من نوع مختلف. أغادر طائرا ولكن من غير جناحين. أضحك من الفكرة حين أتذكر جناحي بوابة محطة قطار الانفاق القريبة من وول ستريت. نيويورك مدينة أجنحة. وكلها أجنحة وهمية يتكفل العلم في رسم خطوطها وتحريكها وتحديد مسالكها. هناك مسالك للشعراء. هناك أزقة حالمة. لن يخرج الوحش من أنفاق الصرف الصحي. ياه، هناك ممرات هوائية لطالما حلمتني وهي تتنقل بي من حقل بري إلى آخر. تلك مدينة لا تنصت إلى أنين أعدائها. إنها ميناء يستقبل ولا يطرد. رقصة عند الفجر في إمكانها أن تجمع النقائض كلها في حلبة واحدة بعد حفلة عرس.  

لوركا بحثت عنك في هارلم.

شيء منك لا يزال محلقا بأجنحته هناك

هناك نافذة مفتوحة من أجلك. نافذة لا تزال مفتوحة لكي تراك من خلالها الجميلة التي حررتها من شغفك. الجميلة التي لا تزال تقود خطانا في اتجاه البيت. ذلك البيت الذي سيجمعنا لكي نهمس بالكلمات التي لم يقلها أحد قبلنا.

أخطأت طريقي إليك. نيويورك التي تعرفها لا تجعل المرء يتابع سيره. الضياع مغر في تلك المدينة. مدينة، الضياع فيها فاتن. تقضي نهارك جالسا في مقهى أو حانة ليمر العالم كله من أمامك. ربما التقيتك هناك. ربما رأيتني من غير أن تكلمني. هل كنتَ تبحث عني مثلما كنتُ أبحث عنك؟ لم يكن لدينا ما نقوله لو أننا جلسنا معا. لقد قرأت كتابك وأنت بالتأكيد ستقرأ كتابي. لقد اخترعتُ أجمل وسيلة للهرب من النظر إلى نيويورك. أن أنظر إليك كما لو أنك تلوح لي مودعا.

مقالات ذات صلة

إضافة تعليق جديد

Restricted HTML

  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a href hreflang> <em> <strong> <cite> <blockquote cite> <code> <ul type> <ol start type> <li> <dl> <dt> <dd> <h2 id> <h3 id> <h4 id> <h5 id> <h6 id>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.